هل تمهّد هزيمة السّلطة في اليسوعية لإنشاء اتّحاد وطني لطلّاب لبنان؟


2020-12-05    |   

هل تمهّد هزيمة السّلطة في اليسوعية لإنشاء اتّحاد وطني لطلّاب لبنان؟

من ساحة الشهداء في وسط بيروت، التي انطبعت على جدرانها ذكريات 17 تشرين، أعلن رئيس النادي العلماني في الجامعة اليسوعية شربل شعيا “بداية الانتفاضة الطلابية”، وقال في مؤتمر صحافيّ “اليوم الجامعات الخاصة، وغداً الجامعة الوطنيّة والنقابات والبلديّات والمجلس النيابي. انتصار اليوم هو بداية انتفاضة طلابيّة حقيقيّة، ونتيجة إرث نضالي لعقود”، مؤكداً أنّ “اليسوعية لم تكن يوماً قلعة لحزب أو زعيم، ولن تكون”.

ونظراً إلى كون طلاب لبنان مهدّدين في كلّ لحظة بالتحوّل إلى مشاريع بطالة أو هجرة، ومهددين كذلك بحقّهم في التعليم بسبب القسط “المدولر” الذي تعتمده الجامعات الخاصّة، طالب شعيا “بعقد طلابي إلزامي ينظّم علاقتنا بالجامعة ويحمي حقوقنا كطلاب عبر تجميد القسط إلى حين تخرّج كل طالب، وضمان حرية عملنا السياسي والنقابي في حرم الجامعة، ومنح المجالس الطلابية صلاحيات واسعة للمشاركة في صنع القرار بالجامعة، إضافة الى دعم الجامعة الوطنية”. وفي هذا الإطار، أوضح شعيا أن المجموعات الطلابية ستسعى إلى تأسيس اتحاد وطني لطلاب لبنان، يمكّنهم من استعادة دورهم في الحياة السياسية وانتزاع حقوقهم التي سلبت منهم.

المؤتمر الصحافي الذي عقده النادي العلماني في قلب العاصمة، توّج انتصاراً جديداً على صعيد الحركة الطلابية في لبنان، وحققته حملة “طالب” في جامعة القديس يوسف بعد فوزه برئاسة جميع الهيئات الطلابية للكلّيات الـ12 التي شارك في انتخاباتها، ما يعكس منعطفاً أساسياً في تغيُّر مزاج الطلاب، يأمل كثيرون أن يمهّد الطريق نحو تحوّلات “محتملة” في الحياة السياسية خلال السنوات المقبلة في وجه سياسات الترهيب والتهجير والتدمير التي تنتهجها السّلطة وأحزابها.

خاض طلاب الجامعة اليسوعية معركتهم الانتخابية في مرحلة مبكرة من هذه السنة الاستثنائية التي تعجّ بالأزمات المتتالية التي بدأت على وقع انتفاضة 17 تشرين وكل ما رافقها من تعرية سياسات السّلطة وفضحها، وأبصرت النور مع إطلاق الطلاب حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمطالبة الإدارة بإجراء الانتخابات، وتكلّلت بالنجاح بعد تمكّنهم من انتزاع هذا الحق الذي يسمح بممارسة الحياة السياسية داخل الجامعة.

توّجت حملتهم أخيراً بانتصار كاسح في الانتخابات حققته اللوائح الطالبية الملتزمة بمبادئ 17 تشرين، وعلى رأسها لائحة “طالب” للنادي العلماني التي فازت برئاسة 12 من 12 كلية ترشح فيها النادي. وأعلنت اللائحة فوزها بـ85 مقعداً في الكليات الـ12 التي نافست فيها وفق النظام النسبي مع اعتماد نظام اللائحة المغلقة وفازت بخمس كلّيات بالتزكية. ويمنح الفوز على أساس النظام النسبي معنى مختلفاً غير الذي ينتج عن النظام الأكثري، الذي لو تمت الانتخابات على أساسه لحصد النادي العلماني الغالبية الساحقة من المقاعد. وتشكّل هذه النتيجة سابقة في تاريخ “اليسوعية”، خاصة وأنّ الهيئات خرجت من سيطرة تحالفَي 8 و14 آذار إلى “العلماني” و”المستقلّين” اللذين سجّلا هذه السنة انتصاراً كبيراً جاء تتويجاً لحراكهم الملحوظ في اليسوعية منذ نهاية التسعينيّات وأوائل الألفين وصولاً إلى خواتيمه التي توّج بها اليوم نضال 20 عاماً من السّعي نحو التغيير.

وتنافست “طالب” واللوائح المستقلّة الأخرى مع لوائح مدعومة من أحزاب السلطة، منها لائحة “القوات اللبنانية” التي اختارت عدم الدخول في أيّ تحالفات بعد “تغيّر خطابهم في 17 تشرين” بحسب رئيسة اللائحة كريستينا سعد. وحصلت “القّوات” على 24 مقعداً، ولائحة “الكتائب” التي ضمّت عدداً من “المستقلّين” أيضاً 8 مقاعد، ونال تحالف “حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر” 17 مقعداً، في مقابل 41 مقعداً للنادي العلماني و20 مقعداً للمستقلّين في الكليات التي جرت فيها انتخابات. من ناحية أخرى، فازت حركة أمل بكلية واحدة بالتزكية، فيما فازت القوّات اللبنانية بثلاث كليات والعلماني بخمس كليات بالتزكية (لم تتضح بعد أرقام المقاعد في الكلّيات التي لم تجر فيها الانتخابات).

تخبّط أحزاب السلطة

تمثّل انتخابات الجامعة اليسوعية كما الانتخابات الطالبية في الجامعات الأخرى، محطّة مهمة في العمل السياسي لأحزاب السلطة داخل الجامعات، حيث تخوض كلّ كلية معركتها وفق قواعدها الخاصة. إلّا أنّ هذه السنة التاريخية غيّرت من قواعد اللعبة الانتخابية في الكلّيات، وأبرزها كلّية الحقوق التي شهدت منافسة بين “القوات” و”الكتائب” ولائحة “طالب”، وانتهت بفوز الأخيرة بـ 8 مقاعد من أصل 13 ضاربة عرض الحائط نتائج السنوات الماضية التي كانت بغالبيتها من نصيب “القوّات”، كما اكتسبت رمزية خاصة نظراً للحملات المبرمجة التي نظمّتها الأحزاب هناك ومشاهد الصدام العنيف بين مناصري أحزاب السلطة التي اشاعت أجواءاً غير صحية عن العمل السياسي الطلابي وكان من شأنها، لولا الوعي الطلابي الذي كرسته الانتخابات، التأثير في سير العملية الإقتراعية برمتها.

كذلك أحكم المستقلّون سيطرتهم على كلّية الهندسة، التي كان طلاب التيار الوطني الحرّ يعتبرونها من حصتهم، بعد منافسة شرسة على 17 مقعداً تمكّنوا من الحصول على 8 منها، مقابل 5 مقاعد لتحالف 8 آذار، و3 مقاعد للقوّات ومقعد واحد لـ”الكتائب اللبنانية”.

فوز لائحة “طالب” بالكلّيات الـ12 لم يكن الانتصار الوحيد للعلمانيين، حيث يوضح أحد الفائزين من اللائحة خليل هاشم في هذا السياق أنّ “الانتصار الكبير تمثّل بمجاهرة الأحزاب الطائفية التقليدية بمبادئ الثورة وإن كان ذلك يصبّ في خدمة مصلحتها في جذب الطلاب”، في إشارة منه إلى محاولات ركوب موجة الانتفاضة من قبل الأحزاب وتحوّل الأفكار التي انبثقت عنها إلى محط نقاش في مجالسهم السرّية منها والعلنية.

وإن كانت “أحزاب السلطة” قد شاركت رسمياً في انتخابات الجامعة اليسوعية على خلاف أسلوبَي الانسحاب والمقاطعة اللذين اعتمدتهما في “الجامعة الأميركية” و”اللبنانية الأميركية”، إلّا أنّ لا شيء يخفي التخبّطات التي واجهتها في بعض الكلّيات في اليسوعية وترتّب عنها فوز العلماني في خمس كلّيات بالتزكية. “الأحزاب خسروا مكاناتهم بعد 17 تشرين وبعد انفجار الرابع من آب وتضاءل حجم تأثيرهم”، تقول إحدى مؤسِّسات حركة “طالب” فيرينا العميل لـ”المفكرة”، مضيفة أنّ “خوفهم من الخسارة كان سبباً رئيسياً لهروبهم من المواجهة في بعض الكليات”.

وليست رئاسة الهيئات سوى الخطوة الأولى في مسيرة نضال “طالب”، إذ يلفت رئيس النادي العلماني في الجامعة اليسوعية شربل شعيا إلى أنّ “الأضواء في المرحلة المقبلة ستسلّط على انتخاب نائب رئيس المجلس الطلّابي، لتشكيل قوّة متكاملة هدفها الدفاع عن حقوق الطالب والوقوف عند مطالبه”.

إشكال بين مناصري القوّات وحزب الله.. يؤكّد أهميّة التغيير

لم تخلُ الانتخابات من إشكالات بين مناصرين لأحزاب السلطة. وفي حدث متكرر حصل صدام بين مناصري حزب الله وحزب القوّات اللبنانية وتطوّر الإشكال إلى معركة “سكاكين” وخطاب طائفيّ وتحريضيّ وتقسيمي يخلق تخوفاً من عودة شبح الحرب الأهلية تمثّل بفيديوهات بثّت على مواقع التواصل الاجتماعي. الإشكال شهدته كلّية إدارة الأعمال – “هوفلان”، ورغم أنّه كان للجهتين روايتهما المختلفة لما جرى، إلّا أنّ أجواء الطلّاب أجمعت على أنّ الإشكال دليل إضافي على ضرورة التغيير بعيداً عن الخطاب الذي تمثّله أحزاب السلطة وفي الوقت نفسه تحدٍّ إضافي أمام الفائزين في الانتخابات لتحقيق تغيير شامل في المزاج السياسي الطالبي.

وترى الطالبة في كلية الحقوق سيرينا أبي نخول أنّ “الإشكالات بين أحزاب الطوائف هي دليل قاطع على مدى حاجتنا للتغيير الذي تحقق مع فوز لائحة النادي والمستقلين”، وهذا ما فعلته هي بدورها، حيث أقدمت على التصويت لصالح لائحة “طالب” للمرة الأولى، بعدما اعتادت سابقًا إعطاء صوتها لأحد “أحزاب السلطة”. هذه النزعة التغييرية لدى سيرينا لم تأت من العدم، بل تبلورت مع تراكم وعيها السياسي بدءاً من 17 تشرين ووقوفاً عند انفجار 4 آب الذي شكّل محطّة تحوّل سلبية بالنسبة إليها. في ذلك التاريخ فقدت سيرينا الأمل الذي أعادته إليها انتخابات “اليسوعية” قائلة “فلنتخلّ لمرة واحدة فقط عن أشخاص لا يمثّلون طموحنا بل يعكسون ثقافة الحروب الإجرامية”.

“التغيير ليس سهلاً ولكنه ممكن والطريق طويلة” تقول سيرينا، ويؤيّدها خليل هاشم متحصّناً بفوز “طالب” بعدد كبير من الكلّيات، الأمر الذي سيمكّنهم بالتعاون مع المستقلّين من خلق جبهة قادرة على حشد الطلاب والمواجهة، بالأخص في ما يتعلق بقضية القسط المدولر.

ترفع رئيسة الهيئة الطلابية في كلية الحقوق آية أبو صالح الصوت عالياً في هذه المسألة، مؤكّدة أنّها تأتي على رأس قائمة أعمال الهيئات، والنضال مستمر حتى العودة عن قرار دفع الأقساط بالدولار، مشيرة الى الحملة التي سبق وشاركوا فيها إلى جانب النادي العلماني في الجامعة الأميركية لبيروت في صيف 2019 تحت شعار “لن ندفع الثمن”.

 تشدد أبو صالح على أنّ “الهدف من عمل لائحة “طالب” لا يصبّ في خانة المعارضة بل غايته طرح بديل تبلّوَر خطابه في 17 تشرين التي خلقت الفرصة الأمثل للتغيير”، مؤكدة أن “أساليب التضليل ومحاولات التخوين والترهيب لن تشكّل عائقاً أمام عملهم”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، البلد ، الحق في التعليم ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، قضايا ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *