هكذا هندسها “الحاكم”: مناورات احتيالية لاغتنام ودائع الأمّة


2023-10-17    |   

هكذا هندسها “الحاكم”: مناورات احتيالية لاغتنام ودائع الأمّة
رسم رائد شرف

تمّ تصوير تقرير التدقيق الجنائيّ على أنّه سيكشف للبنانيين العوامل التي تسبّبت في خسائر مصرف لبنان والمصارف ومعها هوية المسؤولين عنها. وإذ كشف التقرير الذي وضعتْه شركة “ألفاريز ومارسال” مخالفات عدّة لا سيّما سوء إدارة مصرف لبنان وجرائم استغلال نفوذ ومناورات احتيالية لإخفاء الخسائر الفادحة الناجمة عن الهندسات المالية، إلّا أنّه عجز فيما عدا ذلك عن تحديد مسؤوليات جنائية واضحة وبخاصّة بحقّ المصارف التي حقّقت مكاسب كبيرة من استغلال النفوذ هذا. وقد بيّنتْ الشركة في مقدّمة التقرير العديد من الأسباب التي حالتْ دون ذلك وأهمّها عدم استجابة القيّمين على مصرف لبنان للعديد من طلباتها أو استجابتهم لطلبات أخرى بصورة مجتزأة أو متأخّرة، فضلًا عن السرّية المصرفية التي أُثيرت أكثر من مرّة لحجب معلومات عنها رغم القانون رقم 200/2020 بتعليق السرّية المصرفية تجاهها ولحاجات التدقيق. 

هذا ما سنحاول إبرازه في هذا المقال قبل النظر في أهمّ ما نجحت الشركة في الوصول إليه قبل أن نتناول أخيرًا الخطوات الممكنة في إطار استكماله أو تفعيله. 

البحث عن الحقيقة في بيئة غير صديقة  

أول ما طالعتْنا به شركة التدقيق هي البيئة غير الودّية التي جرى فيها التدقيق الجنائي، وهي بيئة أدّت إلى حرمانها من إمكانية النفاذ إلى الكثير من المعلومات وتاليًا كشفها وتحليلها. ومردّ ذلك أنّ الظروف السياسية منعت عزل الحاكم السابق رياض سلامة قبل انتهاء ولايته (نهاية تموز 2023)، الأمر الذي أوجب أن يجري التدقيق في عمليات مصرف لبنان عن الفترة 2015-2020 والتقصّي عن أيّ شبهات جنائية وضمنًا الشبهات ضدّه وهو لمّا يزال يتحكّم بحاكمية المصرف.    

ومن أهمّ الشواهد على سواد البيئة غير الوديّة هي كيفية تعامل مصرف لبنان مع طلب الشركة بإجراء مقابلات شفهية مع عدد من العاملين فيه. وقد جاء في التقرير أنّ الشركة طلبتْ في البداية السماح لها بعقد مقابلات مع 47 عاملًا في مصرف لبنان. لكن لم يقبل الطلب إنّما جوبه بضرورة تخفيض عدد المراد الاستماع إليهم. وإذ حصرت طلب الاستماع بـ 9 عاملين فقط، تمّ إبلاغها إذّاك رفض مبدأ المقابلات الشفهية ليطلب منها في المقابل توجيه أسئلتِها خطيًا. وهذا ما انتهتْ إليه من خلال توجيه أسئلتها الخطيّة إلى 14 شخصًا وهي أسئلة لم تتلقّ إجابات عليها إلّا بعد 3 أشهر من طرحها. وقد بيّنت الشركة أنّ هذا التوجّه منعها بالنتيجة من طرح أسئلة استيضاحيّة أو استلحاقيّة على ضوء الإجابات. لا بل عادت الشركة وأوضحت في تقريرها أنّها وجّهت فيما بعد أسئلة استيضاحيّة عدّة عن معلومات كانت في طور التدقيق فيها إلى عدد من العاملين في مصرف لبنان من دون أن تتلقّى أيّ جواب عليها.  

فضلًا عن ذلك، سجّلت الشركة أنّ مصرف لبنان رفض استقبال المدققين من موظّفيها في مواقعه أو حتى منحهم إمكانية الولوج إلى أنظمته. وعليه، سلّمت المعلومات المطلوبة بصورة يصعب تحليلها وتتطلّب الكثير من المعالجة وتاليًا الجهد والوقت من أجل استخراج معطيات قابلة للتحليل. عدم التعاون نفسه تمثّل في تأخير الاستجابة، الأمر الذي أدّى إلى إطالة أمد التدقيق الجنائي من 12 أسبوعًا ابتداءً من تاريخ المباشرة (المدة التعاقدية) إلى 49 أسبوعًا. وقد بيّنت الشركة في تقريرها أنّها كانت تُبقي وزارة المالية على بيّنة تامّة من حصول التأخير.

أخيرًا، وربما هذا هو الأهمّ، مُنعت شركة التدقيق من الولوج إلى المعلومات المتّصلة بأشخاص ثالثِين بحجّة السرّية المصرفيّة كما سبق بيانه. وقد استتبع ذلك استحالة التحقّق من الجهة المستفيدة من العمولات المرتفعة التي تمّ توثيق دفعها لأشخاص ثالثين (فوري، أوبتيموم) أو أيضًا  المصارف المستفيدة من الهندسات المالية مثلًا أو الشروط التي تمّ التعاقد معها بشأنها. وقد ادّعى مصرف لبنان أنّ هذه العمليات جرتْ من خلال شركة “ميدكلير” (وهي شركة تعمل في الوساطة المالية ويملك مصرف لبنان أسهمها) للادّعاء أنّها تخضع للسرّية المصرفية، طالما أنّ قانون تعليق السرّية المصرفية (رقم 200/2020 والممدّد لاحقًا في شباط 2022) لحاجات التدقيق ينطبق على حسابات مصرف لبنان ولا يشمل الحسابات لدى هذه الشركة المملوكة منه. وفيما فتح قانون رفع السرّية المصرفية رقم 306/2022 الصادر في تشرين الأوّل 2022 طلب معلومات مصرفية في حال وجود شبهة ارتكاب جرائم مالية (وهي شبهة تظهر بوضوح في التقرير)، فإنّ ذلك يستدعي وفق القانون أن يتمّ من خلال هيئة قضائية أو إحدى الهيئات الإدارية المختصّة بمكافحة الفساد أو تبييض الأموال، من دون أن يكون لشركة التدقيق أي صلاحية في هذا الخصوص. وعليه، أنهتْ شركة التدقيق مهمّتها، مكتفية بما حصلت عليه من معلومات، منبّهة إلى وجوب استكمال التدقيق في المعلومات بطريقة أو بأخرى حال وجود إرادة جدية في كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات الجنائية.  

يذكر أخيرًا أنّ الشركة لم تتمكّن من التدقيق في موجودات الذهب، مثلها بذلك مثل شركات التدقيق التي أوضحت في تقاريرها أنّ مهمّتها لم تشمل التدقيق في هذه الموجودات. 

مونولوغات “الحاكم”: هرمية تكشف توافقات خفية 

منذ بدء الأزمة، ادّعى الحاكم أنّه لا يتحمّل أيّ مسؤولية شخصية طالما أنّ مجمل التدابير والعمليات المتّخذة من مصرف لبنان تغطّيها قرارات صادرة عن المجلس المركزي الذي يضمّ إليه، نوّابه الأربعة فضلًا عن المديرين العامّين لوزارتيْ المالية والاقتصاد. وعليه، بدتْ المعطيات المتّصلة باتخاذ المجلس المركزي قراراته ومضامينها بالغة الأهمية، حيث بدت وكأنّها قرارات يُمليها الحاكم بما لديه من نفوذ أكثر من كونها قرارات تتّخذ بنتيجة مداولاتٍ بين أعضائه، علمًا أنّ هذا الأمر ينطبق على المسائل الكبرى كما الصغرى. وهذا ما أسهب التقرير في تفنيده عند النظر في كيفية اتخاذ القرارات بشأن الهندسات المالية، حيث تبيّن له عند الاستفسار عن الأسباب أو الدّراسات التي قدّمت إلى المجلس المركزيّ عند التصويت عليها، أنّه لا يوجد أيّ منها إنّما اكتفى المجلس بتفسيرات مقتضبة قدّمها الحاكم شفويًا من دون التنبيه إلى وجود مخاطر بديهية. وتُكمل الشركة في تقريرها أنّ سلامة لم يزوّد أعضاء المكتب المركزي بأيّ مبرّرات مكتوبة للهندسات الماليّة تمكّنهم من تحديد وجهة قرارهم وأنّها طلبت مرارًا تزويدها بهذه المبرّرات في حال وجودها من دون أن يتمّ تسليمها أيّ مستند في هذا الخصوص، ما عدا مقالة حرّرها النائب الأوّل للحاكم عن الهندسات المالية ودراسات أكاديمية تبيّن للشركة عند التمحيص فيها أنّها لا توضح بأيّ صورة، الأسباب التي دفعت إلى إقرار هذه الهندسات. ونفهم من التقرير أنّ هذه الهندسات إنّما هدفت ببساطة إلى تحقيق أمرين: (1) توفير شروط للمصارف تخولها اجتذاب ودائع بالعملة الصعبة، و(2) تشجيع المصارف المحلية على إيداع الودائع التي يتمّ اجتذابها لدى مصرف لبنان. هكذا بكلّ بساطة من دون التدقيق في أيّ من مخاطر هذه الهندسات سواء على قدرات مصرف لبنان أو على سلامة القطاع المصرفي الذي دُفع إلى توظيف القسم الغالب من الودائع لدى مصرف لبنان من دون أن يقابلها أي مشروع إنتاجي. وليس أدلّ على ذلك من أنّ وضعية مصرف لبنان انتقلت من فائض قدره 7.2 مليار دولار أميركي في نهاية 2015 (السنة التي بدأ فيها العمل بالهندسات المالية) إلى فجوة بلغت بأقلّ تقدير 50.7 مليار دولار في نهاية 2020.  

إلّا أنّه ورغم ذلك، يتبيّن من التقرير أنّ الجلسات داخل المجلس المركزي كانت أشبه بعروض أحادية للحاكم، أو monologue وفق التعبير المستخدم عشرات المرّات ضمنه. وقد أعادت الشركة استخدام هذا التعبير عند وصف مجريات جلسات المجلس واحدة واحدة، حيث جاء صراحة أنّ الجلسات تبدأ بمداخلة أحادية من قبل الحاكم monologue وأنّ القرارات تُتّخذ بالإجماع على أساس هذه المونولوغات من دون أن يسجّل أي استفسار أو ممانعة، تحديدًا بما يتّصل بالهندسات المالية. وقد استنتجتْ الشركة تاليًا أنّ الحاكم يتحكّم بسير الجلسات ونتائجها ويهيمن عليها من دون أي منازعة أو ممانعة، لينجح بالنتيجة في انتزاع قرارات (ليس لأعضاء المجلس المعلومات اللازمة لاتخاذها) بالإجماع. هذا مع العلم أنّ هذا المجلس تعطّل في المدة الممتدة من آذار 2019 إلى حزيران 2020 بنتيجة انتهاء مدة ولاية نوّاب الحاكم من دون تعيين بدائل عنهم، الأمر الذي نقل صلاحيات المجلس إلى الحاكم خلالها، وهي الفترة التي انفجر فيها الانهيار المالي والنقدي والمصرفي. 

أبعد من ذلك، لم تكتفِ الشركة بإثبات أنّ جلّ القرارات اتخذت من المجلس المركزي بصورة غير مستنيرة ومن دون بذل جهد للموازنة بين فوائدها وأضرارها أو مخاطرها، إنّما أوضحت علاوة على ذلك أنّ القرارات منحت تفويضًا واسعًا (وتاليًا سلطة استنسابية) للحاكم في تنفيذها وفق ما يرتئيه مناسبًا. وهذا ما ينطبق بشكل خاص على الهندسات المالية حيث مُنح هذا الأخير تفويضًا عامًّا في تنفيذها من دون وضع أيّ ضوابط، سواء لجهة تحديد الفوائد أو المبالغ أو المصارف التي يجري التعاقد معها. بل أوضحتْ الشركة أنّ القرارات لم تفرض حتى اعتماد معاملة منصفة بين مختلف المصارف التي قد تُدعى للمشاركة في هذه الهندسات، تاركة للحاكم أن يقرّر ما يراه مناسبًا في هذا الإطار، مع ما يستتبع ذلك من تشريع أبواب للمحاباة والتواطؤ. كما أوضحت الشركة أنّها لم تجد تقارير واضحة وكافية من الحاكم عن كيفية ممارسة التفويض المعطى له ليتسنّى للمجلس المركزي التثبّت من حسن استعماله، أقلّه قبلما يتّخذ قرارات جديدة تمنح الحاكم مجددًا السلطة الاستنسابية نفسها في إجراء عمليات إضافية من الهندسات الماليّة. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو أنّ مصرف لبنان اعتمد ابتداء من 2018 أصولًا مختلفة للهندسات المالية، يرجّح أنّها كانت أكثر كلفة وخطورة. 

وعليه، يظهر جليًا أنّ الحاكم بدا وكأنّه السيّد الآمر الناهي الذي نجح في الاستيلاء على سلطة استنسابية بالقيام بما يراه ملائمًا من دون أي تعليل أو ضوابط أو مساءلة. وما كان هذا الواقع ليتحقق من دون سواد المجاملة داخل المجلس المركزي في التعامل معه. وبالطبع، وبالنظر إلى طبيعة النظام السياسي وكيفية تعيين أعضاء المجلس المركزي على أساس المحسوبية السياسية والطائفية، وبالنظر إلى ضخامة الهندسات المالية، يرجّح أنّ هذه المجاملة كانت مجرّد غطاء خارجيّ لتوافُقات سياسيّة حصلتْ بطريقة أو بأخرى في مكان خارج المجلس المركزي الذي انعقد لإقرارها من دون أي سؤال. 

في الاتجاه نفسه، توقفت الشركة عند الدّور الذي يؤدّيه مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان التّابع مبدئيًا لوزارة المالية، لتخلص إلى محدوديّته.   

الحِيل أو الهندسات الحسابيّة

لم يكتفِ الحاكم بانتزاع القرارات أو تحقيق النتائج التي أرادها، إنّما ذهب أبعد من ذلك في اتجاه إخفاء نتائج الهندسات المالية في موازنة مصرف لبنان وحساباته بهندسات حسابيّة أسهب التقرير في تفنيدها ونقدها. وبفعل ذلك، انتهت مجمل موازنات مصرف لبنان إلى إعلان تحقيق أرباح على نحو يتناقض تمامًا مع الواقع الذي تمثّل في وجود خسائر بالمليارات (بلغت الفجوة في نهاية 2020 وفق التقرير 50.7 مليار دولار كما سبق بيانه). ولم ينسَ التقرير الإشارة إلى أنّ شركات التدقيق العالمية سبق أن أوضحت أنّ حسابات مصرف لبنان لا تنسجم مع المعايير والسياسات المعتمدة منه. وإذ انتقد التقرير استناد مصرف لبنان إلى إجراءات حسابيّة لا تتوافق مع المعايير المتّفق عليها unconventional، فإنه أعاب علاوة على ذلك على مصرف لبنان اعتماده هذه الإجراءات من دون تنبيه الرأي العامّ إلى أنّه يقوم بذلك. وعليه، عزا التقرير لهذه الهندسات الحسابية أنّ وضعية المصرف المعلن عنها كانت طوال السنوات التي شملها التّدقيق، مخالِفة لوضعيّته الحقيقيّة بما يتعارض مع الانتظارات المشروعة للجمهور اللبناني بأن يكون مصرف لبنان على العكس من ذلك شفّافًا بشأن تطوّر موجوداته والتزاماته. هذا فضلًا عن أنّ التقرير سجّل أنّ الموازنات المدقّقة لا تبلَّغ إلّا إلى أعضاء المجلس المركزي وحدهم، وهم أنفسهم الأعضاء الذين سلّموا طوال السنوات التي شملها التّدقيق بهندسات الحاكم المالية كما هندساته الحسابية من دون أيّ مناقشة أو ممانعة كما سبق بيانه. 

ومن أهمّ الهندسات الحسابيّة، ابتداع ربح وهمي تحت مسمّى seignorage، وذلك من خلال اعتبار زيادة الكتلة النقدية التي يصدرها مصرف لبنان بمثابة ربح. لا بل بيّن التقرير أنّ مصرف لبنان ضخّم في فترة لاحقة قيمة الأرباح المسجّلة في حساباته تحت هذا المسمّى بفعل ما اعتبره ربحًا ناتجًا عن الاستقرار الماليّ، يُضاف إلى قيمة الإصدارات الجديدة. وقد أفرد التقرير مساحة هامّة لعرض هذا التوجّه والأسس النظريّة التي يقوم عليها وصولًا إلى اعتبار تطبيقه في الحالة اللبنانية (كما في أيّ نظام مالي يعتمد ثبات سعر الصرف للعملة الوطنية) بمثابة منحى تضليلي misleading من شأنه تزييف الوضعية المالية الحقيقية لمصرف لبنان. ففي أنظمة كهذه، ليس من شأن زيادة الكتلة النقدية الوطنية أن تشكل مكسبًا طالما أنّه يتوجّب على المصرف المركزي أن يبقى على أتمّ الاستعداد لإعادة سحبها من السوق حفاظًا على ثبات سعر الصرف كلما استشعر ضغطًا عليه. بمعنى أنّ أيّ إصدار إضافي للعملة لا يحقّق ربحًا طالما أنّه يقابله التزام بإعادة شرائها من السوق بالقيمة نفسها. ولم تجد شركة التدقيق لحسم المسألة أفضل من أن تستند إلى المقال الأكاديمي الذي زوّدها به مصرف لبنان تبريرًا لاحتساب هذا الربح، ومفاده أنّه يجوز احتسابه في هذه الأنظمة فقط عند وجود مخططات هرمية غير قانونية  unlawful pyramid schemes أي مخططات تهدف إلى اجتذاب الودائع من خلال شروط مجزية وغير مستدامة، أي بصورة مغرية برّاقة لا محل فيها للتحذير من المخاطر. وهذا ما يتأكد في الفترة التي تناولها التدقيق حيث تمّت زيادة احتياطي العملات الأجنبيّة بكلفة عالية ليس بإمكان مصرف لبنان تحمّلها لأمد طويل، ممّا انعكس سريعًا على وضعيّته المالية وعلى قدرته على إيفاء التزاماتِه الناتجة عنها وشكل ضغطًا كبيرًا عليه للتدخّل للمحافظة على سعر الصرف، مما انتهى إلى خسائر فادحة. 

ومن هذا المنطلق، كشف التقرير أنّ مصرف لبنان عمد إلى تضخيم ربحه الوهمي على نحو امتصّ جزءًا هامًّا من الأكلاف الحقيقية الناجمة عن الهندسات المالية. كلّ ذلك ضمن حساب منظّم على حدة ليس للجمهور اللبناني الاطلاع إلّا على نتيجته النهائية. كما أشار التقرير إلى آليات أخرى أسهمت بدورها في تضخيم الأرباح وتقليص الخسائر ومنها إرجاء استحقاق الفوائد على الهندسات المالية وتضخيم قيمة سندات الخزينة من دون الاعتراف بتراجع قيمتها وكيفية احتساب الربح والخسارة غير المحققة عن الذهب والعملات الصعبة… إلخ.

يُضاف إلى ذلك مخالفات حسابية أخرى توقفت شركة التدقيق عندها وهي الحسابات off balance والتي سجّلت فيها العمولات التي أعيد تسديدها لأشخاص ثالثين. وفي حين ادّعى حاكم مصرف لبنان في إطار دعوى الاختلاس المقامة ضدّه أنّ هذه الحسابات لا تعود إلى مصرف لبنان، في مسعى منه لإنكار صفة المال العام عنها، أثبتت شركة التدقيق على خلاف ذلك أنّها تبقى جزءًا من حسابات مصرف لبنان ويفترض دمجها فيها.  

أيّ فائدة للتقرير في تحديد المسؤوليات الجنائية؟ 

لا تدّعي الشركة أنّها استوفتْ التدقيق في عمليات مصرف لبنان وحساباته عن الفترة المذكورة، إنّما تقرّ بالنظر إلى العوائق التي اعترضتها بضرورة استكمال التدقيق في نواحٍ عدّة ابتداء من تحديد هوية المصارف المشاركة في الهندسات المالية وشروط مشاركتها فيها وصولًا إلى تحديد هوية المستفيدين من العمولات التي تمّ تسديدها إلى جهات خارجية، وهي معلومات حُجبت عن الشركة بحجّة السرّية المصرفية. كما يسجّل أنّ التقرير أصلًا بدا بنتيجة هذه العوائق واختصاص الشركة، أقرب إلى تدقيق حسابيّ منه إلى تحقيق جنائي. وهذا ما انعكس بوضوح في الإسهاب في التوصيات بكيفية تحسين الحوكمة وأصول المحاسبة لدى مصرف لبنان، مقابل خلوّ التقرير من أيّ إجابات واضحة بشأن الشبهات حول المسؤوليات الجنائية. كما من اللافت جدًا أنّ شركة التدقيق لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى تجاوز مصرف لبنان للمادة 91 من قانون النقد والتسليف المتّصلة بأصول مساهمة مصرف لبنان في تغطية عجز الدولة وحدودها، وهي المادة التي تمحورت حولها المطالبات بعزل سلامة في أعقاب الانهيار.   

إلّا أنّه ورغم ذلك، يبقى التقرير مدخلًا هامًّا للمضيّ قدمًا في اتجاه تحديد هذه المسؤوليات انطلاقًا من الشبهات الواردة فيه بوجود مخطّطات واضحة لاجتذاب القسم الأكبر من الودائع في المصارف اللبنانية، ليس فقط عن طريق هندسات مالية غير مبرّرة ولا منتجة والأهم غير مستدامة بفعل كلفتها، إنّما أيضًا عن طريق اصطناع صورة مخادعة وبرّاقة لحسابات مصرف لبنان بفعل الحيَل الحسابية وهي صورة مزيّفة مخالفة تمامًا للواقع. وما يزيد من الشبهات بشأن هذه المخطّطات هي المعطيات التي أمكن التقرير توثيقها وبخاصّة لجهة أمرين: (1) منح حاكم مصرف لبنان سلطة استنسابية شبه مطلقة في التعاقد مع أيّ مصرف يريد وبالشروط التي يريدها من دون أي مساءلة أو محاسبة، (2) تسديد عمولات مرتفعة لأشخاص ثالثين من خارج مصرف لبنان، وهي معطيات تتقاطع مع المعلومات المتوفّرة في قضية العمولات المسدّدة لشركة “فوري” التي كشفتْ استفادة الحاكم نفسه وعائلته منها وهي القضية التي لا تزال موضع تحقيق في لبنان ودول أوروبية عدّة. وترجّح المعلومات المتوفّرة في التقرير قرب فتح قضية أخرى على خلفية العمولات المسدّدة بواسطة شركة أخرى هي “أوبتيموم”. 

نتيجة ما تقدّم، يتبدّى أنّ الخسارة الضخمة لم تنتجْ عن خيارات غير صائبة أو عن تحوّلات اقتصادية أو أي ظروف أخرى، إنّما عن استغلال واضح للسلطة في إطار خدمة مخططات ضمانًا لمصالح خاصّة لجهات نافذة بعينها. من هذه الزاوية، شكّل التقرير مادة أوّلية تصلح للاشتباه بوجود مخطط احتياليّ للاستيلاء على الودائع تمهيدًا لتقسيمها كغنائم بين هذه الجهات، سواء عن طريق المنافع الناجمة عن الهندسات المالية أو عن طريق الاستمرار في تمويل صفقات عامّة مجزية. يُضاف إلى ذلك كمّ من الشبهات بشأن استغلال السلطة في مجال شراء العقارات أو منح الهبات أو تنظيم عقود الرعاية أو حتى تحديد تعويضات موظّفي المصرف… إلخ. وهي كلّها شبهات ترجّح مسؤولية الأشخاص الذين تولّوا مسؤولية في إدارة مصرف لبنان أو في مراقبة أعماله أو حساباته أو استفادوا من العمليات التي قام بها. ومن المهمّ أن نذكر بأنّ قانون رفع السرّية المصرفية رقم 306/2022 سهّل النفاذ إلى المعلومات المصرفية التي عجزت شركة التدقيق عن الوصول إليها في حالات الاشتباه بوجود جرائم مالية وتبييض أموال وإثراء غير مشروع، على أن يتمّ ذلك من خلال مرجع قضائي مختصّ، سواء في القضاء العدلي أو القضاء المالي (ديوان المحاسبة). 

إلّا أنّه ورغم الطبع الملحّ لاستكمال هذه التحقيقات، اكتفتْ النيابة العامّة التمييزية بأن نظّمت في تاريخ 22 آب 2023 تقريرًا اكتفت فيه باستعراض أهمّ ما وصلتْ إليه شركة التدقيق من دون أي تحليل قبلما تعمد إلى رمي كرة النار إلى النيابة العامّة المالية والنيابة العامّة في بيروت فضلًا عن هيئة التحقيق الخاصّة لدى مصرف لبنان، بما قد يؤدّي إلى تمييع المسؤولية وتجزئة تحقيق هو أكثر ما يحتاج إلى مركزة المعلومات والخبرات لإنجازه. فلنراقب.

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص في العدد 70 من مجلة المفكرة القانونية- لبنان

للاطلاع على الملف بنسخة PDF

للاطلاع على العدد كاملا بنسخة PDF

انشر المقال



متوفر من خلال:

مجلة لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية