هكذا قوّضت الديمقراطية التونسية حصانة كبير القضاة


2020-11-25    |   

هكذا قوّضت الديمقراطية التونسية حصانة كبير القضاة
القاضي الطيب راشد (القناة التاسعة)

في ساعة متأخرة من مساء يوم 24-11-2020، قرر مجلس القضاء العدلي الاستجابة لطلب رفع الحصانة القضائية عن الرئيس الأول لمحكمة التعقيب الطيب راشد الذي ورده بداية الشهر التاسع من سنة 2020 من وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس. وكان موضوعه اشتباه في استعمال المعني لسلطاته الإدارية من أجل التلاعب في قضايا جزائية تعهدت بها محكمة التعقيب في صائفة سنة 2019.

ورد القرار بعد تنامي ضغط الرأي العام والقضاة على المجلس، وبدا نتيجة لما تبين من صعوبة التغطية على ما بات يلاحق المسؤول القضائي من شبهات. ولكن يظل رفع الحصانة بحاجة إلى مزيد من الخطوات لضمان استعادة الثقة في القضاء ولا المحاسبة.

رفع الحصانة: كُشف المستور وما عاد الصمت يفيد

خلال العطلة القضائية سنة 2019، صدرت عن الدائرة الصيفية لمحكمة التعقيب قرارات كان من أثرها تبرئة متهمين في قضايا تهريب كبرى موضوع النزاع فيها يزيد عن ستة مليار دينار تونسي. وتبين بمجرد حصول ذلك أن الدائرة القضائية التي بتّت في تلك الملفات شاب عملها فساد.

عند هذا الحدّ، تعهدت التفقدية العامة بوزارة العدل بالملف وأحالت أعضاء الدائرة الحكمية لمجلس القضاء العدلي كمجلس تأديب والذي قرر مؤاخذتهم تأديبيا وإيقاع عقوبة العزل على إثنين منهم وإحالة ملفيهما على النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس للاشتباه في كون الفساد المالي هو سبب خطئهم الفادح. وهنا، لم يلتزم وكيل الجمهورية بشير العكرمي بحدود البحث من جهة الأشخاص فطرح السؤال عمن كلف أعضاء الدائرة بالعمل خلال العطلة الصيفية وعمّن عهدهم بملف قضائي لم يجرِ عرف العمل بمحكمة التعقيب على أن يقع البت فيه خلال العطلة القضائية. فانتهى به السؤال والبحث لأن وجه شكوكه نحو رئيس محكمة التعقيب ولأن تقصى على ثروة هذا الأخير زيادة على سماع عدد من مساعديه لينتهي لطلب رفع الحصانة عنه. لم يرحب عدد من أعضاء مجلس القضاء العدلي بالطلب واعتبروه محاولة انتقام من رئيس المحكمة لما سبق منه من اتخاذ موقف بتنحية العكرمي من خطته كوكيل للجمهورية وتمسّكوا بأن يؤاخذ على ما بدر منه. فكان أن أدى ذلك لصراع داخل المجلس بين أنصار الطيب راشد يتمسكون برفض طلب رفع الحصانة عنه شكلا لصدوره في غير الصور القانونية وآخرين يتمسكون برفع الحصانة ويعتبرون أن ما كشفت عنه وثائقه من وقائع يبرر الاعتراف بالخطأ في تنحية العكرمي من خطته.

أدى الصراع الداخلي لتعطيل جلسات مجلس القضاء من دون أن يؤول لوأد حكاية الرئيس الأول التي وبفعل تسريبات من الوسط القضائي انتقل الحديث عنها لمجلس نواب الشعب والإعلام. وهنا لم يكتفِ راشد بالدفاع بل مرّ سريعا للهجوم.

راشد ومن خلفه يخوضون حربهم بشراسة

اختار راشد أن يهاجم بدل أن يدافع بعدما اعتبر أن اتهامه وطلب رفع الحصانة عنه سببهما “العكرمي” الذي يكنّ له حقدا دفينا. فحرّر تقريرا لهذه الغاية بتاريخ 20-10-2020 سُرِّب سريعا لمواقع إعلامية أورد فيه أن خلافه مع خصمه لما كان وكيلا عاما بمحكمة الاستئناف بتونس في معالجة ملفات قضائية هامة منها ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي سبب كيده له. وقد انطلق بعد ذلك في استعراض ما ذكر أنها تجاوزات أتاها العكرمي في الملفين وغيرها من الملفات المتصلة بالقضايا الإرهابية. ونجح هنا راشد في حشد جانب من الرأي العام في معركته مع العكرمي، لكنه لم يفلح في التغطية على ما نسب إليه رغم ما بذل من جهد في الموضوع وصل حدّ تقديم شهادته عما نُسب له وعما ينسبه للعكرمي في برنامج تلفزي. قوة الزخم حول هذه القضية والتي عكست السخط الشعبي الواسع حيال الفساد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لتصل أصداؤه من ثم إلى مجلس نوّاب الشعب، حيث تردّدت في الأسئلة التي طرحها عدد من النواب على ممثلي المجلس الأعلى للقضاء، وبخاصة لجهة مدى جديته في التحقيق في شبهات الفساد هذه. وقد انتهى الأمر بإصدار أحزاب سياسية لبلاغات وبيانات تدعو لمساءلته ولأن يكون موضوع حديث الشارع التونسي برمته. فكان بذلك رفع الحصانة عنه حتميا لم يعد بإمكان حلفائه داخل مجلس القضاء العدلي وخارجه تجنيبه إياها. 

ما بعد رفع الحصانة: استحقاقات واجبة لترميم المشهد القضائي

ينتظر تاليا من الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء أن تبادر بالسرعة المطلوبة لتجميد عضوية راشد بمجلس القضاء العدلي الذي يعد من اعضائه المعينين بالصفة. كما يتعين تاليا وبذات السرعة على مجلس القضاء العدلي تقييم أداء الرئيس الأول لمحكمة التعقيب على ضوء ما يثار من شبهات حوله ويفترض أن ينتهي مثل هذا التقييم لإعلانه غير قادر على مواصلة الاضطلاع بخطته القضائية السامية.

على مستوى ثان، تمسك العكرمي في رد له على اتهامات راشد نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء بكون ما نسب له من تقصير مهني له فندته أبحاث أجرتها التفقدية العامة لوزارة العدل. فيما قرر مجلس القضاء في ذات جلسة رفع الحصانة مطالبة تلك الجهة –أي التفقدية العامة – بمده بمآل الأبحاث في جميع الشكاوى المرفوعة ضد البشير العكرمي في أجل أقصاه أسبوعين من تاريخه كما عهد النيابة العامة بفحوى التسريبات فيما سماها شبهات جرائم تتعلق بقضايا الشهيدين شكري بالعيد ومحمد البراهمي وشبهات جرائم تتعلق بقضايا إرهابية وقضايا فساد مالي.

 وقد تكون هذه الإجراءات مهمة لتقصي حقيقة الاتهامات التي وجهت لوكيل جمهورية تونس السابق ويبدو من المهم في إطارها وحماية أيضا للثقة العامة في القضاء نشر ما سيرد المجلس من التفقدية ليتمكن الرأي العام من الاطلاع عليه  وأن يجري علاوة على ذلك المجلس الأعلى للقضاء جلسة سماع علنية للعكرمي موضوعها ما يتردد دوما من اتهامات له بما ينتهي لكشف حقيقة عمله على الملفات القضائية الكبرى التي شغلت الرأي العام.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، تونس ، قضاء ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *