فساد تنفيذ المشاريع وإهمالها يعطل أكبر ثروة مائية في لبنان: السيانوباكتيريا تعود مبكرا لقتل “القرعون” هذا العام


2020-04-18    |   

فساد تنفيذ المشاريع وإهمالها يعطل أكبر ثروة مائية في لبنان: السيانوباكتيريا تعود مبكرا لقتل “القرعون” هذا العام

"الموت" هو الخلاصة الجامعة التي توافقت عليها ثلاثة تطورات توثقت حول وضع بحيرة القرعون ومعها نهر الليطاني في حوضه الأعلى في البقاع، وهي: "المراجعة نصف المرحلية" التي أجراها البنك الدولي لتنفيذ مشروع تنظيف بحيرة القرعون، والكتاب الذي أرسله مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية إلى البنك الدولي حول المشروع نفسه، والأهم ما قالته البحيرة بنفسها حيث جاءت تحاليل نتائج عينات مياهها لتؤكد انعدام أي نوع من الحياة المائية فيها بعدما اجتاحتها السيانوباكتيريا مبكرا هذا العام. وظهر أحد أنواع السيانوباكتيريا (Aphanizomenon Ovalisporum) في 15 نيسان 2020 الشديد السمية على سماكة خمسة أمتار، وعلى كامل سطح البحيرة، كما أكد البروفسور كمال سليم للمفكرة. 

"لم نجد أي مظهر من مظاهر الحياة في العينات التي جمعها فريق مصلحة الليطاني من أماكن مختلفة من البحيرة"، يؤكد البروفيسور سليم. وهذا يعني علميا أن البحيرة لا تصلح لأي نوع من أنواع الإستخدامات، لا للري ولا حتى للإستخدام المنزلي وطبعا لا يمكن حتى التفكير بالتزود منها لمشاريع مياه الشفة". يبدو اجتياح السيانوباكتيريا وظهورها بهذا الشكل السمي العدائي في هذا الوقت من السنة وكأنه إنذار-صرخة من البحيرة نفسها التي أرادت أن تخبر عن حالها بعد 4 سنوات من صدور القوانين 63 و64 و65 التي أقرها مجلس النواب في تشرين 2016 لتنظيف بحيرة القرعون ونهر الليطاني، في إثر إعلان موتهما من قبل مجلس البحوث العلمية في آب من العام نفسه.

يأتي تأكيد موت بحيرة القرعون الذاهبة نحو تفاقم أكبر يضر بصحة الناس، وفق سليم "حيث سترتفع سمية السيانوباكتيريا مع ارتفاع درجات الحرارة، ومعها انبعاثات الغازات الدفيئة من الميتان إلى الكبريت والأمونياك وكلها غازات تتسبب بالسرطانات والتشوهات الخلقية وطبعا بالأمراض التنفسية-الصدرية"، يأتي في وقت يحتدم فيه الصراع والنقاش حول عدم جدوى مشروع سد بسري الذي من المقرر أن يسحب 50 مليون متر مكعب سنويا من القرعون إلى بيروت. كما تنكشف هذه المعطيات عشية تأكيد رئيس الجمهورية ميشال عون أمس في جلسة مجلس الوزراء استمراره بدعم السدّ وتحميله المعارضين مسؤولية منع الماء عن مليوني قاطن في بيروت وضواحيها، من دون أن يلحظ أو ينتبه عن أي نوعية ماء يتحدث، وهو الماء المسرطن الذي سيُمرّض سكان العاصمة والضواحي كما فعل بأهالي البقاع. للتذكير، تبلغ نسب السرطان على حوض الليطاني أربعة أضعاف المعدل العام في البلاد بسبب تلوث الليطاني والقرعون.

وتكمن أهمية هذه المعطيات في فضح الإستهتار بتنفيذ المشاريع حتى مع تأمين تمويلها وصرف الأموال من دون فوائد فعلية على الأرض، حيث أشار د. علوية في كتابه إلى دفع مليون و700 ألف دولار إلى مستشارين وخبراء لا يحضرون الإجتماعات الخاصة بالمشروع حتى، وتبلغ رواتب بعضهم 10 آلاف دولار شهريا.

ومع القرعون وهدر خزانها المائي البالغ اليوم 224 مليون متر مكعب عدا عن المفيض الذي تفرغه ذاتيا بعدما فاق الآتي من المياه قدرتها على التخزين، نجد أن قتل الليطاني ما زال مستمراً مع الكتابين اللذين أرسلهما علوية إلى محافظي البقاع وبعلبك الهرمل يطلب فيه منهما عدم السماح للمزارعين بالريّ من الليطاني كون مياهه الملوثة غير صالحة حتى للري. يأتي هذا الكلام في ظل أزمة العوز والجوع التي تحلّ باللبنانيين حاليا والمؤشرات التي تؤكد أننا في الطريق إلى مزيد من التأزم على صعيد الأمن الغذائي.

 

توثيق دولي لإهمال مجلس الإنماء والإعمار وعدم شفافيته

كانت الحكومة اللبنانية ومجلس النواب قد وافقا في 2016 على قرض من البنك الدولي بقيمة 55 مليون دولار للحدّ من تلوّث بحيرة القرعون على أن ينتهي تنفيذه في حزيران 2023، كونه أطلق في كانون أول 2016. ويهدف المشروع أساسا "للتخفيف من كمية مياه الصرف الصحي غير المعالج التي يتم تصريفها في نهر الليطاني وتحسين إدارة التلوث حول البحيرة القرعون". اليوم وبعد 3 سنوات على بدء تنفيذ المشروع، نشر البنك الدولي تقريره عن التقدم بالمشروع ومجرياته في المراجعة نصف المرحلية، وجاءت النتيجة كارثية. قال البنك الدولي:  "لم يلاحظ أي تحسن في جودة مياه نهر الليطاني، ولا تزال مؤشرات تدفّق مياه الصرف الصحي (البكتيريا القولونية والـــBOD) ونسبة الأسمدة الزراعية (النترات في المياه) مرتفعة في نهر الليطاني ومياه بحيرة القرعون، وتحديداً على مستوى المؤشرين الرئيسيين المحددين لأهداف المشروع: كمية مياه الصرف الصحي المنزلي التي يتم جمعها ومعالجتها، وكمية الأسمدة الزراعية خصوصا عنصر الآزوت."

 وعلى صعيد التنفيذ، خلص التقرير المنفذ من قبل فريق البنك الدولي في آذار 2020 إلى أن التنفيذ العام للمشروع "غير مرضٍ بالنظر إلى التأخير الكبير، وحيث أن النشاط الرئيسي للمشروع هو بناء شبكات الصرف الصحي". وأكدت المؤشرات أنه "لم يتم إنشاء سوى 4٪ فقط من شبكات الصرف الصحي المقررة (18 كم من 441 كم)، ولم ينفق سوى 6.3٪ فقط من الميزانية المتعلقة ببناء شبكات الصرف الصحي، كما لم يتم وصل سوى 1.8% (168 منزل) من المنازل على شبكة الصرف الصحي من أصل 9 آلاف و150 منزلاً يشملها المشروع. وسلط تقرير المراجعة الضوء على الأداء الإداري السيئ للمشروع، وعمليات الشراء الطويلة للأعمال وأنشطة المساعدة الفنية، ونقص التنسيق بين الأطراف. وفي محاولة لإنقاذ المشروع، اقترحت المراجعة إنشاء وحدة تنفيذ المشروع (PIU) مركزها في وزارة البيئة بالرغم من وجود وحدة إدارة المشروع PMU حاليا في مركز مجلس الإنماء والإعمار، وكذلك إنشاء لجنة توجيه مشتركة بين الوزارات يكون مركزها أيضا في وزارة البيئة.

 

يمكن لموظفي الوزارات القيام بمهام الخبراء وتوفير 1.7 مليون دولار

سريعاً، أرسلت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عبر مديرها العام دكتور سامي علوية كتاباً إلى مدير دائرة المشرق في البنك الدولي السيد ساروج كومار جاه، وصفت فيه، باسم المصلحة، المشروع ب"الميت سريرياً"، لافتة إلى أنه "على الرغم من التأخير في تنفيذ الصفقات المفيدة المتعلقة ببناء شبكات الصرف الصحي، تعمل إدارة المشروع بشكل سريع ومثالي على صرف الرواتب الخاصة بها وتمويل صرف الرواتب المفرطة للخبراء الذين لا داعي لهم والمعينين في الوزارات المختلفة (وزارة البيئة، وزارة الطاقة والمياه) ومؤسسة مياه البقاع".

واعتبرت المصلحة أن إنشاء وحدة جديدة لتنفيذ المشروع (PIU) في وزارة البيئة لمساعدة وحدة إدارة المشروع القائمة حاليا سيكون بمثابة خسارة في الوقت والمال، مقترحة استبدال وحدة إدارة المشروع القائمة، بأخرى جديدة، أو إيقاف المشروع الحالي ودمج أنشطته مع أنشطة المشروع الجديد المقترح "البرنامج الوطني الشامل للإدارة البيئية (المرحلة الأولى – حوض نهر الليطاني)".

وبالنسبة لرواتب الخبراء رأت المصلحة أنه "يتوجب على الوزارات والمؤسسات المعنية تعيين خبراء من موظفيهم مجانًا للتنسيق ومتابعة أعمال المشروع كون هؤلاء الموظفون يحصلون على رواتبهم مقابل عملهم من قبل الحكومة اللبنانية". وأشارت المصلحة في كتابها إلى ما أنجزته منذ 2018، على صعيد  مسح وتوثيق التعديات والأنشطة الملوثة على طول النهر وبحيرة القرعون والحد قدر الإمكان من تلويثها، ومقاضاة وإغلاق غالبية المؤسسات الصناعية الملوثة، وتحرير مساحة إجمالية قدرها 50 هكتار من التعديات، وإجبار المطاعم والمنتزهات على النهر على معالجة نفاياتها السائلة قبل إلقائها في النهر وإزالة جميع الإنشاءات، كما إغلاق جميع المحافر والكسارات التي تشكل تهديدًا للنظام البيئي للمياه في الحوض الأدنى. وعليه، رأت المصلحة في كتابها أنه أصبح من الضروري اعتبار المصلحة شريكًا رئيسيًا في جميع مشاريع المياه المستقبلية لحوض نهر الليطاني، خصوصا للمشروع الجديد المقترح "البرنامج الوطني الشامل للإدارة البيئية (المرحلة الأولى – حوض نهر الليطاني)".

 

السيانوباكتيريا القاتلة

وكانت مصلحة الليطاني قد أعلنت رصد تكاثر طبقة كثيفة من السيانوبكتيريا على ضفاف بحيرة القرعون وأسفل السد. وجرى تحليل العينات من قبل الباحث الدكتور كمال سليم الذي تفاجأ باجتياح السيانوبكتيريا المبكر هذا العام للبحيرة، مشكِّلة ما يسمى البلوم. وأظهرت الدراسة "تواجد النوع الذي يسمى بـ  Aphanizomenon ovalisporum الذي يفرز سموما ويقضي على الحياة في البحيرة. والسيانباكتيريا اجتاحت أيضاً منطقة المياه الخارجة من المفيض وكانت كثافة هذا النوع كبيرة وهذا يحصل للمرة الأولى وبعكس السنوات الماضية."

وأكدت المصلحة أنها بصدد رفع تقرير معزز بالمعطيات العلمية إلى الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات الآنية الرامية للحد من هذه المشكلة. بالإضافة إلى إلزام كافة الجهات المعنية بوجوب المسارعة لوقف تدفق الصرف الصحي إلى البحيرة، والعمل على تنفيذ خارطة الطريق لرفع التلوث عن نهر الليطاني وبحيرة القرعون لا سيما تنفيذ مشاريع شبكات ومحطات الصرف الصحي في الحوض الأعلى.

خاصة وأن هذه المشكلة ستتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة و استمرار تدفق المياه المشبعة بالصرف الصحي بمعدل 40 مليون متر مكعب سنويا.

وأكدت المصلحة في بيانها أنه سبق واتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لتعديل حركة المنشآت المائية لتحويل كافة المياه الوافدة من المفيض باتجاه معامل توليد الطاقة الكهرومائية ورفع القدرة الإنتاجية لمعمل عبد العال إلى 32 ميغاوات ما يخفف منسوب البحيرة يوميا بمعدل 1,8 مليون متر مكعب لحماية نوعية مياه الشفة في محطة الطيبة؛ وفي مشروع ري القاسمية.

 

لا لري المزروعات بمياه المجارير

وعلى خطّ مواز، طلبت مصلحة الليطاني من محافظي البقاع القاضي كمال أبو جودة وبعلبك الهرمل بشير خضر منع ري المزروعات من مياه نهر الليطاني وروافده في نطاق محافظتي البقاع وبعلبك الهرمل، وضرورة تأمين مقتضيات الأمن الصحي وجودة مياه الري وسلامة الغذاء في إطار السعي والبحث عن الأمن الغذائي.

وقد جاء تحرك المصلحة بعدما رصدت فرق المراقبة التابعة لها أنه تمّ في إطار السعي إلى تأمين مقتضيات الأمن الغذائي والتشجيع على الزراعة مباشرة أنشطة ريّ عدد من المحاصيل الزراعية من مياه نهر الليطاني وبعض روافده الملوثة. كما رصدت أنشطة تجهيز وسائل وأشغال لجر مياه الري من النهر، وتذرع عدد كبير من المزارعين باستخدام هذه المياه لري محاصيل الذرة العلفية والتي تبين أنها تخصص للاستهلاك البشري، أو يشكل التذرع بتلك الزراعات لري محاصيل أخرى.

وأشارت المصلحة في كتابها إلى أن مياه نهر الليطاني لا تزال غير مطابقة للمعايير الجرثومية لإستخدامها لري المزروعات، بحسب معايير منظمة الصحة العالمية (WHO) و منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، خاصة وأن نسبة القولونيات الإجمالية ونسبة القولونيات المتحملة للحرارة في بعض المواقع تبلغ أكثر من 200,000 مستعمرة في المئة ميليلتر وفقا للتحاليل الدورية التي تجريها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بينما الحد الاقصى المسموح به في كل 100 ميليلتر هو 1000مستعمرة بالنسبة للقولونيات الاجمالية و100 مستعمرة بالنسبة للقولونيات المتحملة للحرارة وفقا للFAO   أو 1000 مستعمرة للقولونيات المتحملة للحرارة وفقا لل  WHO، أي أن الجراثيم تتخطى كل المعايير العالمية التي تم وضعها لمياه الري

 

وتعود مشكلة تلوث مياه نهر الليطاني في الحوض الأعلى إلى استمرار مشكلة تدفق مياه الصرف الصحي إلى نهر الليطاني وروافده بشكل غزير يصل سنوياً إلى حدود 47 مليون متر مكعب، بسبب التعثر غير المفهوم من قبل الجهات المعنية بتطبيق القانونين 63 و64 للعام 2016 اللذين تضمنا سلسلة مشاريع للبني التحتية للصرف الصحي ومعالجته وأمّنا الاعتمادات اللازمة لتنفيذ هذه المشاريع من خلال التمويل المحلي والقروض الخارجية.

 

 

 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، الحق في الصحة والتعليم ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية