مشاكل المجلس الأعلى للقضاء تحجب دوره، ونماذج عن تطور الوظيفة القضائية


2018-02-15    |   

مشاكل المجلس الأعلى للقضاء تحجب دوره، ونماذج عن تطور الوظيفة القضائية

ربط الخطاب القضائي قبل الثورة وبعدها نجاح القضاء في أداء وظيفته، بما يصطلح على تسميته بضمانات ممارسة القضاء لاستقلاليته. وقد أدى هذا الربط لما يشبه الترادف بين مفهوم استقلالية القضاء وإرساء المؤسسات الضامنة لها والتي تتمثل أساسا في المجلس الأعلى للقضاء. وكانت في ذات الحيز الزمني هياكل القضاة الساحات التي يزدهر فيها هذا الحديث الذي يغيب كل سؤال عن الوظيفة القضائية أو كيفية ممارسة القضاة لاستقلاليتهم في أدائهم القضائي. ساهم هذا الخطاب إلى حدّ بعيد في  صياغة باب للسلطة القضائية بدستور الجمهورية الثانية يستبطن قيم استقلالية القضاء ويضمن شروط ممارستها بمؤسسات تمنع التدخل في القضاء وعمله. كما أدت لاحقا حماسة الدفاع عنه لتسجيل نجاح كبير للمدافعين عن استقلالية القضاء في بناء تشريعي لمجلس أعلى للقضاء يدير باستقلالية المسار المهني للقضاة.

المجلس الأعلى للقضاء: مشاكل كثيرة تحجب دوره

تبين مع بداية سنة 2017 أن المجلس الأعلى الذي كان يظن أنه سيحل مشاكل القضاء قد أصابته عدوى صراعات هياكلهم. فبمجرد إعلان نتائج انتخاباته، انشطر أعضاؤه إلى شق يساند الترشيحات في المناصب القضائية العليا التي أصدرتها الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي حينها (وهي الهيئة التي كانت تقوم مقام المجلس في الفترة الانتقالية) وشقّ يعارض تلك الترشيحات ويتمسك بطلب رفض إمضائها مدعيا أنها وردت بعد النهاية القانونية لولاية الهيئة وبغاية التأثير في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء. يشار إلى أن بعض ترشيحات الهيئة اتصلت بمناصب يصبح شاغلوها حكما أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء. قسم المجلس الأعلى للقضاء القضاة. وفرضت الحرب العبثية التي خاضها أعضاؤه ومناصروهم أن تتدخّل السلطة السياسية وتسنّ القانون عدد 19 لسنة 2017 الذي ينقح قانونه في اتجاه يسند لرئيس مجلس نواب الشعب صلاحية إصدار أول دعوة لانعقاد المجلس. فكان أن عقد المجلس جلسته الأولى بتاريخ 28-04-2017، أي بعدما يقارب ستة أشهر من تركيزه.

انطلق تاليا المجلس الأعلى في عمله مثقلا بصورة سلبية فرضتها الاتهامات التي تبادلها أعضاؤه فيما بينهم بعدم الاستقلالية. ولكن هذا الأمر لم يمنع مجالسه القطاعية من التوصل لإعلان تحركاته القضائية السنوية صائفة 2017. وقد ميزت الحركة القضائية العدلية عددا من أعضاء المجلس الأعلى للقضاة بخطط قضائية في سياق تقليد سار عليه سابقا أعضاء الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي وفرض أن يكون أعضاء المجالس أصحاب الأفضلية في تحصيل الخطط. وأدت النقل والترقيات لأن ينطلق عدد من المحاكم منقوصا من إطاره القضائي. أثارت الحركة استياء الوسط القضائي، كما واجهتها فروع متعددة للهيئة الوطنية للمحامين تتركز بالمناطق الداخلية بتحركات احتجاجية تطالب بسد الشغورات وتطلب نقلة قضاة من أماكن عملهم كعقاب لهم على عدم تعاونهم معها في تحركات احتجاجية خاضتها خلال السنة السابقة. كشفت الحركة القضائية عن تواصل التجاذبات القطاعية داخل المجلس الأعلى للقضاء العدلي بين كتلة المحامين من جهة وغيرهم من مكونات المجلس من جهة ثانية، بما يطرح مجددا السؤال حول استقلالية أعضائه عن خلفياتهم القطاعية فيما تعلق بغير القضاة والهيكلية فيما تعلق بالقضاة. كما كشفت ذات الحركة الآثار السلبية التي تولدت عن الإحداثات المتعددة لمحاكم استئناف بالجهات دون دراسات مسبقة تضمن حسن توزيع الإطار القضائي والإداري بين المحاكم.

ظهر المجلس الأعلى للقضاء عاجزا عن إيجاد حلول لأزمة نقص القضاة، وهو عجز تجاوزته الحكومة التي بادر وزيرها للعدل لإعلان تعديل الأمر 354 المتعلق بشروط المشاركة في مناظرة انتداب الملحقين القضائيين في اتجاه يفرض الماجستير في القانون كشرط مشاركة عوض الإجازة وليعلن خطة لانتداب 580 قاضيا في بحر سنتين بما ينهي الأزمة القائمة ويطور أداء المحاكم.

احتاج المجلس مرة أخرى تدخلا سياسيا ليتجاوز ضغوطا واجهته بما أكد مجددا حاجته لوقت أطول ليطور أداءه ويتجاوز إدارة الشأن اليومي ويلتفت لصياغة ممارسة ونصوص تعزز قيم استقلالية القضاء. ويسجل في هذا الإطار أن المجلس لم ينجح رغم مرور سنة من بداية عهدته في إطلاق عمل اللجنة التي ستصوغ له مسودة نظامه الداخلي.

قضاة يطورون تصورهم للوظيفة القضائية

اختزل قضاة الرأي العام إلى حد بعيد صورة القضاء المستقل بتونس قبل الثورة بفضل نضالهم الحقوقي والسياسي في مواجهة التدخل في القضاء. وغيبت سطوة القضاة المنسجمين على المحاكم إلى حد بعيد كل حضور لأشكال ممارسة الاستقلالية المهنية للقضاة ولكل توثيق لها في حال حصولها. وقد أدى حضور القضاء بعد الثورة في مشهد الصراع السياسي لجهة القضايا التي تعهد بها أو لجهة ما فرض من استحقاقات دستورية وتشريعية له إلى أن كانت التصنيفات السياسية للقضاة مدخل كل حديث عنهم. غيرت إلى حدّ ما سنة 2017 والشهر الأول من سنة 2018 هذا المشهد الرتيب بعدما ظهرت على الساحة أحكام يمكن وصفها بالجريئة تنتصر لاستقلالية القضاء ولحقوق الإنسان. وقبل المضي في ذكر قرارين لافتين في هذا الخصوص، تقتضي الإشارة إلى أن هذا التطور الهام لا يعني بحال أن القضاء تعافى من أمراضه السابقة.

القرار الأول صدر عن الدائرة الجناحية الثامنة بالمحكمة الابتدائية بتونس برئاسة القاضي سفيان بالصادق بتاريخ 19-01-2018 بعدم سماع دعوى ضد ناشط سياسي. وكانت النيابة العمومية ادعت سابقا على الناشط المذكور على خلفية نشره فيديو تناول فيه رئيس الجمهورية باجي قايد السبسي لاقتراحه قانون المصالحة. وقد عدّت النيابة العمومية على ضوء تقارير أمنية وردتها في هذا الخصوص أن مخاطبته لرئيس الجمهورية بأن تونس ليست ملكه هي بمثابة توجه بأمر موحش نحو الرئيس.

القرار الثاني صدر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة الابتدائية بتونس برئاسة القاضية سمية بوغانم، في قضية نفقة غلبت فيها مبدأ المساواة بين الجنسين على التصور الموروث في هذا الخصوص. وكان مواطن طلب من الدائرة إلزام طليقته بالمساهمة في الإنفاق على أبنائهما، فتم قبول طلبه بعد بحث مستفيض في قيم المساواة وحقوق الطفل على أبويه.

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

القانـون أساسي عدد 19 لسنة 2017 مؤرخ في 18 أفريل 2017 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 أفريل 2016 المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، مجلة تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية