رغم الكورونا.. فقراء طرابلس وثوّارها يعودون إلى الساحات


2020-04-18    |   

رغم الكورونا.. فقراء طرابلس وثوّارها يعودون إلى الساحات

لم ينتظر "جياع" طرابلس رفع إجراءات التعبئة العامة للعودة إلى الشارع. فقد إستعاد فقراء عاصمة الشمال زمام المبادرة في ساحة النور، ورفعوا الصرخة في وجه سلطة حكومة الأحزاب وإئتلاف المصارف. ومساء الجمعة (18 نيسان)، إحتشد عدد كبير من المواطنين في الساحة التي غصّت خلال انتفاضة 17 تشرين بالمتظاهرين، بعد ليلة من المواجهات بين متظاهرين والجيش الذي فضّ تجمّعهم بالقوّة ما أدّى إلى سقوط جرحى. وافترش عدد منهم الأرض بأجسادهم وأجساد أبنائهم، بعد أن تعذّر عليهم تأمين ربطة الخبز عشية شهر رمضان، فكيف الحال بحليب الأطفال والدواء في ظل الإرتفاع الجنوني للأسعار بالتوازي مع ارتفاع سعر صرف الدولار.

ثورة بكمّامات وقفازات

إلتزم العدد الأكبر من المتظاهرين بإجراءات الوقاية السائدة، فلبسوا الكمامات والقفازات، وأثناء توجّههم إلى الساحة لم يتأخروا بالمقارنة بين الموت جوعاً والموت بسبب فيروس كورونا، لذلك قرروا أنّهم لن يلتزموا منازلهم بعد الآن. فنزولهم إلى الشارع ليس نتيجة رغبة في مخالفة القيود، وإنما لأن الوضع لم يعد محتمل، وسيشجع تواجدهم في ساحة النور من بقي في منزله لرفع الصوت والمطالبة بحقوقهم الأساسية.

ولاحظ المتظاهرون تغييراً في سلوك العسكر تجاههم، ففي اليوم السابق سادت لغة القوة، وإستخدم الجيش العنف لفض الإعتصام العفوي الذي بدأته مجموعة من الثوار ولاحقهم في الشوارع الداخلية لمدينة طرابلس، أما مساء الجمعة فتكفّل الجيش بحفظ الأمن والنظام، ولم يتدخّل لإخراج المتظاهرين من الساحة.

كما حضرت في الساحة أزمة المساعدات التي توزعها بلدية طرابلس على سكان المدينة، وتكرر الحديث في صفوف المتظاهرين عن لامساواة في توزيعها على البيوت ووجود محسوبيات. وإنتقد المتظاهرون إجتماع نواب ووزراء طرابلس في معرض رشيد كرامي، معتبرين أنّ هدفه استعراضي ولم يأت بأي جديد لذلك قرّروا القيام بجولة على منازل القيادات السياسية في المدينة لإدانة موقفهم السلبي من مطالب مواطنيهم. فمع انتهاء الإعتصام بساحة النور، بدأ الثوار مسيرة إلى منازل القيادات السياسية في طرابلس. وبعد وصولهم إلى منزل النائب فيصل كرامي وقع تدافع مع عناصر الجيش، ومنعاً لزيادة التوتّر عاد المتظاهرون إلى الساحة حيث قام بعضهم بإحراق إطارات، وهو أمر غاب عن الإحتجاجات لفترة طويلة.

ثورة الجميع قادمة

يعتبر نزار سقاط الفول أحد الوجوه الحاضرة بإستمرار في ساحات طرابلس، والذي إشتهر بـ "رادود الثورة" لابتداعه الهتافات باللهجة الطرابلسية، أنّ التحركات الراهنة هي مؤشر لما سيحصل لاحقاً، لأن الناس لن يصبروا طويلاً في بيوتهم، خصوصاً أنّ الوعود الطنانة والرنانة لن تتمكّن من سدّ رمق الجياع. ويشير الشاب الثائر إلى أنّ الطبقة الوسطى لم تعد موجودة، وذهبت ضحية للسياسات الإقتصادية السيئة ودفاع الدولة عن مصالح الأقوياء.

يلفت نزار إلى التفاوت الإجتماعي في طرابلس، فهي مدينة تجتمع تحت سمائها فئتان، فئة جائعة شديدة الفقر وفئة غنية. ويتنبّأ ثورة جديدة بدأت تباشيرها بالظهور منذ فترة مع التمّرد على سياسات التعبئة العامة، لافتاً إلى أنّ الفترة ستشهد نزول التجار وأصحاب المحلات في الأسواق إلى الشارع لأن موسم رمضان والأعياد بات مهدداً كما أنّ تجارتهم تعطّلت منذ أشهر بفعل شح الدولار.  

ثورة المياومين

يشكل المياومون والعاملون بالقطعة وقوداً للثورة المتجدّدة، فهم أول ضحايا إستراتيجيات التعبئة العامة التي قامت على الطابع الزجري الأمني، فيما لم تلحظ أية إجراءات لتخفيف معاناة الأكثر حاجة ممن لا يمتلكون مورد دخل دائماً، وإقتصرت خطة الحكومة على تقديم وعد مستقبلي بـ 400 ألف ليرة لبنانية لفئة منتقاة من السكان.

يقدم الشاب محمد شهادة عن الواقع المستجد، فهو يعمل مياوماً في الدّهان وإصلاح البيوت، ويعيش مع زوجته وولديه في منزله متواضع في أحد المناطق الشعبية – وادي النحلة شمال طرابلس. يتحدث محمد عن وضع مأساوي تعيشه عائلته، وأنه يجد صعوبة في تأمين ربطة الخبز وتأمين الإحتياجات الأساسية للصغار. يُؤكد محمد أنّه "لم يضرب ضربة منذ ثلاثة أشهر" لأن الوضع الإقتصادي يسوء لدى جميع الناس، مستشعراً الحرج في المطالبة بالمساعدة من الناس الأقربين، فكيف الحال بالنسبة لبلدية طرابلس التي يشمل مشروعها للمساعدات أبناء طرابلس الذين يقطنون خارج النطاق الإداري للمدينة. يستشعر محمد بالخطر القادم، معتقداً أنّ ثورة جياع قادمة ولن يتمكن أحد من كبح مطالب المحتاجين. 

 ثورة الأكثر فقراً

تأتي التحركات الشعبية المتواصلة إستمراراً لثورة 17 تشرين، لأن الحكومة التي يرأسها حسان دياب لم تقدّم إصلاحات جدّية على أرض الواقع. ويعتقد د. أيمن عمر أنّ توقّف الإنتفاضة في الفترة السابقة جاء نتيجة الخوف من جائحة كورونا، إلا أننا وصلنا إلى مرحلة من اليأس والإنحدار الإجتماعي والتأزم الإقتصادي إلى درجة يساوي الناس فيها بين "الموت جوعاً والموت بفيروس كورونا" لأنهم في الحقيقة يعيشون الموت البطيء.

يلفت عمر إلى أنّ طرابلس هي المدينة الأكثر فقراً على حوض البحر المتوسط، لذلك فمن المتوقع أن تندلع شعلة الثورة منها مجدداً وأن يتدحرج الواقع المطلبي سريعاً. ويُقدّر أنّ ما يزيد على 70% من سكانها يعيشون ضمن ظروف صعبة، وتخطّت 50% نسبة الذين يعيشون دون خط الفقر، فيما تبلغ نسبة البطالة 60%.     

يحمّل عمر مسؤولية وضع عاصمة الشمال إلى السياسات العشوائية وتهميش المدينة، لافتاً إلى توسع طبقة الفقراء بفعل تأثير سعر الدولار الذي تجاوز لأول مرة في التاريخ سقف 3000 ليرة لبنانية وهو حد لم نبلغه خلال الحرب الأهلية.

يتوقع عمر أن تطوى صفحة الطبقة السياسية القائمة ونذهب إلى نموذج إقتصادي جديد، لأنها لم تقدم أي إنجازات ملموسة، لا بل ساهمت في سياسات التجويع وإقفال المنشآت وعملت جنباً إلى جنب مع المصارف ومافيا إحتكار الفيول والأدوية والإتصالات. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية