ابتكارات وتضحيات لمواجهة أزمة الكورونا في تونس


2020-05-06    |   

ابتكارات وتضحيات لمواجهة أزمة الكورونا في تونس

مشاهد مروعة تلك التي خلّفها فيروس كورونا في مختلف دول العالم، طابور طويل في إحدى الولايات الأمريكية لشراء الأسلحة، فوضى عارمة في المساحات التجارية في إحدى المدن الأوروبية للظفر ببعض الأكل. قال أحد الخبراء في تدخله على إحدى القنوات العربية "إن فيروس كورونا سيخرج أفظع ما في الإنسان". على الضفة الجنوبية كان سؤال واحد يسيطر على عقول الجميع "هكذا تبدو الصورة لدى شعوب الدول التي كنا ننظر إليها على أنها عنوان للحضارة والتحضر فماذا سيحصل مع الشعوب التي تُوصم بتدني وعيها؟". على عكس المتوقع وعلى أرض الواقع، تزامنا مع تطور الجائحة إرتفع عدد المبادرات التي تهدف إلى مؤازرة مجهودات وزارات الصحة في بلدان عديدة في العالم، كما تشكلت خلايا التبرعات لمساعدة الفقراء الذين زادتهم أزمة الكورونا فقرا. في تونس أيضا إرتفع نسق نشاط الشباب بشكل كبير، مبادرات شبابية يومية، إبتكارات لمساعدة المستشفيات على التعقيم، إضافة إلى خلايا التبرعات التي تشكلت بطريقة عفوية وفي مختلف الولايات وإرتفع عددها بدخول شهر رمضان.

 

"أرني هويتك": كورونا والذكاء الإصطناعي في تونس

قبل أسبوع صنف موقع ستارتاب بلينك Startup Blink   مدينة تونس في المرتبة 223 عالميا ضمن أكثر من 1100 مدينة في ترتيب إبتكارات الدولة في مواجهة كوفيد 19. تقدمت تونس بـــــــــ 49 مرتبة، وإحتلت المرتبة الثانية في شمال إفريقيا والمرتبة الخامسة عربيا. يعد هذا التصنيف إيجابيا جدا بالنسبة لتونس. لكنه يعتبر عاديا بالنظر إلى كم المبادرات والإبتكارات التي ولدت إبان أزمة فيروس كورونا. أشهر هذه الإبتكارات هو ما يعرف بــــــــــ "روبوت الداخلية" نسبة إلى وزارة الداخلية. أثار مشهد تحرك الروبوت وهو تونسي الصنع واسمه PGuard وسط شوراع العاصمة وهو يتثبت من هويات المارة في الشوارع ويتم التحكم فيه عبر غرفة عمليات بوزارة الداخلية إنتباه الصحافة العالمية. صاحب الإختراع هو التونسي الأستاذ الجامعي أنيس السحباني العائد حديثا من جامعة السوربون. السحباني هو أصيل معتمدية سجنان من ولاية بنزرت وقد تخصص في صناعة الروبوتات وتوجيهها للتصدير. وقد نجح في تصنيع أربعة أنواع من الروبوتات التي يمكن استخدامها في قطاعات الصحة والأمن والتعليم وغيرها. وقد تم تتويج صاحب هذا الروبوت في المعرض الدولي التاسع للاختراعات بالشرق الأوسط خلال العام 2017 والذي شارك فيه 200 مخترع من 36 بلدا وتحصل الوفد التونسي على 8 جوائز من بينها الجائزة الكبرى.

رغم أن الروبوت صنع منذ 2016 إلا أنه لم يجد طريقه إلى الإعلام والشهرة إلا خلال أزمة كورونا. لا يملك أنيس السحباني تفسيرا للموضوع لكنه يرى أن الوضع الذي تعيشه تونس والعالم قد يكون السبب الذي أعطى رمزية للروبوت. في حديثه مع المفكرة، يقول أنيس "يجب أن نوضح بعض اللبس الحاصل، هناك فرق بين الروبوت والآلة. الروبوت يعمل بالذكاء الإصطناعي وقادر على إتخاذ القرارات. في تونس، صناعة الروبوت ما زالت في بدايتها، هناك شركات قليلة جدا تختص في هذا المجال لكن الشيء الإيجابي أنه في تونس اليوم تجد ناديا للروبوت في كل جامعة هندسة وهذا شيء إيجابي جدا في المستقبل "

يعتبر PGuard أول روبوت في العالم لحراسة المنشآت الخاصة وبحسب أنيس السحباني هناك شركة منافسة وحيدة في العالم وهي شركة أمريكية.

 

كيف تصنع (روبوت) آلة تعقيم في مدة وجيزة؟

هناك جدال قائم بين العلماء واللغويين على حد سواء بشأن التعريف الدقيق للروبوت، فالبعض يقول بإطلاق هذه الصفة على كل آلة يُمكن للإنسان السيطرة عليها وتحريكها عن بعد، بينما لا يوافق البعض الآخر على هذا، وحجتهم أن تلك الآلات، على شاكلة السيارة أو الطائرة ذات التحكم عن بعد، لا يمكن اعتبارها روبوتا لعدم امتلاكها المقدرة على التفكير واتخاذ القرار بنفسها. معز محروق مهندس أصيل ولاية قابس، ينشط في كل ما له علاقة بالكهرباء وصناعة الآلات منذ 2012. عند بداية تفشي وباء كورونا المستجد. لم يستطِع معز وزملاؤه البقاء مكتوفي الأيدي فقرروا صناعة جهاز يساعد بشكل ما الإطار الطبي في مجهوداتهم، فاستقرّ القرار على صنع "روبوت" يتم التحكّم فيه عن بعد لتعقيم المستشفى و المراكز الصحية. الروبوت قادر على أن يحمل حوالي 6 لترات من مواد التعقيم كما يمكن تطويره و تغيير نشاطه إلى تلبية إحتياجات الأشخاص الذي يقضون فترة الحجر الصحي و تجنب الإتصال المباشر. يقول معز أن العمل بدأ بالإمكانيات القليلة الموجودة ويضيف في تصريح للمفكرة "واجهتني بعض الإشكاليات خلال القيام بصناعته على غرار عدم توفر المواد الأولية ولقد بدأت في صناعته منذ عشرين يوما وفي صورة توفر الإمكانيات فإنني مستعد لصناعة نسخ أخرى منه أكثر تطورا". لاقى معز تشجيعا من السلط الجهوية لكن على مستوى المركز لايزال التفاعل مع هذه المبادرة غائبا.

لم يقتصر الأمر على صنع الروبوتات بل تجاوز ذلك إلى أفكار أخرى في مجالات أخرى. فمجموعة من طلبة الهندسة بكلية الهندسة بسوسة يعدّون دراسة لتحويل قطار إلى مصحة متحركة وذلك من أجل الوصول إلى المناطق الصعبة والتي تعاني نقصا في الإطار الطبي و شبه الطبي، فيما أعلن مهندسون آخرون عن إنشاء منصة على شبكة الأنترنت تقوم بفحص الأشعة السينية للرئة وتقييم إحتمالية إصابة المريض يفيروس كورونا المستجد. ولم يتم التأكد من مدى فعالية هذا الإختراع..

 

إختراعات وتضحيات في مواجهة كورونا

لم يقتصر الأمر على الإختراعات، بل شهدت البلاد خلال هذه الأزمة أمثلة عديدة لمواطنين قدموا تضحيات كبيرة من أجل التصدي لجائحة كورونا. حيث قرر نحو 150 من العمّال أغلبهم من النساء قضاء الحجر الصحي المفروض على البلاد داخل مصنعهم في وسط تونس، لمواصلة إنتاج الكمامات الواقية للأطقم الطبية التي تكافح لاحتواء فيروس كورونا المستجد.

وقد صرّح حمزة العلويني المشرف على المصنع لوكالة الأنباء الفرنسية: "نحن الوحيدون في تونس الذين ننتج الكمامات للمستشفيات ولا يمكننا أن نخاطر بنقل العدوى إلى مكان العمل". لاقت التضحية ترحيبا كبيرا من التونسيين بل يمكن القول أنها مثلت الشرارة الأولى في سلسلة التضحيات والإختراعات. حظي الخبر بإهتمام كبير من الصحافة المحلية والأجنبية.

إلى جانب هذه المبادرات تسببت أزمة كورونا التي إندلعت منذ 2 مارس تاريخ الإعلان الرسمي عن أول إصابة في تونس في بروز عدد كبير من المبادرات التي تعددت أنواعها وأشكالها على غرار إنشاء ورشات صغيرة لصناعة الأقنعة، تنظيم حملات تطوع لمساندة الإطارات الطبية وشبه الطبية إضافة إلى المجهودات الكبيرة التي قام بها الطلبة لاقتراح حلول للمشاكل التي تعاني منها بعض المراكز الصحية إلى جانب تصميم تطبيقات بدأ العمل بها فعليا في مستشفى الرابطة و التي بواسطتها يمكن للمريض إجراء موعد مع الطبيب دون الإضطرار على التنقل للمستشفى.

 

خلايا التبرعات: "مساعدة الآخرين سبب من أسباب السعادة "

أعلن رئيس الجمهورية الحجر الصحي الشامل في 22 مارس 2020. ورغم أن الحكومة أعلنت عن بعض الإجراءات التي تستهدف العائلات المعزوة إلا أن هذه الفترة كانت لها تداعيات إقتصادية صعبة على قسم كبير من التونسيين. بالنظر إلى المشاكل الكبيرة التي يعاني منها القطاع الصحي، إنطلقت حملة تبرّعات كبيرة على الرقم 1818 لمؤازرة مجهودات وزارة الصحة شارك فيها جميع مكوّنات المجتمع من مواطنين وجماعات محلية وشركات وأصحاب أعمال. وصل حجم هذه التبرعات إلى حد كتابة هذه الأسطر أكثر من 197 مليون دينار ( 67 مليون دولار). هذه التبرعات كانت سببا في إنطلاق حملة عفوية لجمع التبرعات لفائدة العائلات الفقيرة في مختلف المحافظات التونسية شاركت فيها الجمعيات والبلديات والهلال الأحمر.

 

"كورونا فتح شباكا صغيرا لآمال الشباب"

يرى بعض المتابعين أن الليونة التي تعاملت بها الدولة منذ دخول الفيروس إلى تونس غريبة جدا. ففي الأيام العادية ولتطبيق هذه الإجراءات وتنفيذ هذه المبادرات، يمكن أن يستغرق الأمر سنوات. إلاّ أن التفاعل من قبل وزارة الصحة، وزارة الداخلية وبعض المؤسسات الحكوميةبدا هذه المرة مختلفا. هنا. يفرض هذا السؤال نفسه "هل كنا نحتاج كورونا من أجل دفع الدولة للإهتمام بأفكار الشباب؟ " في إجابة على هذا السؤال، يقول المهندس معز محروق أنه لو لم تكن تونس تعيش أزمة لما تفاعلت الدولة بهذه الطريقة ولو أن تفاعلها يبقى دون المأمول. "كورونا فتح شباكا صغيرا وأنظر كمّ المبادرات التي تتالت، فتخيل أن تفتح الدولة الباب على مصراعيه". أفكار الشباب التي ساعدت الدولة بشكل ملموس خلال الأزمة سواء من خلال الإختراعات أو التبرعات أو التضحيات لاتزال تنتظر تفاعلا جديا في إطار سياسة متكاملة وليس بسبب إضطرار الدولة لقبول هذه الأفكار تحت وطأة الأزمة.

 في آخر لقاء تلفزي قال رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ "إن أزمة كورونا ستكون المنطلق للإصلاح". يمكن أن يكون كلام الفخفاخ نابعا عن تجربة شخصية في دراسة إمكانيات الدولة وقدرتها على الإنجاز خلال أزمة كورونا والتي تميزت بالسرعة والتفاعل الإيجابي وإن كان دون المأمول. لكن الرهان الحقيقي يكمن في نجاح الحكومة في المحافظة على نفس النسق في حال مرت الأزمة بالنظر إلى حجم التحديات التي تنتظرها. التداعيات الإقتصادية لفيروس كورونا ستكون كبيرة على تونس. وحسب الخبراء، السنوات القادمة ستكون صعبة. فهل ستتعلم الدولة الدرس وتنصت للشباب للخروج من الأزمة الإقتصادية المرتقبة؟

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، الحق في الصحة والتعليم



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية