محامو لجنة الدفاع عن المتظاهرين: أيّ تصوّرات لدورهم ودور نقابتي المحامين؟

،
2020-10-21    |   

محامو لجنة الدفاع عن المتظاهرين: أيّ تصوّرات لدورهم ودور نقابتي المحامين؟
رسم رائد شرف

نشر هذا المقال ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو جزء من سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. كما بحث العدد في التصوّر المختلف للمهن القانونية كالمحاماة والطب الشرعي ودورها في حماية الناس من عنف السلطة. وفي هذا المقال، نتناول دور مهنة المحاماة في الانتفاضة عبر تجربة لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين. 

 

منذ انطلاق انتفاضة 17 تشرين، كانت “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” فاعلاً أساسياً في الانتفاضة ومرجعاً للمشاركين فيها الذين يستمدّون منها شعوراً بوجود حماية قانونية وراء ممارسة حريّتهم بالتعبير والمشاركة في الحياة السياسية والانخراط في التحرّكات الاحتجاجية، وبشكل خاص عند تعرّضهم للتوقيف أو الإصابة أو عند استدعائهم للتحقيق. كما تطوّع العديد من المحامين الآخرين من مجموعات 17 تشرين للدفاع عن المتظاهرين في مختلف المناطق اللبنانية، وكان لهذه التجارب أهمّية بالغة من حيث تعزيز الوظيفة الاجتماعية لمهنة المحاماة وتعاون المحامين وتسخير الخبرات المهنية في قضايا ذات أبعاد وطنية. نشرح بداية دور هذه اللجنة لنورد من ثم شهادات عدد من أعضائها بشأن هذه التجربة (المحرّر).

لجنة الدفاع: مسار بدأ في حراك 2015 ومستمرّ

منذ بدء الاحتجاجات في آب 2015 تبعاً لأزمة النفايات، دعت “المفكرة القانونية” عدداً من المحامين لتكوين لجنة مشتركة للدفاع عن المتظاهرين، واضعة في تصرفهم خطّاً ساخناً. وقد انتشر خبر إنشاء اللجنة بسرعة هائلة عشية الإعداد للتظاهرة الكبرى في 29 آب 2015 حيث دُعي المتظاهرون ليكتبوا على سواعدهم رقم الخطّ الساخن بهدف استعماله عند الحاجة. وقد وثقت “المفكرة القانونية” تجربة اللجنة في 2015 في دراسة تحت عنوان “تجربة محامي حراك صيف 2015” تماشياً مع هدفها في دراسة المهن القانونية.[1] لم يتوقّف عمل اللجنة مع توقّف حراك 2015، بل استمرّ المحامون المتطوّعون في متابعة عشرات القضايا التي ادّعت فيها النيابات العامّة على متظاهرين أمام القضاء بشقَّيْه العدلي والعسكري. وقد برزت في السنوات الماضية أحكام قضائية عدّة برّأت متظاهرين وناشطين معارضين من التّهم التي وجهتها إليهم النيابة العامّة.

ما بين حراك 2015 وانتفاضة تشرين الأول من عام 2019 علامات فارقة عدة وضعت لجنة المحامين أمام تحدّيات عدّة وضرورة لتوسيع مهامها نظراً لتوسّع التحرّكات في مختلف أيام الأسبوع وفي مختلف المناطق اللبنانية. ولم يقتصر عمل اللجنة على متابعة التوقيفات خلال التظاهرات، بل باتت من خلال صفحتها على فيسبوك، مصدراً للإحصائيات وللمعلومات حول التوقيفات مع التحفّظ عن ذكر أسماء الموقوفين حفاظاً على خصوصياتهم. كما أسهمت اللجنة بنشر الوعي القانوني والحقوقي، فصدر عنها عدة بيانات أكدت فيها على حقوق المواطنين أمام السلطة، وعقدت حلقات حوارية في مناطق عدّة. فضلاً عن ذلك، عقدت اللجنة أوّل مؤتمر صحافي لها بتاريخ 6 شباط 2020 رفعت فيه الصوت تجاه السلطة السياسية والقضاء والأجهزة الأمنية على خلفية الانتهاكات التي قام بها عناصر القوى الأمنية بحق المتظاهرين والموقوفين، وعلى خلفية حفظ شكوى التعذيب التي تقدم بها 17 متظاهراً. وتُعدّ اللجنة مرجعية للمتظاهرين الذين غالباً ما عادوا إليها قبل الدعوة لتظاهرات معيّنة للاستفسار عن وضعيّتها القانونية.

معارك قانونية متعدّدة

خاضت اللجنة والمحامون المتطوّعون معارك قانونية متعدّدة في سبيل تطبيق القانون والدفاع عن المجتمع في المخافر وأمام القضاء. ومن أبرز هذه المعارك:

– المعارك لفرض تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية حيث دافع المحامون المتطوّعون عن الموقوفين أمام الضابطة العدلية والقضاء، وهي المادّة التي لم تُطبّق إلّا نادراً في لبنان والتي تُجيز للموقوف الاتّصال بالعائلة وتوكيل محامٍ والخضوع لكشف طبيب شرعي. في هذا المجال، تمكّن المحامون من إنجاز خطوات ملحوظة، بخاصّة بعد انتخاب النقيب ملحم خلف نقيباً للمحامين، وصدور تعميم من النائب العامّ التمييزي بفرض تطبيق هذه المادة لدى الضابطة العدلية. اتخذت المعركة طابعاً مختلفاً عندما تمّ احتجاز المتظاهرين عند أجهزة أمنيّة خاصة مثل مخابرات الجيش وأمن الدولة. وفي هذه الحالة، اصطدمتْ اللجنة بعدم تمكّنها من معرفة مكان الاحتجاز، مما أرغمها على تقديم إخبارات بالإخفاء القسري ما شكّل الاستخدام الأوّل لقانون المفقودين والمخفيين قسراً.

– فئة ثانية من المعارك خاضها المحامون لمواجهة اتّهام النيابات العامّة للمتظاهرين بارتكاب جنايات خطيرة وإحالتهم أمام قضاة التحقيق، مما أدّى إلى إطالة آماد توقيفهم الاحتياطي، لا سيما بالنسبة للموقوفين في قضية استراحة صور أو في إثر أعمال الشغب في طرابلس وكسروان أو على خلفية أعمال التخريب في وسط بيروت خلال حزيران 2020. وهي قضايا حملت اللجنة على المطالبة بإخلاء سبيل الموقوفين لعدم وجود ضرورة للتوقيف الاحتياطي بعد انتهاء التحقيقات وتمسّكاً بقرينة البراءة.

– فئة ثالثة من المعارك خاضها المحامون في إطار تقديمهم الدعم القانونيّ للمصابين الذين تعرّضوا للعنف خلال التظاهرات أو خلال احتجازهم. فقد اصطدمت اللجنة بعدم تفعيل الآليات القانونية لمحاسبة الأجهزة الأمنية سواء كانت مسلكية أو قضائية. وفي هذا الإطار، تقدّم عددٌ من محامي اللجنة في كانون الأوّل 2019 بمجموعة من الشكاوى القضائية على خلفية قانون معاقبة التعذيب للمطالبة بالتحقيق في قضايا التعذيب بحق المتظاهرين، لكنّ النيابة العامّة العسكرية رفضت التحقيق فيها.

– فئة رابعة من المعارك خاضها محامو اللجنة تتعلق بوقف ممارسات النيابات العامّة بإلزام الذين يخضعون للتحقيق على التوقيع على تعهدات أو إجبارهم على حذف منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي إجراءات تراها اللجنة تقييداً لحرية الرأي والتعبير، وممارسة غير قانونية لتأديب المواطنين تخرج عن صلاحية الأجهزة الأمنية والنيابة العامّة. في هذا المجال، قدّم المحامون المتطوّعون الدعم القانوني للأشخاص الملاحقين على خلفية ممارستهم لحرية التعبير خلال التظاهرات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وعمدوا إلى إعلامهم بأنّ تعهّدات مماثلة تعدّ باطلة قانونياً وحاصلة تحت الإكراه، مما شجّع هؤلاء على رفض توقيعها.

– بالإضافة إلى ذلك، واجهت اللجنة أيضاً ممارسات النيابات العامّة باستخدام التوقيف الاحترازي الذي يُعدّ شكلاً من أشكال العقوبة المسبقة ولا صلاحية للنيابة العامّة لفرضها. على سبيل المثال، تم إيقاف الناشطة دانا حمّود في الحمرا في 29 تشرين الثاني 2019 بعد مشادّة كلامية مع عنصر أمني تعرّضت خلالها للضّرب. وبعد الانتهاء من التحقيق معها، أصدرت النيابة العامّة العسكرية إشارة بإبقاء دانا محتجزة إلى الساعة العاشرة صباحاً من اليوم الثاني. يعدّ هذا الاحتجاز غير قانوني، كون التحقيقات قد انتهت، بحيث يصبح في هذه الحالة أشبه بعقوبة هي من صلاحية قاضي الحكم.

دور نقابتي المحامين في طرابلس وبيروت

يثني جميع المحامين على أهمية دعم نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس لعملهما في الدّفاع عن المتظاهرين. في بداية التظاهرات كان لنقابة المحامين في طرابلس خطوة تميّزت عن نقابة بيروت في احتضان المطالب الشعبية والمشاركة المباشرة في تأمين الحماية القانونية للمتظاهرين، فمنذ بداية الانتفاضة وضعت خطّاً ساخناً بعهدة المتظاهرين في الشمال وكلّفت محامين للدفاع عنهم في حال توقيفهم. وقد نشطت مجموعة “محامون في الحراك” في دعم المتظاهرين في الشمال.

أما في بيروت، فقد شهد دور النقابة تحوّلاً هامّاً نتيجة انتخاب نقيب جديد في 17 تشرين الثاني 2019 أي بعد شهر من اشتعال الانتفاضة الشعبية. فعدا عن أنّ النقيب السابق أندريه الشدياق امتنع عن اتّخاذ أيّ موقف بشأن ثورة تشرين، فإنّه لم يمدّ يد العون لأيٍّ من محامي اللجنة الذين واجهوا صعوبات كثيرة كمنعهم من مقابلة الموقوفين. لا بل ذهب أبعد من ذلك في اتّجاه سحب تكليف عدد من المحامين المتطوّعين للدفاع عن الموقوفين في قضية استراحة صور بعد يوم واحد من منحهم هذا التكليف. وقد فوجئ هؤلاء عند وصولهم في 14 تشرين الثاني 2019 إلى قصر العدل في صيدا بورود رسالة استرداد التكليف عبر الفاكس إلى قاضي التحقيق الأول في صيدا من دون علم مسبق منهم، وثم وصل تكليف آخر وجرى استبدال محامي اللجنة بمحامين آخرين خلافاً لرغبة الموقوفين. وقد اعتبرت اللجنة في بيان أنّ “استرداد التكليف حصل بصورة غير مشروعة وبدون أيّ سند قانوني أو نظامي، (وأنّه) يُشكِّل سابقة خطيرة ويؤكِّد أحقّية المطالبة المُلحَّة باستقلالية السّلطة القضائية لتحصينها من الضغوط التي تُمارِسها السّلطة السياسية”.

غيّر انتخاب النقيب خلف من مواقف النقابة من اللامبالاة إلى الحماية والدعم وعزّز انتظارات اللجنة حيال النقابة. فإلى جانب عدد من البيانات التي أصدرها خلف تأييداً لمطالب حقوقية أهمها بيانه ضد الممارسات التي انتهجتها المصارف بعد 17 تشرين، ساهم خلف بشكل خاص في تطبيق المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وقد تجلّى هذا الأمر في انتقاله إلى ثكنة الحلو في مار الياس تأكيداً على حق المحامين في مقابلة الموقوفين وذلك بتاريخ 19 تشرين الثاني 2019. وهناك، أكّد خلف على أنّه لا يُغلق أمام المحامي أيّ مكان، وطلب تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات جزائية، وشدّد أيضاً على حق المحامي في معرفة معلومات عن الموقوفين. وبحسب تأكيد محامين عدّة لـ”المفكرة”، أعطتهم مواقف خلف الزّخم للاستمرار في عملهم التطوّعي، بخاصّة أنهم تعرّضوا لانتقادات من محامين لا يرون في عمل اللجنة أمراً إيجابياً، وصولاً إلى حدّ المطالبة بشطبهم من النقابة.

شهادات لمحامين ومحاميات أعضاء في اللجنة

ماذا قال بعض هؤلاء المحامين عن أهمّية دورهم في الدفاع عن المتظاهرين وكيف غيّرت هذه التجربة تصوّرهم لمهنة المحاماة؟ نورد هنا عيّنة صغيرة عن هذه الآراء، مع الإشارة إلى أنّ هذه العيّنة لا تختصر تجارب العشرات من المحامين والمحاميات الذين تطوّعوا للدفاع عن المتظاهرين.

 

جاد طعمة

“يكمن دور المحامي في تحقيق رسالة العدالة من خلال استخدام معرفته القانونية نصرة للحق ودفاعاً عن المظلومين. وهناك دورٌ آخر لا يقلّ أهمية وهو المشاركة في الشأن العامّ والحياة العامّة دفاعاً عن القضايا التي تهمّ الجمهور. لذلك في زمن الثورة، من الطبيعي أن يكون للمحامي المهتم بالشأن العامّ موقع ودور بصفته مواطناً بالدرجة الأولى وبصفته المهنية كمحامٍ إن رغب في تسخير معرفته القانونية وجهوده ووضعها في خدمة الثورة. نجاح اللجنة نرصده من حالة الرضا العامة عند الثوّار الذين يجدون في اللجنة سنداً حقيقياً لهم. وتكرّست الثقة التي حظيت بها اللجنة في قضية موقوفي استراحة صور، التي تحمل رمزية خاصة، حيث رفض الأهالي والموقوفين التكليف البديل الذي كانت نقابة المحامين في بيروت قد نظمّته بعد إلغائها المفاجئ لتكليف محامي اللجنة”.

 

أيمن رعد

“وضعنا اختصاصنا في خدمة الثورة والوطن وتمكنّا من خلال هذه التجربة من تغيير النظرة التقليدية للمحامي وبناء ثقة الناس في مهنة المحاماة وفي دورها الاجتماعي. عملنا على فرض تطبيق المادة 47 ليس فقط لفائدة المتظاهرين بل أيضاً لفائدة جميع الأشخاص الذين تعرضّوا للتوقيف. ولاحظنا تعاطف العديد من أفراد السلطة القضائية والأجهزة الأمنية مع الثوّار ومطالبهم، رغم أنّ بعض الأجهزة لا تزال تعرقل إمكانيّتنا بممارسة الدفاع عن الموقوفين. كما أدركنا أهميّة دورنا في إرشاد الثوّار لا سيما لدى استدعائهم إلى التحقيق، حيث كانوا بداية يعبّرون عن خوفهم من الذهاب إلى التحقيق لينتهوا بعد حصولهم على الاستشارة القانونية بالمثول بكلّ ثقة وبرفض توقيع التعهّدات بعدم التظاهر والتعبير عن الرأي”.

 

الشريف سليمان

“رغم أنّ المحاماة تعرّف بأنّها “مهنة” و”رسالة”، إلّا أنّ وظيفتها الرسالية – المتمثّلة في رسالة الدفاع عن الحقوق والحرّيات – نادراً ما تظهر أو تتجلّى في القضايا الفردية أو حتى الجماعية، في حين تشكل القضايا الوطنية الكبرى أبهى تجلّياتها. وقد شكّل عمل اللجنة ودورها منذ العام 2015 إحدى أهمّ المنصّات التي سمحت لنا بممارسة المحاماة بوجهها الرسالي، لتتكرس هذه الوظيفة وهذا الدور في انتفاضة 17 تشرين، حيث كان للمحاماة والمحامين دورٌ وطنيّ ومفصليّ في تكريس ثلة من المبادئ التي تشكل تظهيراً ثورياً لمفهوم المحاماة الرسالة”.

 

نائل قائدبيه

“تطوّعي كمحام في الدفاع عن حقوق المتظاهرين هو امتداد طبيعي لنشاطي السياسي والعمل المطلبي في الشارع. أمّا القيمة الحقيقية لمهنة المحاماة، فتكرّست على صعيد المجموعة، وذلك عبر نجاح اللجنة بأن تتوحّد لتحقيق أهدافها على الرغم من التنوّع الفكري والسياسي لأفرادها. خلافاً للعام 2015 حين كنّا ننتظر ساعات خارج الثكنات ونُمنع من دخولها رغم حيازتنا على توكيل قانوني، فرضت ثورة 17 تشرين دخول المحامين لمقابلة الموقوفين نتيجة تعميم النائب العامّ التمييزي الذي كرّس حق الموقوف في مقابلة المحامي بدفع من نقيب المحامين في بيروت”.

 

فاروق المغربي

“برز دورنا بشكل أساسي عندما بدأت حالات الإخفاء القسّري والتعذيب بعد 17 تشرين والتي تمكنّا من مواجهتها. وعرفنا أهمّية دورنا عندما رأينا كيف يطمئنّ الموقوف لدى رؤية أحد محامي اللجنة، هذه النظرة زادت من عزمنا لإكمال ما بدأنا به في العام 2015 وكأنّها أتعاب لا تنتهي أبداً ولا يمكن لأيّ مصرف حجزها. لا شكّ أنّ هذه التجربة الممتدّة منذ العام 2015 حتى اليوم كانت متنفّساً لي لخوض تجارب قانونية وطنية في ظلّ هذا الفساد الذي يسيطر على كل مفاصل العدالة في البلد”.

نرمين السباعي

“انخراطي في الدفاع عن حقوق المتظاهرين جاء كامتداد طبيعي لنشاطي السياسي وتخصّصي في مجال الدفاع عن الفئات المهمّشة وتجربة العام 2015، كما تكريساً للمحاماة كرسالة عدالة. أوجدت ثورة 17 تشرين أرضيّة واسعة لنا للتأسيس لنظام عادل وللعودة إلى دولة المؤسّسات، وأعطتنا زخماً أكبر لتكريس سقف عالٍ للدّفاع عن حرية الرأي والتعبير كأحد المبادئ الأساسية التي نخوض المعارك لأجلها. وكانت الاستنسابية في تطبيق القانون على المواطنين فاضحة، إذ شهدنا على حيازة فئة من المواطنين المناصرين للأحزاب على امتيازات تضعهم بمنأى عن المحاسبة، وفي الوقت نفسه كانت الملاحقات تطال المعارضين السياسيين لمجرّد نشرهم لآرائهم السياسية أو تمزيق صور لرموز سياسية”.

 

مازن حطيط

“محامو اللجنة هم ممّن التزموا تأمين حقوق الدّفاع والتثبّت من احترام الأصول القانونية للاحتجاز، وهي الأهداف التي أُنشئت اللجنة من أجلها في عام 2015. نتيجة اختلاف طبيعة التحرّكات عن السابق، اضطرت اللجنة لتوسيع مهامها في المناطق كافة وازدادت الحاجة لخوض المعارك القانونية على مستوى أعلى بهدف حماية حقوق المتظاهرين. دورنا يكمن أيضاً في تكسير النمط العرفي غير القانوني المعتمد في المخافر، وتأمين الحماية القانونية والمعنوية للموقوف بمجرّد لقائه داخل مراكز الاحتجاز. وقد أدّت اللجنة دوراً رئيسياً في مجال إرشاد المتظاهرين”.

 

وائل همّام

“احسست بالغضب الشديد نتيجة ارتفاع أعداد الموقوفين في أوّل أيام الثورة، فوجدت نفسي أقف من دون تردّد أمام ثكنة الحلو مع مجموعة من الزملاء والمتظاهرين. ومنذ ذلك الحين، قرّرت أن أشارك في الثورة وأخدم الوطن عبر اختصاصي، وقمنا بتطويع مكاتبنا ووقتنا وعلمنا وخبرتنا وعلاقاتنا في سبيل الدفاع عن الموقوفين. من أهم المعارك التي خضتها في حياتي المهنيّة كانت تكريس حقوق الموقوف عبر المادة 47 بجهود كافة المحامين ونقابة المحامين. لن أنسى ردّة فعل ذلك الموقوف الذي قابلته المرّة الأولى التي دخلنا فيها إلى مديرية المخابرات في حرم وزارة الدفاع بحيث ارتعب لدى رؤيتي قائلاً: “ما تضرب” وحاول حجب رأسه بيده. وبعد علمه بأنني محامٍ، انفجر بالبكاء وسقط أرضاً. اليوم تغيّر مفهوم المحاماة بالنسبة لي من مهنة إلى مفهومها الأساسي وهو الرسالة المقدّسة”.

 

هبة فرحات

“تطوّعي مع اللجنة هو أمر طبيعي كوني شاركت في الثورة وتواجدت على الأرض منذ بدايتها، ولأنني أرى أنّ مهنة المحاماة لها دور إنساني واجتماعي. وتكرّس هذا الدور من خلال اللجنة التي أمّنت بيئة حاضنة لهذا التوجّه، مما يُساهم في التأثير على القضايا الوطنية. وكان لمثابرة اللجنة على متابعة الموقوفين تأثير كبير على العودة إلى احترام القانون، بخاصّة في مراكز الاحتجاز حيث تحسّنت العلاقة مع الأجهزة الأمنية وأصبحنا نتمكن من مقابلة الموقوفين بكامل الثقة. ومن أهمّ ما قمنا به كان حماية المتظاهرين المصابين بعد نقلهم إلى المستشفيات من خلال ردعنا إمكانية أن يتم التحقيق معهم وهم في حالة صحية غير مؤهّلة”.

 

عماد عمّار

“ساهم عملنا التطوّعي في الدفاع عن موقوفي الثورة في التخفيف من أثر سلاح قمع المشاركين فيها، وذلك من خلال تأمين حق الدفاع لكلّ من أراد ممارسة حقوقه السياسية ومواجهة السّلطة سلميّاً في الشارع. منذ انطلاق الثورة خضنا معركة تكريس تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، فتوصّلنا، بفضل موقف النقيب خلف الدّاعم، إلى كسر العرف السائد وتصحيح النظرة إلى دور المحامي في الدفاع حيث يبدأ هذا الدور منذ لحظة احتجاز الشخص. ولم يقتصر دورنا على ذلك فقط، بل واكبنا أيضاً المصابين أثناء التظاهرات خلال علاجهم في المستشفيات ونعمل على تقديم شكاوى لمحاسبة من استخدم العنف ضدّهم”.

 

لمى الأمين

“لم تتوقع السّلطة حصول 17 تشرين، ولم تتوقّع أبداً أن يكون لكلّ متظاهر ومتظاهرة ليس فقط محامية، بل لجنة من المحامين والمحاميات المتطوّعين ينتظرونهم على أبواب الثكنات والمخافر في كل مرة يتمّ توقيف أو استدعاء أحدهم. وما فاجأ السلطة حقّاً هو أنّنا لم نميّز يوماً بين المتظاهرين على أساس خلفيّاتهم السياسية والاجتماعية. في العام 2015، كنت ما زالت طالبة حقوق أتلقّى الشكاوى حول عنف السّلطة بحق المتظاهرين على الخط السّاخن للّجنة. ومن خلال تجربتي مع اللجنة، تمكّنت من أداء دور كنت نسيت أنّي حلمت به يوماً وهو كان أحد الأسباب الأساسية التي دفعتني لاختيار مهنة المحاماة: الدّفاع عن الحرّية وحقوق الناس. وبعد هذه الخبرة التي اكتسبتها في الشارع ومع الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية، أصبحت على يقين أنّ الناس لم تعد تخاف من السّلطة، بل تعلم أنّ المعركة في وجهها طويلة ومتعبة ولكنّها محقّة”.

شهادات لمحامين نشطوا في الدفاع عن الموقوفين في الشمال

أحمد البيّاع، “محامون في الحراك”

تطوّعت للدفاع عن المتظاهرين وإرشادهم لحماية حقوقهم المدنية والقانونية انطلاقاً من واجبي المهني وإيماناً منّي بمبادئ ثورة 17 تشرين. ومن أبرز التجارب التي شعرت فيها بالفخر هي عندما تمكّنا في ساعات متأخّرة من الليل من إقناع النائب العامّ بإطلاق سراح 47 معتقلاً كانوا محتجزين في غرفة ضيّقة وغير مجهّزة بحمّام أو بالتّهوئة. لا شكّ أنّ هذه التجارب أرست في نفسي أثراً بالغاً لأهمية مهنة المحاماة وطعماً مختلفاً لم ألتمسه من خلال عمل المحاماة العادي. فالعمل التطوّعي يجعل المحامي يندفع من تلقاء نفسه من دون أن ينتظر مقابلاً”.

 

خالد مرعب، “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين”

“أرى أنّ تطوّعي كمحامٍ للدفاع عن الثوار ضروري لمواكبة احتياجاتهم وتعريفهم بحقوقهم في وجه السّلطة. ترتبط أبرز التحدّيات التي نواجهها بتبعيّة الأجهزة الأمنية للفاسدين في السّلطة وتجاوز هذه الأجهزة للقوانين. فهي غالباً ما ترفض التجاوب مع مطالب المحامين ونقابة المحامين المحقّة لجهة حقوق الموقوفين حيث قامت هذه الأجهزة بعرقلة حقوق الدفاع مثل مقابلة الموقوفين ومعرفة أسباب التوقيف. ولا شك أنّ هذه التجربة المستمرّة منذ العام 2015 عزّزت قناعتي بأنّ مهنة المحاماة هي المدماك الأساسي للدفاع عن الحرّيات وحقوق الإنسان، كما جعلت من المحامي شريكاً أساسياً لمن يطالبون بحقوقهم”.

 

نايف العليوه، “محامون في الحراك”

“قررت متابعة جميع الموقوفين مهما كانت أعمالهم الثورية لقناعتي أنّها جاءت كردة فعل على الجرائم المرتكبة من قبل السلطة على مدى أكثر من ثلاثين سنة. واجهت صعوبات كبيرة في التفاوض مع الضابطة العدلية والقضاء بخاصّة بسبب العداء تجاه الموقوفين أو فبركة بعض الملفّات لتوريطهم. وهذا العمل يندرج في إطار قناعتي بأنّ مهنة المحاماة هي مهنة الحق والعدالة ورأس الحربة في الدفاع عن حقوق الناس والحفاظ عليها واستردادها عندما تسلب منهم”.

 

محمد صبلوح، مكلّف من نقابة المحامين في طرابلس  

“يشكّل خيار المحامين السّير بالنمط المخالف للقانون بدلاً من خوض المعارك مع من لا يلتزم بالقانون، غطاء لانتهاكات الأجهزة الأمنية. نتيجة تقديم إخبارات بالإخفاء القسري أمام النيابة العامّة التمييزية، شهدنا بعض التغيّرات الإيجابية لجهة معرفة مصير الموقوفين المفقودين كما حصل لدى اختفاء شبّان على أثر الإشكال في ساحة النور في تشرين الثاني 2019. ما زلنا نشهد التعامل بالعنف مع الموقوفين إلّا أنّ قيام نقابة المحامين في الشمال بتقديم الدفاع المجّاني لكلّ من يُعتقل في التظاهرات شكّل رقابة على الأجهزة الأمنية، لا سيّما بهدف الحد من التعذيب الذي يتعرّض له الموقوفون في الاحتجاز”.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

 

[1]  لمى كرامة وإلهام برجس، تجربة محامي حراك صيف 2015، “المفكرة القانونية”، 2016

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، اختفاء قسري ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، قضاء ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *