نادي قضاة لبنان يتمسّك بحقّه في التعبير متحديًا مضايقات وزير العدل


2023-10-13    |   

نادي قضاة لبنان يتمسّك بحقّه في التعبير متحديًا مضايقات وزير العدل

تحدّى “نادي قضاة لبنان” وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري الذي أحاله أمام هيئة التفتيش القضائي على خلفية بياناته الإعلامية بعد أن اعتبر أنّه خالف “موجب التحفّظ”. فقد أصدر النادي بيانًا الجمعة في 6 تشرين الأول 2023 أعلن فيه أنّه “سيبقى ثابتًا على النهج كما عهدتموه عليه”، مؤكدًا استمرار التيار الاستقلالي الذي بدأه عام 2018.    

وعلى الرغم من التجاوزات العديدة التي حصلت منذ تولّي خوري منصبه في أيلول 2021، في ملفات قضائية كبرى سواء في جريمة تفجير المرفأ أو الجرائم المالية التي تطال الحاكم السابق مصرف لبنان رياض سلامة، ذهب خوري ليتتبع بيانات النادي الإعلامية بينما آثر الصمت تجاه التجاوزات في الملفات الكبرى. وكان خوري قد سلّم الأسبوع الماضي هيئة التفتيش القضائي ملفًا يتضمّن جميع البيانات التي أصدرها النادي منذ تولّي خوري وزارة العدل، وعدد الإطلالات التلفزيونية لرئيس النادي القاضي فيصل مكّي. على إثرها، مثل يوم الأربعاء 4 تشرين الأوّل أعضاء الهيئة الإداريّة للنادي المؤلّفة من ثمانية أعضاء، 6 أعضاء تابعين للقضاء العدلي وقاضٍ إداري وقاضٍ مالي، أمام هيئة التفتيش القضائي التي لم تتّخذ بعد أي قرار بهذا الشأن.

تمسّك النادي بحقّه في التعبير  

النادي الذي منذ نشأته فسّر موجب التحفّظ بأنّه “التزام بحفظ سرّ المذاكرة في الدعاوى التي ينظر فيه القاضي“، وأنّه “حين يتعلّق الأمر باستقلال السلطة القضائية وهيبتها يُعدّ التحفظ تقاعسًا”، عاد في بيانه الأخير للتذكير بالحق الدستوري في التعبير وإبداء الرأي. واعتبر أنّه “حق لا يُمكن التنازل عنه مهما اشتدّت الضغوطات وتعاظمت المحن، الأمر الذي يُحتّم علينا ويدفعها، أن نعلن مجددًا تمسّكنا المتجذّر به”. وأكدّ النادي على أنّه “لا محيد عن إقرار قانون السلطة القضائية والذي يفترض أن يكون مطلبًا دائمًا وليس ظرفيًا عابرًا لجميع شرائح المجتمع من سياسية ومدنية، تمهيدًا لبناء دولة الحقّ والقانون التي لا تستقيم من دون قضاء مستقلّ وعادل وقادر”. وطالب بإقرار قانون السلطة القضائية بنسخة تختزن الاستقلالية فعلًا وواقعًا تطبيقًا لمبدأ فصل السلطات وعدم افتئات بعضها على بعض. وختم البيان بالتشديد على أنّ “التجمّع تحقق ولن يزول”. 

تندرج شكوى خوري ضمن حملة ممنهجة تهدف إلى تقويض القضاء والحريّات في لبنان وعلى رأسها حريّة التعبير. فقد سبقتها تعديلات مجلس نقابة المحامين على نظام آداب المهنة بهدف فرض الإذن المسبق على الظهور الإعلامي للمحامين، كما سبقها تعميمان صادران عن خوري نفسه يهدفان إلى تقليص حرّيات القضاة بالتعبير والتنقّل. 

وليست شكوى خوري ضدّ النادي سوى استمرارٍ لحملة الهجوم على النادي منذ إعلان تأسيسه في 2018 من السلطات السياسيّة، كونه يعبّر عن التيار الاستقلالي داخل القضاء. وهي خطوة سبقتها ثلاث شكاوى ضدّ رئيس النادي القاضي فيصل مكّي على خلفية الظهور الإعلامي، اثنتان أمام هيئة التفتيش القضائي وثالثة أمام مجلس القضاء الأعلى، وخلصت هذه الشكاوى إلى عدم اتخاذ أي إجراء بحق مكّي. 

يستغرب مصدر قضائي مقرّب من النادي في تصريح لـ “المفكرة القانونيّة” هجوم خوري على النادي، معتبرًا أنّ “خوري نفسه كان جزءًا من نقاشات حصلت بين مجموعة من القضاة قبل نحو 12 عامًا بهدف إنشاء نادٍ للقضاة”. ويلفت المصدر إلى أنّ “مؤسّسي نادي القضاة الحالي استلهموا من تلك النقاشات لإنشاء النادي لكن لم ينضمّ إليه أي قاضٍ من تلك المجموعة”. بالتوازي، يُفسّر المصدر ما نقلته وسائل إعلام عن قيام نادي القضاة بتكريم خوري بعد تقاعده بأنّ “ذلك حصل أثناء العشاء السنوي للقضاة في العام 2019 الذي حصل في وقتٍ كان خوري قد تقاعد حديثًا، وارتأى النادي تكريمه”.  

كما يلفت المصدر إلى أنّ شكوى خوري غير مرتبطة بالبيان ما قبل الأخير الذي أصدره النادي في 29 أيلول، والذي انتقد فيه قرار رئيس محكمة الاستئناف القاضي حبيب رزق الله  بتكليف القاضي وائل صادق في مركز قاضي التحقيق الأوّل في بيروت، المركز الذي يشغله القاضي شربل أبو سمرا والذي يتقاعد في 9 تشرين الثاني 2023. وكان النادي قد اعترض على هذا القرار كونه يُخالف أصول التكليف التي تقضي بأن يحلّ القاضي الأعلى درجة أو الأكبر سنًا في مركزي النائب العام أو قاضي التحقيق الأول في المحافظات عند حدوث أي شغور. ويُشكّل منصب قاضي التحقيق الأوّل أحد المراكز الهامّة إذ يمسك هذا القاضي بأبرز الملفات من بينها ملف التحقيق مع حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة المشتبه بارتكابه جرائم اختلاس أموال.

المصدر نفسه يلفت إلى أنّ الهدف من هذه الشكوى أمام التفتيش القضائي هو إسكات الصوت الحرّ، مشدّدًا على مطالبة النادي منذ نشأته بإقرار قانون استقلالية السلطة القضائية وهو المطلب الدائم. ويأتي إسكات القضاة في وقت “تدنّت فيه قيمة الرواتب بشكل كبير ومن ضمنها رواتب القضاة وكذلك قيمة المنح المدرسية والطبابة” بحسب المصدر. وكان القضاة لوّحوا في أيلول الماضي بالاعتكاف على خلفية توقّف المنحة الشهرية بقيمة 800 دولار التي أقرّها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لهم، في شهري آب وأيلول مع إحالته إلى التقاعد في آخر حزيران.

ونادي القضاة الذي أعرب أعضاؤه في غير مرّة أنّه لا يحتكر النزاهة، ولا يدّعي أنّ جميع القضاة المنتسبين له مستقلّون ولا يعتبر أنّ القضاة غير المنتسبين إليه فاسدون، ينتسب إليه أكثر من مائة قاضٍ وقاضية. ومنذ نشأته، سجّل النادي مواقف عدّة تجاه محاولات تقويض حقّ التجمّع للقضاة وطالب بإقرار قانون استقلالية القضاء وشفافيته بشكل متواصل عبر بيانات متعدّدة، من ضمنها بيان ردًا على التعميمين المذكورين أعلاه معتبرًا أنّهما “يضربان استقلال السلطة القضائية وأساسيات العمل القضائي ويعتبران بحكم غير الموجودين”. وسجّل النادي مواقف عدّة في الملفات القضائية والحقوقية الكبرى، بما فيها التنديد في 22 شباط بطلب “رئيس الحكومة ووزير الداخلية من القوى الأمنية الامتناع عدم تنفيذ القرارات القضائية الصادرة عن النائبة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان“. وكان للنادي اتّخذ مواقف تنسجم مع مطالب التحرّكات الشعبية التي بدأت في 17 تشرين الأوّل 2019 أبرزها البيان الذي أصدره بعد يوم واحد من اندلاع التظاهرات والذي طالب فيه بمنع المسؤولين من مغادرة لبنان، ومنع تحويل أموال المسؤولين ومتعهّديهم المعروفين إلى الخارج وحجزها. وطالب أيضًا بـ “إزالة درعي الحصانة الوظيفية والسّرية المصرفية ونشر حسابات كل من تولّى الشأن العام علنًا تمهيدًا لمحاكمته محاكمة عادلة واسترداد المنهوب من أموال الناس”. 

مواقف تدعو الوزير إلى التراجع عن الشكوى  

استدعتْ الشكوى ضدّ النادي استنكارات واسعة من بينها إعلان ائتلاف استقلالية القضاء في بيان في تاريخ 5 تشرين الأول 2023 أنّ هذه الشكوى تمسّ بحرية القضاة في الدفاع عن استقلاليّتهم، وتمثل حلقة جديدة في مسلسل الاعتداء على القضاء والحرّيات كما أنّها إجراء يخلّ بموجب ضمان بيئة سليمة للعمل القضائي. وطالب الائتلاف هيئة التفتيش القضائي “حفظ شكوى وزير العدل بصورة عاجلة ونهائية، لكونها تشكل تحويرًا للسلطة واستهدافًا لضمانات استقلاليّة القضاء والتيار الاستقلالي”. وقد شدّد الائتلاف على أنّ وزير العدل وهيئة التفتيش لا يملكان سلطة على جمعية قضاة تتمتّع بشخصية معنوية مستقلّة كون صلاحية التحقيق تنحصر في المخالفات المعزوّة إلى قاضٍ بعينه. كما طالب وزير العدل بـ “التراجع الفوري عن الشكوى وعن تعميميه الصادرين في 24 نيسان 2023 والالتزام بضمانات استقلاليّة القضاء”. وطالب مجلس النوّاب “الإسراع في إنجاز اقتراحيْ قانون استقلاليّة القضاء وفق المعايير الدولية ومن دون أيّ إطالة”.   

واستنكر نوّاب الشكوى، فاعتبر النائب إبراهيم منينمة أنّ الادعاء على النادي “يشكّل ضربة لحرية الرأي والتعبير وحرّية التجمّع المصانين بالدستور، كما أنّ إحالة القضاة تعسّفًا يشكّل تعرّضًا سافرًا لاستقلالية السلطة القضائية”. وكذلك وصف النائب ميشال الدويهي قرار خوري بأنّه “قرار قمعي للاستمرار بمسلسل كَمّ الأفواه وقمع الحريات عبر منع أعضاء نادي القضاة الإضاءة على التجاوزات داخل الجسم القضائي”. بدورها دعت النائبة حليمة القعقور وزير العدل هنري خوري إلى “التراجع عن الشكوى كما عن التعميمين السابقين والامتناع عن التدخل بالسلطة القضائية”. 

ومن بين المعترضين أيضًا النائب والقاضي السابق جورج عقيص الذي اعتبر في حديث لجريدة “النهار” أنّ “هذه الحكومة هي من الأسوأ على مستوى الحريات من خلال ممارسات بعض الوزراء”، وسأل عقيص مجلس القضاء الأعلى “كيف يقبل التعرّض لنادي القضاة في عهده؟”.  كما استنكر هذا الادعاء النائب أسامة سعد الذي طالب المجلس النيابي الإسراع في إقرار قانون استقلال القضاء. 

كذلك رأت مفوضية العدل في الحزب التقدمي الاشتراكي أنّه “كان الأجدى بوزير العدل المؤتمن افتراضيًا على القضاء أن يعمل على معالجة أزمات قصور العدل وموقع القضاة المهني والمعنوي والمادي وتوفير الظروف الملائمة للعمل وتحقيق المساواة”. وعبّرت مفوضية العدل عن خشيتها من أن تكون خطوة خوري تهدف إلى “تطويق وإلغاء النادي المعترف به قانونًا”. 

أسوأ الأزمات القضائية في عهد خوري

خوري الذي ضمّن الشكوى جميع بيانات ونشاطات والظهورات الإعلامية لنادي القضاة منذ تولّيه وزارة العدل، شهدت ولايته ولا تزال أسوأ الأزمات القضائية جرّاء التدخّلات السياسية على مستوى قضاة النيابات العامّة والتي لم تُحفّزه على تقديم أي شكوى ضدّ أي قاضٍ أو سياسي تدّخل بالقضاء. أبرز الأزمات كانت الانقلاب الذي نفذّه المدعي العام التمييزي غسّان عويدات على ملف التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت. ومع أنّ عويدات كان متنحّيًا عن هذا الملف بقرار من محكمة التمييز بفعل صلة قرابة مع وزير الأشغال العامّة الأسبق غازي زعيتر، تدّخل وأمر بإطلاق سراح جميع الموقوفين، قافزًا فوق المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، فيما لم يخطر ببال خوري الادعاء على عويدات أمام هيئة التفتيش القضائي كالتي تقدّم بها ضدّ النادي، بالرغم من تقدّم أهالي ضحايا 4 آب بشكاوى ضدّ عويدات. وخوري لم يصمت فقط أمام هذا الانقلاب، بل صمت أيضًا أمام طلب رئيس الحكومة ووزير الداخليّة من الأجهزة الأمنيّة الامتناع عن تنفيذ قرارات النائبة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون بناء لطلب المصارف. وصمت أمام الشغور في الهيئة العامّة لمحكمة التمييز الذي يعرقل مُعظم الملفات الكبرى بفعل دعاوى مخاصمة القضاة أمامها، هذا بالإضافة إلى تجاوزات متعدّدة على مستوى النيابات العامّة في استدعاء الصحافيين أمام الأجهزة الأمنيّة. وأمام العديد من الفضائح القضائية على مستوى الملفات الكبرى التي غضّ خوري النظر عنها توّج ولايته في وزارة العدل بإسكات القضاة عبر تعميمين وجههما في 26 نيسان 2023 للقضاة يطلب فيهما الامتناع عن الظهور الإعلامي دون إذن مسبق، وبمنعهم من المشاركة في ندوات أو ورش عمل في الداخل أو الخارج أو أي سبب آخر قبل تقديم طلبات بذلك من الجهة الداعية إلى وزير العدل وفقًا للأصول القانونية، ذلك بالإضافة إلى الطلب منهم الاستحصال على إذن مسبق بالسفر قبل عشرة أيام على الأقل من الوزير.  

للاطلاع على قرار محكمة التمييز في تنحي عويدات

انشر المقال



متوفر من خلال:

مقالات ، المهن القانونية ، المرصد القضائي ، حرية التعبير ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية