ملاحظات على قانون الانتخابات العامة في سوريا: انتخابات في ظل معايير غير نزيهة


2014-04-22    |   

ملاحظات على قانون الانتخابات العامة في سوريا: انتخابات في ظل معايير غير نزيهة

صدر بتاريخ 17 آذار/مارس 2014 قانون الانتخابات العامة في سوريا (رقم 5) ولابدّ من التأكيد، قبل الخوض في تفاصيله، على أنّ أي قانون انتخاب مهما كان جيداً ومحتوياً على نصوص وضمانات، لن تكون له أية قيمة قانونية وفعلية على الأرض ما لم يترافق مع إعادة النظر بدور وصلاحيات مجلس الشعب المسلوبة بحيث يستطيع أن يمارس فعلياً الدور التشريعي والرقابي المنوط به دون هيمنة السلطة التنفيذية ولاسيما رئيس الجمهورية. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم من خلال قانون الانتخاب، بل من خلال الدستور الذي هو القانون الأسمى والأعلى في أي بلد، فقانون الانتخاب على أهميته يحدد لنا الآلية التي سننتخب بها المرشحين الذين سيمثلوننا في البرلمان، لكن يبقى الدستور وحده من يحدد نتائج هذا التمثيل، من خلال التنصيص فيه بوضوح على مهام وصلاحيات مجلس الشعب.
 
فيما يتعلق بالمواد الخاصة بالترشيح لرئاسة الجمهورية، اشترطت المادة 30 منه فقرة هـ على أن يكون المرشح: (مقيماً في الجمهورية العربية السورية مدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح(. وهو نصّ غريب يهدف إلى استبعاد المعارضين للنظام السوري من المشاركة في العملية الانتخابية،إذ أن غالبية المعارضين إن لم نقل جميعهم يعيشون خارج البلاد، وبذلك يُحرم الكثير من السوريين من الترشح لانتخابات الرئاسة بما يخالف الدستور نفسه ولاسيما المادة 35 منه التي نصت على أنّ: (المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون. المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين).
 
ويضاف إلى شرط الإقامة في البلد ما أوردته المادة 85 البند 3 من الدستور السوري باشتراطها حصول المرشح للرئاسة على تأييد خطي لترشيحه من خمسة وثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب. وهذا شرط تعجيزي في ظل وجود المجلس الحالي الموالي بكافة أعضائه للنظام الحاكم، فمن المستحيل أن يحصل أي مرشح لرئاسة الجمهورية على موافقة 35 عضواً دون غطاء من النظام. وجاءت المادة 34 من قانون الانتخاب لتعطي المحكمة الدستورية العليا الحق في الإشراف على انتخابات رئاسة الجمهورية والطعن فيها وإعلان نتائجها. ومن المعروف أن أعضاء هذه المحكمة، ووفقاً للمادة 141 من الدستور، يتم تعيينهم وتسميتهم من طرف رئيس الجمهورية قبل أن يقسموا اليمين أمامه مما يفقدهم استقلاليتهم وحيادتيهم بتبعيتهم لرئيس الجمهورية.
 
 أمّا فيما يتعلق بانتخابات مجلس الشعب والمجالس المحلية، فقد نصّ قانون الانتخابات في المادة "8" فقرة أ: (تشكل لجنة قضائية تسمى « اللجنة القضائية العليا للانتخابات » مقرها دمشق، تتولى إدارة الانتخابات والاستفتاء، والإشراف الكامل على انتخابات عضوية مجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان حرية ممارستها وسلامتها ونزاهتها، وتتمتع بالاستقلال في عملها عن أي جهةأخرى). والنصّ على أنها مستقلة لا يجعل منها لجنة مستقلة فعلياً، لاسيما إذا علمنا أن السلطة القضائية يرأسها رئيس الجمهورية وهو الضامن لاستقلالها وغالبية القضاة ينتمون لحزب البعث وهذا ما يجعل اللجنة المذكورة غير محايدة. فالمادة 65 من قانون السلطة القضائية نصّت على أن رئيس الجمهورية يرأس مجلس القضاء الأعلى الذي يتحكم بشؤون القضاة تعييناً وترفيعاً وإقالة .. ومن هذا المنطلق فلن يكون هناك أية ثقة بعمل هذه اللجنة.  
 
‏وقد أعطى قانون الانتخاب في المادة 15 منه للمحافظ المعين من قبل النظام الحاكم صلاحية "تشكيل لجنة الانتخاب من ثلاثة أعضاء بقرار من المحافظ، في كل مركز انتخابي من العاملين المدنيين في الدولة، لإدارة مركز الانتخاب، ويسمى رئيسها في قرار التشكيل".وهذا ما يمنح النظام التحكم بالعملية الانتخابية ونتائجها في ظل عدم وجود جهة محايدة تشرف على هذه العملية. وحافظ القانون في المادة 20 منه على التقسيم القديم باعتبار كل محافظة دائرة انتخابية واحدة (باستثناء حلب التي قسمت لدائرتين)، وهذا التقسيم يرهق بعض المرشحين الذين لن يستطيعوا تغطية نفقات الدعايات الانتخابية في كامل المحافظة وريفها، وهو يصب في مصلحة من يملك المال وقوائم النظام. ويستحسن هنا تطبيق الدائرة الصغيرة مع النظام النسبي بالمناصفة كمرحلة أولى. كما حافظ القانون الجديد في المادة 22 منه على تقسيم الدوائر الانتخابية إلى قطاعين، 50 بالمئة للعمال والفلاحين و50 بالمائة لباقي فئات الشعب. ويؤخذ على هذا التقسيم بأنه مطاط يخلط بين الفئتين ويمكن الالتفاف عليه بسهولة، فيكفي المرشح أن يثبت أنه يمتلك قطعة أرض زراعية أو قطيعاً من الأغنام حتى يتم تسجيله في فئة العمال والفلاحين.  
 
واشترطت المادة 39 من القانون لمن يريد أن يترشح لمجلس الشعب أو المجالس المحلية بأن يكون: (هـ – غير محكوم بجناية أو جنحة شائنة أو مخلة بالثقة العامة بمقتضى حكم مكتسب الدرجة القطعية ما لم يرد إليه اعتباره وفقاً للقانون، وتحدد الجنح الشائنة والمخلة بالثقة العامة بقرار من وزير العدل). بينما يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية، بحسب المادة 30 الفقرة ج، أن يكون (متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية وغير محكوم بجرم شائن ولو رد إليه اعتباره). ويذكر بأنه لم يحدد الوزير الجنح الشائنة والمخلة بالثقة العامة حتى الآن. وفي المادة 50 الفقرة ‌"ج" وضع القانون شرطاً غائماً وفضفاضاً عند ممارسة الدعاية الانتخابية: (عدم تضمين الدعاية الانتخابية ما يخالف النظام العام أو الآداب العامة). وعبارة "ما يخالف النظام أو الآداب العامة" فضفاضة وعامة يمكن أن تطال أي مرشح بحسب تقدير السلطة القضائية التي تتبع للسلطة التنفيذية أي النظام في سوريا. وقد نصت المادة 53 على أن "يمنع بأي شكل من الأشكال تسخير أو استخدام الوظيفة العامة أو المال العام في الحملة الانتخابية للمرشح، ولا تدخل في ذلك الأمكنة التي تضعها الدولة ووحدات الإدارة المحلية تحت تصرف المرشحين والأحزاب السياسية" وهو نص مهم لكن العبرة للتنفيذ . ونصت المادة 59 الفقرة "د" بأنه (يحق للناخب نقل موطنه الانتخابي من دائرة انتخابية إلى أخرى ضمن المحافظة أو من محافظة إلى أخرى بموجب أي بطاقة أو هوية نقابية أو وثيقة تمنح من جهة رسمية أو منظمة شعبية أو نقابة مهنية ينتمي إليها طالب النقل تثبت إقامته في الدائرة الانتخابية المطلوب نقل الموطن إليها، وتبرز الوثيقة إلى لجنة مركز الانتخاب). وهذه المادة تتيح التزوير في الانتخابات عبر التصويت أكثر من مرة في ظل غياب أتمتة عملية الانتخاب. واعتبرت المادة 96 من القانون أنّ الاستفتاء يعتبر ناجحاً (إذا صوت لصالحه الأغلبية المطلقة لعدد أصوات المقترعين).ومعنى ذلك أن الاستفتاء يعتبر ناجحاً حتى ولو لم يشارك أكثر من 5% ممن يحق لهم التصويت. وأخيراً سمحت المادة 123 لوزارتي الإدارة المحلية والداخلية بفرز عدد من العاملين للعمل تحت إشراف اللجان الانتخابية وذلك طيلة مدة العملية الانتخابية. وهذا الأمر قد يؤدي بهؤلاء العاملين إلى التدخل في العملية الانتخابية لمصلحة الحكومة.

وحتى نستطيع ضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة على مختلف المستويات تضفي طابعاً ديمقراطياً على نظام الدولة، بما يتيح مشاركة جميع المواطنين في حكم وإدارة شؤون بلدانهم، لابد أن تتوفر للمواطن مجموعة من الحقوق يأتي في مقدمتها :

– الحق في حرية التعبير وإبداء الرأي: العملية الانتخابية يفترض فيها أن تعبر عن إرادة الشعب وفي طليعتها إرادته السياسية، ومن هنا تأتي أهمية حماية الحق في التعبير عن تلك الإرادة وحرية اعتناق الآراء السياسية باعتباره أمراً حتمياً في سياق العملية الانتخابية نظراً لاستحالة التمثيل الرسمي للإرادة الشعبية في بيئة تغيب عنها هذه الحرية أو تخضع فيها لقيود مختلفة..

– الحق في التجمع والتظاهر السلمي: إن حرية المظاهرات العامة والتجمعات السياسية السلمية تشكل جزءاً لا يتجزأ من العملية الانتخابية بما يتيح التواصل والتفاعل مع الناس وتمكينهم من الاطلاع على الآراء والبرامج التي تطرحها القوى السياسية المتنافسة..
– الحق في تكوين الأحزاب والجمعيات السياسية والنقابات المهنية: ويشتمل هذا الحق على حرية إنشاء الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمشاركة فيها، واحترام هذا الحق في أثناء العملية الانتخابية، باعتباره يشكل العامل الأساسي في العملية الانتخابية التي تمكن وتتيح للمواطنين المشاركة فيها. وتكتمل الصورة مع ضمان قيام إعلام حر وصحافة مستقلة يستطيع من خلالها المواطنون التعبير عن آرائهم واستقاء الإنباء وتلقيها بعيداً عن أية وصاية.

– الحق في عدم التمييز: إفساح المجال لجميع المواطنين للتمتع بالحريات دون أي تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي.

– الحق في سرية الانتخاب: ويتطلب تحقيق ذلك العديد من الإجراءات الفنية والإدارية والقضائية لضمان سرية الاقتراع وحماية صوت الناخب من التأثير المباشر أو غير المباشر للإفصاح عن رأيه في التصويت لهذا المرشح أو ذاك.

– حق المساواة في الانتخاب: أي أن يتساوى جميع الناخبين في المشاركة في العملية الانتخابية، وأن يكون لكل مواطن نفس التأثير في العملية الانتخابية وهذا يتطلب تشكيل الدوائر الانتخابية وتوزيعها على أساس عدد السكان بشكل منصف وعادل، بما يعكس إرادة الناخبين بأكبر قدر ممكن من الدقة القريبة من الواقع.

– الحق في الانتخاب الدوري: أي أن تجري بشكل دوري كل فترة زمنية معينة، وألا يجري تعطيلها أو تأجيلها إلا في الظروف الطارئة.
 
إن تحقيق ما تقدم على أهميته القصوى لن يكون كافياً بحد ذاته لإجراء انتخابات حرة نزيهة ما لم يقترن بوجود جهة نزيهة محايدة وقادرة على مراقبة الانتخابات بالاستناد إلى أرقى معايير الحيادية المعتمدة على التنافس السياسي. ويشتمل هذا على أن تسير العملية الانتخابية وفقاً للمعايير الدولية مع مراعاة القوانين المحلية، واستخلاص العبر حول أداء هذه العملية بشكل موضوعي وحيادي وصادق. وإن الجهة القادرة على انجاز تلك المهمة الصعبة هي السلطة القضائية المستقلة فعلاً. ومن هنا تبرز أهمية أن تكون السلطة القضائية محايدة وكفؤة وعادلة ومستقلة عن أي تأثير من أية جهة كانت، باعتبار أن ضمان استقلال القضاء يشكل عاملاً هاماً وأساسياً من اجل ضمان حرية ونزاهة الانتخابات، ويشكل استقلاله وحياده الضمانة الحقيقية لجميع المواطنين، ليس فقط  للاعتراض على أية خروقات قد تحصل خلال الانتخابات، بل أيضاً لأنه يشكل صمام الأمان لاستمرار وجود الدولة المتمتعة بكيانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الخاص بها. كما أنّ استقلال القضاء يشكل أيضاً الضمانة الحقيقية لصلابة الجبهة الداخلية لأي دولة ومجتمع باعتباره الضامن لحقوق الناس وحرياتهم، بحيث لا تمس حرية أي فرد، إلا طبقاً لأحكام القانون العام وحده، وبحكم من القضاء العام وحده، وبالإجراءات المتبعة أمامه وحدها.

باختصار نحن بحاجة إلى تغيير منظومة البنى القانونية الحالية بما يؤدي إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وطي ملف الاعتقال السياسي نهائياً، واستصدار قوانين تسمح بحرية النشاط السياسي وإنشاء أحزاب سياسية وصحافة حرة ومستقلة فعلاً تقوم على أسس قانونية منظمة تسود فيها لغة الحوار المشبعة بروح قبول الآخر، وبما يؤدي إلى الحدّ من تدخل الأجهزة التنفيذية والأمنية في صلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية، وبما يفتح الطريق أمام ترسيخ العلاقة الطبيعية والصحية بين السلطات الثلاث، وتعديل قانون الانتخاب بما يكفل إعادة الاعتبار لمبدأ الانتخاب الحر والمباشر والسري في جميع المستويات، مع التأكيد خصوصاً على ترك الحرية للشعب في اختيار مرشحيه لرئاسة الجمهورية. ويجب التأكيد على تعدد المرشحين، فليس من المعقول أن ينحصر الترشيح لرئاسة الجمهورية بدين محدد وبحزب معين يفرض مرشحاً وحيداً من بين أعضائه كي "يختاره" الشعب في استفتاء عام. كما يجب أن تجري الانتخابات بمختلف مستوياتها تحت إشراف جهة محايدة مستقلة وقادرة وموثوق بها. إننا بحاجة اليوم إلى منظومة قانونية متطورة تكرس مبدأ المواطنة الذي يعني المشاركة الواعية والفاعلة لكل شخص بصرف النظر عن الدين واللون والجنس والسياسة ودون وصاية من أي نوع في بناء الإطار الاجتماعي والسياسي والثقافي للدولة.
 
  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، سوريا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية