مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية فى مصر: “مشروع قانون لوأد العمل الأهلي”


2013-02-18    |   


تقدمت وزارة التأمينات والشئون الإجتماعية بمقترح مشروع قانون لتنظيم الجمعيات والمؤسسات الأهلية، كي يحل بديلاً للقانون 84 لسنة 2002 ساري المفعول. وبقراءة متأنية لمواد هذا المشروع لم يسعنا سوى القول بأنه "قانون وأد العمل الأهلي"، حيث أنه بني على مخالفة صريحة للدستور والاتفاقات الدولية التى وقعت عليها مصر، هذا فضلاً عن مخالفة المعايير الدولية لحرية التنظيم والتجمع السلمي.
هذا المشروع لم يكن المشروع الأول للحكومة: فمنذ عام ونصف العام تحديدا، إقترحت الحكومة ما يقرب من أربعة مشاريع. وقد تم عرض اثنين منها فقط على البرلمان فيما تراجعت الحكومة عن الاثنين الآخرين قبل بدء المناقشة العامة. وكان الأول قد لقي ردود فعل قوية من جانب المراكز الحقوقية عند مناقشته فى لجنة حقوق الإنسان مما أدى الى سحبه. أما الثانى فقد تم تقديمه للبرلمان قبل يومين من صدور حكم المحكمة الدستورية بحله، والذى على اثره تم وبالمناسبة نفسها وقف مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي كانت قدمته منظمات المجتمع المدني وتم ارجاء البحث فيه الى حين ورود مشروع الحكومة[1]. هذان المشروعان خاصة الأخير قد إنتهجا فلسفة تقييدية تسلطية تزيد من قبضة الدولة على الكيانات العاملة في العمل الأهلي. وقد أعربت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان "نافى بيلاى" عن قلقها العميق إزاء المشروع الثاني بقولها "أن مشروع القانون بشأن المنظمات غير الحكومية فى مصر فى حال إقراره فى صيغته الحالية، سوف يقوض على نحو خطير روح الثورة فى مصر، التى لعب فيها المجتمع المدنى دوراً محورياً، وسوف يعطى الحكومة سلطات واسعة جداً لتنظيم ومراقبة وتقييد عمل منظمات المجتمع المدني". وفى رسالة منها للحكومة المصرية "ان المنظمات غير الحكومية يجب أن تكون قادرة على العمل بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية ويجب التشاور معها وإدراجها فى القرارات السياسية، لاسيما عندما تشهد الدولة تحولاً جوهرياً أو عمليات إنتقالية. ويجب أن لا تعاقب هذه المنظمات بسبب إنتقادها لسياسات الدولة أو التشكيك فيها. ويتعين على الحكومات أن تدرك أن التعاون مع المجتمع المدني ليست علامة ضعف، بل هو السبيل لبناء مجتمع أفضل وأكثر شمولاً، وهو أمر لا تستطيع الدولة القيام به أو إدراته بنفسها"[2]. هذه التوصية التي نادت بها المفوضة السامية لحقوق الانسان ضربت بها الحكومة المصرية عرض الحائط، حيث أنها وضعت من القيود ما لم يضعه القانون الساري أو بالأحرى أي قانون منظم للعمل الأهلي في مصر.
فقد أخضع المشروع تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية لنظام التصريح وليس الإخطار (المادة 6)، بالمخالفة لما هو مقرر بالدستور[3]الذي قرر إكتسابها الشخصية الإعتبارية بمجرد الإخطار. حيث أن المشروع إشترط مرور 60 يوماً على إخطار الجمعية للجهة الإدارة – ممثلة في الوزارة مقترحة المشروع – لإكتسابها الشخصية الإعتبارية.
كما أنه أهدر حرية المواطنين في تأسيس الجمعيات عندما إشترط ألا يقل عدد مؤسسيها عن عشرين شخصاً، علماً بأن هذا الشرط لم يكن وارداً في القانون الساري الذي إشترط أن يكون عشرة أشخاص فقط. وقد إشترط ألا يقل رأس مال المؤسسة عن مائتين وخمسين ألف جنيه. كما أنه إشترط ألا يقل رأس مال المؤسسة عن 250 ألف جنيه عند تأسيسها على خلاف ما هو مقرر في القانون الساري أيضاً الذي لم يشترط سوى أن يكون المال محدداً. وهذه الأمور لا تثير صعوبات عند تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديدة وحسب، بل أيضا بالنسبة الى المؤسسات القائمة التي يتعين عليها بموجب النص توفيق أوضاعها مع أحكام المشروع في حال إقراره. كما أنها تعد مخالفة للمعايير الدولية للحق في التنظيم والتجمع السلمي والتي حددت الحد الأدنى للمؤسسين بفردين فقط.
وقد إشترط المشروع أيضاً ألا يكون قد صدر ضد أعضاء تلك الكيانات حكم نهائي في جناية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة (المادة 4)، فهذا الشرط من شأنه حرمان العديد من السياسيين من الإشتراك في عضوية الجمعيات الأهلية أو الدخول في هيئاتها العليا، كون لفظ جناية قد جاء على إطلاقه. الأمر الذي يستلزم رد إعتبارهم وهو ما يعتبره السياسون بمثابة تنصل وإقرار بأن ما قاموا به في ظل محاكمات جائرة وقوانين قمعية جريمة تستوجب العقاب.
وفي الاتجاه نفسه، حظر المشروع على المنظمات الحقوقية القيام بأي نشاط يدخل في أغراض الجمعيات دون الدخول تحت مظلته، كأن تقوم بذلك من خلال الكيانات المؤسسة وفقاً لقوانين أخرى كشركات المحاماة والشركات المدنية وحتى الشركات التجارية. بل أضاف المشروع عدم السماح لأي جهة منح تراخيص – بأي شكل وتحت أي مسمى- لمزوالة أي نشاط من أنشطة الجمعيات ويكون ترخيصها منعدما منذ صدوره. كما أنه جعل الأنشطة المتمثلة في التوعية بالحقوق القانونية والدستورية والدفاع الإجتماعي وحقوق الإنسان خاضعة للتمويل المحلي فقط دون الأجنبي (مادة 11)، الامر الذي يعيق عمل تلك الكيانات ليس فقط لأن التمويل المحلي غير قادر على تلبية طموحاتها، بل لأن أكثر الأموال المحلية تذهب إلى الجمعيات التنموية والتي تعمل في ميادين الرعاية الإجتماعية طالما أن الجزء الأكبر منها يأتي عن طريق الزكاة والصدقات.
لم يكفل المشروع لأعضاء ومجالس إدارة الجمعيات والمؤسسات الأهلية الإستقلالية في إدارتها حيث أنه خصص الفصل الثالث منه كيفية إنعقاد الجمعية العمومية العادية وكيفية الدعوة لجمعية عمومية غير عادية (طارئة)، والنصاب الصحيح لإنعقادها وكيفية إختيار مجالس إدارتها وعدد أعضائه وتحديد إختصاصاته بمعزل عن أعضائها. فضلاً عن ذلك، فقد أعطى المشروع لممثلي الجهة الإدارية صفة الضبطية القضائية عند دخولهم مقرات الجمعيات والمؤسسات الأهلية، كما أنه يجوز لهم الإستعانة بأي من أجهزة الدولة المعنية. هذا بالإضافة الى تمتعهم بهذه الصفة في مواجهة أي كيانات أخرى تمارس أنشطة مما يدخل في أنشطة الجمعيات أيا كان شكلها القانوني ولو لم تتخذ إجراءات تأسيس جمعية أو مؤسسة أهلية.
لم يكفل المشروع للجمعيات والمؤسسات الأهلية حرية التعاون أو الإنضمام أو الإشتراك مع جمعيات أجنبية إلا بعد الحصول على أذن بذلك من الجهة الإدارية أو مضى ستون يوماً دون إعتراض كتابي من هذه الجهة. كما أنه حدد معيار التعاون على أساس النشاط. وهذا ما يعتبر قيداً على حرية الجمعيات في إكتساب خبرات أخرى في مجالات مختلفة يمكن إفادة المجتمع من خلالها. كما أن هذا المعيار لا يحتاج الى الحصول على موافقة، كما أنه لا يحتاج إلى كل هذه المدة. حيث انه في حالة التعاون بين جمعية مؤسسة وفقاً لاحكام القانون المصري وأخرى أجنبية يكفي فقط الاطلاع على النظام الأساسي للأخيرة.
إستحدث المشروع في (المادة 57) ما يسمى بـ "اللجنة التنسيقية"، والتي تضمنت في تشكيلها العديد من الأجهزة التنفيذة والرقابية. حيث تتشكل من (وزير الشئون الإجتماعية رئيساً، وعضوية ممثل لوزارة الخارجية، وممثل لوزارة العدل ونائب رئيس مجلس الدولة يختاره رئيس المجلس، وممثل لوزارة الداخلية، وممثل لوزارة التعاون الدولي، وممثل لوزارة الشئون الإجتماعية، وممثل لهيئة الأمن القومي، وممثل للبنك المركزي). ويكون من شأنها البت في كل ما يتعلق بالمنظمات الأجنبية غير الحكومية والتمويل الأجنبي بالنسبة الى الجمعيات غير الحقوقية (الجمعيات الحقوقية ممنوعة من التمويل الأجنبي كما سبق بيانه).
ففي ظل القانون الساري كانت الجهات الأمنية تعمل بالخفاء دون وجود نص قانوني يبرر لها قيامها بأي دور كان. لكن هذا المشروع شرع تدخل هذه الجهات من خلال تشكيلها ضمن اللجنة. كما أنه لم يبين بدقة الأسباب التي يمكن من خلالها رفض هذه الطلبات التي يجوز رفضها بزعم المساس بالأمن القومي، الأمر الذي يحد من رقابة القضاء على أعمال الادارة، ولا سيما أن من عوائد الادارة التزام السرية بشأن الأسباب التي من شأنها المساس بالأمن القومي. وعلى أي، من شأن اللجوء الى القضاء أن يكبد الجمعية خسائر نتيجة طول أمد التقاضي وإلغاء تعاقدها مع الجهات المانحة، وأن ينعكس سلبياً على عملها الاجتماعي. بذلك، وفيما أن الحصول على أموال أجنبية أمر محظور على الجمعيات الحقوقية كما سبق بيانه، فانه يبقى بالغ الصعوبة بالنسبة الى المنظمات الأخرى، وهو يعطي اللجنة مجالا واسعا للانتقائية والتأثير على الجمعيات الناشطة حتى تجعل منها أداة طيعة.
وفي إطار إحكام القبضة على العمل الأهلي في مصر، إعتبر المشروع أن أموال الجمعيات في حكم الأموال العامة. ومن ثم تطبق كافة النصوص العقابية المتعلقة بالأموال العامة حال إرتكاب الجمعية أي مخالفات مالية. وهذا ما يخالف الأصل العام في أموال الجمعيات والتي تعتبر أموالها وفقاً لقانون العقوبات أموالا خاصة، حيث أنه يعتبر في حكم الأموال العامة أموال: (أ) الدولة ووحدات الادارة المحلية (ب) الهيئات العامة، المؤسسات العامة، وحدات القطاع العام (جـ) الإتحاد الإشتراكي والمؤسسات التابعة له (د) النقابات والإتحادات (ه) المؤسسات والجمعيات الخاصة ذات النفع العام (و) الجمعيات التعاونية (ز) الشركات والجمعيات والوحدات الإقتصادية والمنشات التي تساهم فيها إحدى الجهات المنصوص عليها في الفقرات السابقة[4].      
تبني المشروع ذات الفلسفة العقابية التي تأسس على غرارها القانون الساري، رغم المطالبة بإلغاء كافة النصوص العقابية ذات الطابع الجنائي والتي صيغت عباراتها بطريقة فضفاضة وواسعة. إذ يفرض المشروع عقوبات على كل يخالف أحكامه، ويتوسع في عقوباته السالبة للحرية. فهناك الحبس مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة لا تزيد على 10 آلاف جنيه، إذا كان من بين أنشطة الجمعية ما يهدد الوحدة الوطنية أو يخالف النظام العام أو الآداب أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو مارس نشاطا لا يتيح القانون ممارسته سوى للأحزاب السياسية والنقابات.
وقد قرر ذات العقوبة على الكيانات التي يدخل ضمن أنشطتها ما يدخل في أنشطة الجمعيات حتى يجبر المشروع المنظمات الحقوقية على توفيق أوضاعها والعمل تحت مظلته الجائرة. هذا بالاضافة إلى غلق المقر ومصادرة أموالها.

محام وباحث قانوني
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان



[1] هذا المشروع تم طرحه هذا المشروع في عام 2009 بمبادرة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان وتم إعادة طرحه من جديد في عام 2011. وتم تدعيمه من قبل 56 منظمة حقوقية وتنموية لم يسعنا ذكر اسمائها.
[2] جنيف 25 أبريل 2012.
[3] المادة 51 من الدستور (( للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والأحزاب السياسية بمجرد الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية، وتكون لها الشخصية الإعتبارية.
ولا يجوز حلها أو حل هيئاتها الإدارية إلا بحكم قضائى، وذلك على النحو المبين بالقانون )).
[4] المادة 119 من قانون العقوبات.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *