ملاحظات حول ملف النفايات الموردة في تونس: استدعاء وزير البيئة للتحقيق يقطع مع ثقافة المقامات


2020-12-22    |   

ملاحظات حول ملف النفايات الموردة في تونس: استدعاء وزير البيئة للتحقيق يقطع مع ثقافة المقامات

بتاريخ 28-07-2020 تداول ناشطون بمواقع التواصل الاجتماعي صورا مسربة من مخازن الديوانة بالميناء التجاري بسوسة لعدد من الحاويات بها نفايات منزلية وشرائط فيديو لشاحنات تنقل عددا منها ذُكر أن شركة تونسية تولت توريدها من إيطاليا. اهتمّ فريق إعداد البرنامج التلفزي الحقائق الأربعة بالخبر وأنجز انطلاقا من معطياته تحقيقا تمّ بثه في قناة الحوار التونسي بتاريخ 02-11-2020 كشف عن كون تلك المواد تم استيرادها بحجة أنها مواد بلاستيكية قابلة للرسكلة ستتم معالجتها ويعاد تصديرها حال أنها من النفايات المنزلية غير القابلة للتحلل وكان يعتزم طمرها بتونس في مخالفة صريحة للتشاريع التونسية والأوروبية في المجال. وقد أدى كشف البرنامج الإعلامي الاستقصائي الذي يحظى بنسب مشاهدة هامة لشبهات فساد كبرى في موضوع النفايات لأن فتحت النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بسوسة بحثا تحقيقيا في الموضوع في موازاة تكليف الحكومة لهيئة الرقابة العامة المالية بإجراء بحث إداري فيه.

تاليا وبتاريخ 14-12-2020، استمعَتْ لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرُّف في المال العامّ بمجلس نوّاب الشّعب لممثلي هيئة الرقابة المالية والذين كشفوا لها عن انتهائهم من صياغة تقريرهم الأولي والذي توصّل إلى وجود إخلالات كبرى في عمل مختلف المصالح الإدارية التي تدخلت في المعاملة. ليعقب ذلك وبعد أقل من أسبوع الإعلان من محكمة سوسة عن تطوّرات في الأبحاث كان من أثره إيقافات لمسؤولين سامين علاوة على إصدار بطاقة جلب قضائي في حق وزير مباشر بعد رفضه الحضور بجلسة استنطاق.

ويبدو من المهم في إطار متابعة هذه القضية الهامة التوقف على ما برز خلالها من تصور نموذجي لجهد مكافحة الفساد وما ظهر من جرأة في التعاطي مع النافذين في قضاياه.

الحرب على الفساد الكبير تشاركية أو لا تكون

في سنة 2019  أبرمت شركة “صوروبلاست” وهي شركة تونسية مصدرة كليا ومتخصصة في إعادة تدوير النفايات الصناعية من البلاستيك عقدا مع شركة إيطالية في مدينة نابولي متخصصة في جمع النفايات موضوعه استيراد 120 ألف طن من النفايات المنزلية لردمها بتونس. وقد تم فعلا تنفيذ ذلك العقد جزئيا صائفة سنة 2020 بإرسال 282 حاوية لتونس. تعمّدت هنا الشركة الموردة التنصيص في مختلف الوثائق التي قدمتها لمصالح الديوانة والجهات الحكومية التونسية على كون موضوع المعاملة نفايات بلاستيكية قابلة للتدوير. وتمكنت بفضل ذلك وبما يبدو من فساد وتواطؤ من تحصيل التسريح الديواني ل70 منها. وكان يمكنها أن تتم تنفيذ عقدها لو لم  يتفطن الرأي العام للمخاطر التي تنجم عن معاملتها وما استتبع ذلك من تحريك لمسار التصدي للصفقة المشبوهة التي تتعارض مع مقتضيات اتفاقية بازل والتي تحجر تصدير مثل تلك النفايات للدول النامية من دون موافقة صريحة من حكوماتها.

كان مسار التصدي تصاعديا انطلق من تسريبات يبدو أن مصدرها “أشخاص” من إدارة الميناء أو من الديوانة لم يكن لهم القدرة أو الجرأة على مواجهة مباشرة للفساد فاختاروا شبكات التواصل الاجتماعي للفت النظر له. وقد لقي الكشف عن هذه المعلومات تفاعلا من الإعلام الذي عمق البحث فيما خرج من خبر واستغل ما له من قدرات ليفرض تعهد الإدارات والقضاء بموضوعه. لينتهي الأمر لمباشرة القضاء وهيئة رقابية إدارية أبحاثا كان اهتمام الرأي العام ونواب الشعب بها من ضمانات بعدها عما كان يمكن أن يواجهها من محاولات تدخل في مجرياتها من الجهات النافذة. وبفعل ذلك، أظهر القضاء بسوسة جرأة في التعامل معها لم تعتدها.

قضاء تخلص من ثقافة المقامات: شرط النجاح

لما تفجرت فضيحة النفايات واتّضح أنّ للمصالح الحكومية دور فيها، بادرت مختلف الإدارات المتداخلة والمتحدثين باسمها لتبادل التهم فيما بينها في سياق سعت فيه كل منها لنزع أي شبهة عنها وللإيحاء بكون ما كان من خلل مرده تقصير وفساد شاب عمل غيرها وكانت هي وإطاراتها ضحية له. لاحقا وعلى ضوء ما ورد بالملخص المعلن من عمل هيئة الرقابة وبما تبين من خلال البطاقات القضائية التي صدرت، يلاحظ أن شبهة الفساد علقت بمختلف المصالح الإدارية وأن من صدرت عنهم ليسوا إلا مسؤولين منهم وزراء ومديرين عامين وضباطا سامين ودبلوماسي بما نزع عن القضاء تهمة مراعاة المقامات. وبدا هنا التعاطي القضائي مع ملف القضية متميزا لجهة جرأته على قطاعات تتحصن عادة بحماية نقابات قوية ولكونه فرض مبدأ مساءلة الوزراء المباشرين.

الديوانة: النقابات تحتج والأبحاث تتقدم

نظمت بتاريخ 21-12-2020 النقابة الموحدة لأعوان الديوانة التونسية وقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة الابتدائية بسوسة للاحتجاج على إيقاف زملاء لهم في القضية. ويؤشر تحركهم هذا على ما بات يمثله التضامن القطاعي من عائق في كشف الفساد ومكافحته. في المقابل، يبدو تقدم التحقيق في عمله مؤشرا على بعده عن مثل هذه الضغوطات التي كانت سابقا وفي عدد هام من القضايا سببا لتعطيل المحاسبة.

الوزير يخضع للمساءلة القضائية: قاعدة جديدة تُكرّس

لم تتضح تفاصيل الأبحاث القضائية التي أجريت بما يمنع كل توزيع للمسؤوليات وحديث عن استغراق لجرم أو اتهام مرجح به. في المقابل، تبين أن قاضي التحقيق المتعهد قرر توجيه الاتهام إلى وزير البيئة “مصطفى العروي “واستدعاه ليستنطقه لكن المتهم امتنع عن الحضور فأصدر بطاقة جلب في حقه. ويظهر هنا توجيه اتهام على وزير مباشر وإصدار بطاقة قضائية في حقه مؤشرا على استعادة القضاء لصلاحياته القانونية التي انتزعتها منه سابقا ثقافة المقامات. وتؤشر في هذا الإطار مبادرة رئيس الحكومة لإقالة وزيره بمجرد العلم بكونه موضوع ملاحقة قضائية على تطور هام في تمثل السلطة السياسية للقضاء.

وتكون بهذا قضية النفايات الموردة بما فيها من اعتداء على حق المواطن في البيئة مثالا على الخطر متعدد الأبعاد الذي يمثله الفساد. كما تكون فيما برز من منهجية معالجة لها مثالا على سياسة نموذجية لمكافحة الفساد يؤمل أن يتوّجها عمل قضائي يحترم أصول المحاكمة العادلة ويحترم حق الرأي العام في الاطلاع على تفاصيل قضية كان هو أي الرأي العام صاحب الفضل الأول في الكشف عنها وفرض المحاسبة فيها من كانوا قبلها بمنأى عن كل مساءلة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تونس ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *