منهم من رحل ومنهم من انتصر ومنهم من لا يزال ينتظر (2/2): عمّن عاد من الغياب ومن لم يصمد


2020-12-24    |   

منهم من رحل ومنهم من انتصر ومنهم من لا يزال ينتظر (2/2): عمّن عاد من الغياب ومن لم يصمد
فاطمة قرياني

“أنا وبالكوما كنت قول بدّي قوم لحضر ترويقة لأولادي وابعتهم عالمدرسة، بس ما كنت إقدر إرفع راسي”، بهذه العبارة تختصر فاطمة قرياني (43 عاماً) ما كانت تفكّر فيه أثناء غيابها في “الكوما”. ثلاثة أسابيع قضتها في مستشفى الجامعة الأميركية وهي في غيبوبةٍ تامّة إثر إصابتها في رأسها في تفجير 4 آب، لتعود بعدها إلى الحياة. قد يشبّه البعض الاستيقاظ من الكوما افتراضياً بالعودة من الموت ولكن في حالة فاطمة يكاد الأمر يكون عملياً كذلك باعتراف الأطبّاء نظراً لخطورة إصابتها.  

في الجزء الأول من هذا التحقيق دخلنا في عوالم مرضى ما زالوا في الكوما وصراعهم من أجل البقاء وفي معاناة أهاليهم، وفي هذا الجزء سندخل عالم فاطمة إحدى الناجيات من الكوما والتي عبرت حرفياً من ضفّة الغياب إلى الحضور وعالم يولا التي خرجت من غيوبة لتدخل أخرى من نوع آخر ونطلّ على من لم يصمدوا ورحلوا بعد أشهر في الغيبوبة.  

عادت من أجل بناتها

تقول فاطمة إنّ الأطبّاء استغربوا صمودها نظراً لخطورة إصابتها، حيث كانت تعاني من نزيفٍ حاد في الرأس، ولكن من حسن حظّها أنّها كانت من أولى الحالات التي وصلت إلى المستشفى فأدخلت فوراً إلى غرفة العمليات، حيث كانت تعاني من تهشمٍ في جمجمة الرأس وعظام الوجه، ما اضطر الأطباء إلى فك عظام الجمجمة المصابة بكسورٍ لترميمها ومعالجة النزيف والالتهابات الموجودة تحتها. ويشرح رئيس قسم العناية الفائقة، ورئيس جراحة الحوادث في مستشفى الجامعة الأميركية البروفيسور جورج أبي سعد، أنّ هذه العملية تحدث عندما يكون وضع الدماغ في حالة تورّمٍ كبير، لك يلجأ الأطبّاء إلى فكّ عظام الجمجمة ليأخذ الورم مداه براحةٍ تامّة.

ومع كلّ محاولةٍ لإيقاظها من الغيبوبة، كانت فاطمة تبدأ بالصراخ وتصاب بنوباتٍ عصبيةٍ حادة، ما يؤثر سلباً على رأسها وجرحها، لذلك كان الأطباء يحاولون إبقاءها نائمة وهادئة طوال الوقت.

بعد مرور حوالي الأسبوعين على إصابتها، سمعت فاطمة همس شقيقتها في أذنها يناديها، “فاطمة الدكاترة رح يفوتوا بعد شوي لعندك إذا عصّبت رح يرجعوا يعطوك دوا لتنامي،  كوني رايقة لترجعي لبناتك الّلي عم ينطروك”. تروي فاطمة أنّها ومنذ تلك اللحظة أدركت حالتها وفهمت ما يجري معها، “هززت لها برأسي، وعندما دخل الأطبّاء قاموا بمحادثتي قليلاً فلم أقم بأيّ ردة فعلٍ سوى أني أومأت لهم موافقة”. ذهل الأطبّاء لتطوّر حالتها سريعاً، وبعدها بأيام، استفاقت فاطمة، وراحت تستعيد وعيها وقدراتها الحركية تدريجياً.

تسبّب شكلها بعد العملية بانهيارٍ نفسي لها ولأولادها نظراً لقساوة المشهد على حد قولها، “بناتي صار مهم صدمة نفسية، يدقّولي كلّ الوقت: ماما ما تموتي ماما ما تروحي نحن ما إلنا غيرك”. وتؤكّد أنّ مناجاة بناتها وإيمانها بالله كانا سبيلها للنجاة. 

تحمد فاطمة ربّها لأنّها لا تتذكّر شيئاً عن لحظة التفجير حيث أصيبت في مكان عملها كبائعة ملبوسات في منطقة المصيطبة، ووجدها شباب الحي ملقاةً على الأرض والدم يغطي رأسها، وبينما كانوا يحاولون سحبها من بين حطام المتجر، مرّت سيارة إسعاف فقام الشباب بإيقافها مجبرين سائقها على نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية.

مواجهة لا بدّ منها

تكاد لا تخلو قصة واحدة من قصص جرحى التفجير بدون مواجهاتٍ ومشاكل سواء مع إدارات المستشفيات أو مع الجهات الضامنة ووزراة الصحة. ففي حالة فاطمة، وبعد استعادة وعيها أصرّت إدارة المستشفى على نقلها إلى المنزل بدون مراعاةٍ لوضع رأسها الذي كان بلا عظام. حينها وجد أهلها أنفسهم في المنزل أمام مريضة لا تستطيع الحركة أو الجلوس أو النوم بشكلٍ طبيعي، فقرروا إدخالها المستشفى من جديد بخاصة وأنّ موعد عمليّتها الثانية لإعادة عظام الجمجمة كان قد اقترب. إلّا أنّ إدارة مستشفى الجامعة الأميركية رفضت استقبالها من جديد على نفقة وزارة الصحة، ما اضطر أهلها إلى إجراء اتصالاتٍ مكثفة مع وزير الصحة الذي تدخّل مع المستشفى لاستقبالها، على الرغم من وجود تعميم صادر عنه شخصياً يجبر فيه المستشفيات على استكمال علاج جرحى التفجير على نفقة وزارة الصحة.

يستذكر شقيقها علي حالة الخوف والقلق التي عايشها نتيجة عدم قدرته على تأمين تكاليف العملية الجراحية، وجد نفسه عاجزاً ضعيفاً غير قادر على تأمين مستلزمات العملية الثانية، “الدولة بالانفجار حسّستنا أدّيش نحنا ذليلين، أديش نحن عاجزين قدّام الّلي منحبّهم. بدل ما الدّولة تحمي الجرحى، نحن الأهالي فوق همّنا بدّنا نركض ليضلّهم عايشين وإلّا بيموتوا وما حدا بيسأل”. 

العملية الثانية

ذهبت فاطمة إلى المستشفى لإجراء العملية الثانية لإرجاع العظمة إلى رأسها وسط خوفٍ من دخولها في الغيبوبة مجدّداً. لكنّها تغلبت على خوفها عبر التفكير بابنتيها “صرت فكّر إنّي فايتة ولّد بناتي عن جديد، تذكّرت العملية القيصرية وقلت هيدي عمليّة ولادة جديدة لا أكثر ولا أقل”. وبالفعل أجرت فاطمة العملية بنجاح وبعد أربعة أيامٍ عادت إلى منزلها من جديد، لكنّها لم تتمكن بعد من استعادة كامل عافيتها، حيث لا تزال تصاب بحالات من الدّوار تغيب على إثرها عن الوعي لدقائق. وهي اليوم بانتظار إجراء عمليةٍ ثالثةٍ لأنفها المكسور وفمها، وتستعدّ لخوض معركةٍ جديدةٍ مع إدارة المستشفى والوزارة لإجرائها على نفقة الأخيرة.

اليوم تواجه فاطمة الحياة بجسدٍ ضعيفٍ وهش، هي التي تخطّت صعوباتٍ عدةّ منذ طلاقها من زوجها، كانت قبل التفجير تعمل جاهدةً لتأمين متطلّبات بناتها التي تحتضنهما بدلاً من والدهما، إلاّ أنها اليوم باتت عاجزة عن الذهاب إلى العمل أو حتى إعالة نفسها، ما اضطرها إلى إدخالهما في المبرّات الخيرية حيث تراهما فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع وذلك لضمان استكمالهما لتحصيلهما العلمي على حد قولها. تبكي فاطمة بحرقة عندما تتذكر كلمات ابنتها “ماما يعني لازم تحطّينا بمدرسة داخلي بعيد عنّك”.. وتقول وهي تغالب دموعها: “مضطرّة مضطرّة حطّهن هونيك، ما قادرة أصرف عليهن حالياً، ومين بدّو يهتمّ فيهن”. تلوم فاطمة الدولة على تقصيرها الذي أدّى إلى حدوث التفجير ومن ثمّ على عدم الاهتمام بالجرحى: “أنا شو ذنبي وشو ذنب بناتي تتغير حياتنا كلياً، عم ندفع ثمن عن مين”. تروي فاطمة كيف باتت بنتاها تخافان من موتها المفاجئ، تخافان حتى من صوت الرّعد، تتّصلان بها يومياً كي تتأكّدا أنّها لا تزال على قيد الحياة.

يولا: من الغيبوبة إلى الانهيار النفسي

إن كانت فاطمة لا تذكر لحظة الانفجار فإنّ يولا (اسم مستعار) لا تذكر شيئاً البتّة، لا الانفجار ولا كلّ حياتها التي سبقته. غرقت يولا التي دخلت عامها الواحد بعد الأربعين في الغيبوبة أربعة أسابيع بعد إصابتها في تفجير المرفأ، واستيقظت من بعدها بلا ذاكرة. تشكر شقيقتها ربّها لأنّ يولا لا تزال على قيد الحياة على الرغم من الضرر الذي لحق بها. ولكنّها تقول إنّ العائلة لم تتوقف بعد عن انتظار “عودة” ابنتها رغم استيقاظها، لأنّها الآن في غيبوبة أخرى بالنسبة إليهم. فيولا لا تذكر شيئاً من حياتها السابقة، لا تذكر الوجوه ولا حتّى ما حدث خلال التفجير وبعده. الجيّد الآن أنّها تمكّنت من استعادة قدرتها على الحركة البسيطة والنطق باللغات الثلاث التي تذكرت مفرداتها تباعاً. ولكن حالة النسيان ومحاولات التذكّر، بحسب شقيقتها، تسبب لها حالة من التشنّج والعصبية، ما يؤدّي إلى إصابتها بنوباتٍ من الصرع، بالإضافة إلى الانهيار النفسي الذي أصابها بعدما شاهدت عينها “المثقوبة”.

يوم التفجير كانت يولا في مقرّ عملها في منطقة القاعدة البحرية القريبة من المرفأ، حيث أصيبت في رأسها، ومن هناك تم نقلها بالإسعاف إلى مستشفى الجعيتاوي، بقيت يولا في الجعيتاوي حوالي أربعة أشهر قبل أن يُطلب من أهلها نقلها إلى مركزٍ للتأهيلٍ. نقلت يولا إلى مركز القرطباوي حيث أصيبت بكورونا ونقلت العدوى إلى جميع أفراد العائلة، الأمر الذي اضطرها إلى وقف علاجها مدة أسبوعين ما أثّر سلباً على تقدّم حالتها الصحية.

معاناة أهل يولا الأساسية كما تقول شقيقتها هو عدم معرفتهم إلى من يتوجّهون وكيف يتصرّفون مع حالة يولا: “نحن متروكين لحالنا، لك ما بدنا مصاري بس حدا يخبرنا شو منعمل لوين مناخذها ليولا لتحصل على أفضل علاج، شو ممكن تتطلّب حالتها، ما منعرف شي”. وتشكو أنّه بدلاً من أن تقف الدولة اللبنانية جمعاء في صفّهم كي تساندهم في مصابهم، تجدهم يركضون لتأمين الدواء والطعام، ولتأمين جلسات العلاج الفيزيائي والنطق.

تحتاج يولا اليوم إلى العديد من جلسات للعلاج الفيزيائي والنطق وغيرها، وقد تمكّنت عائلتها من العثور على بعض الجمعيات التي تغطّي هذه النفقات.

ديما آخر شهداء التفجير

تعتبر ديما عبد الصمد (52 عاماً) آخر ضحايا تفجير المرفأ، خبر وفاتها أعاد للبنانيين تفاصيل ذلك النهار المؤلم بعدما شعروا أنّ الموت يلاحقهم حتى عندما يقرّرون أخذ استراحة قصيرة بالنسيان. بابتسامةٍ عريضةٍ وحضورٍ أنيق ترحّب بك صور ديما المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وديما وحدها من يعلم سر هذه الابتسامات. في موتها السريري صمدت ديما مدة شهرين، لم تستيقظ لتروي أحلامها الطويلة لأحد، لم تستيقظ لترى إبنها عائداً من أميركا، سقطت في الضعف على الرغم من كثرة المحطات الجميلة التي كانت بانتظارها، أقربها تخرّج ابنها وحضور ولادة أحفادها. يوم التفجير كانت ديما في زيارةٍ لوالدها المريض في مستشفى الروم تدعو له بالعمر المديد، عند اندلاع الحريق في المرفأ وقفت بمحاذاة النافذة تحاول التقاط الصور، إلاّ أن التفجير حطّم الزجاج فوق رأسها، نجا أهلها فيما سقطت ديما في الغيبوبة. يقول زوجها  “ما حدا بيعرف شو صار نهار التفجير، كانت بمستشفى الروم، المستشفى اتّدمرت، فتشنا عن ديما كثير لقيناها ثاني يوم بمستشفى جبل لبنان”.

يلفّ الحزن واليأس صوت والدة ديما، فيأتي منكسراً عبر الهاتف، هي التي ودّعت خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرة رفيقَي عمرها،  ابنتها وزوجها (والد ديما) الذي أبى إلاّ أن يلحق بابنته بعد مرور حوالي الشهر على وفاتها.

إيلي صمد شهرين ورحل

لا يزال أهل المحامي إيلي نوفل الذي قضى شهرين في الكوما بعد وقوع التفجير، تحت وقع الصدمة. يروي صديقه وزميله المحامي طوني عيسى أنهما كانا زملاء في الجامعة الياسوعية، بعدها انضما إلى نقابة المحامين، حيث شق كل منهما طريقه، فاشتهر ايلي بتخصصه بقضايا “التحكيم الدولي” التي برع فيها، على حد قول طوني.

يروي طوني أنّ إيلي كان متواجداً في أحد النوادي الرياضية في منطقة الجميزة عندما وقع التفجير الأول، وبينما خرج الجميع لرؤية ما حدث بقي إيلي في الداخل ما أدّى إلى سقوط قارورة الإطفاء على رأسه عند وقوع التفجير الثاني، بحث عنه أهله في المستشفيات إلّا أنّهم لم يتمكّنوا من العثور عليه إلاّ عند ساعات الفجر الأولى بعدما انتشر فيديو عبر منصّة إنستغرام تظهر إيلي وهو في قسم الطوارئ بمستشفى المقاصد. توجّه أهله على الفور إلى المستشفى ونقلوه إلى مستشفى آخر حيث خضع لعمليةٍ جراحيةٍ بعدما كان مصاباً بنزيفٍ  في رأسه وغرق في غيبوبة تامّة.

شهران ولم يسجّل إيلي أيّ تحسّنٍ يذكر، ليغادر بعدها الدنيا تاركاً إخوته ووالده المحامي ورئيس بلدية ذوق مكايل السابق نهاد نوفل في حالةٍ من الصدمة.  

رحلة طويلة شاقة عايشها من نجوا من الغيبوبة ومن توفوا خلالها، أما المصابون الذين ما زالوا يصارعون فهم لا يملكون سوى الانتظار، هم في رحلةٍ لا وجهة محددة لها ولا وقت زمني واضح لانتهائها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، سلطات إدارية ، قطاع خاص ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *