محاكم التفتيش تلاحق سعيد عبدالله: احتجاز في زنزانات الذلّ بسبب رأي


2021-02-02    |   

محاكم التفتيش تلاحق سعيد عبدالله: احتجاز في زنزانات الذلّ بسبب رأي
سعيد عبدالله أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية حاملاً أمتعته لقناعته أنه سيتم اعتقاله مرة جديدة

تشكّل قضيّة توقيف الشاب سعيد عبدالله مرّتين في الأشهر الثلاثة الماضية مثالاً حيّاً على إمعان السّلطة في قمع حريّة التعبير التي يكفلها الدستور اللبناني. ففي المرّة الأولى، أوقف سعيد 46 يوماً على خلفية منشورات تناولت رئيس الجمهورية والدين المسيحي، ولم يمرّ شهر على الإفراج عنه حتى أوقف مرّة ثانية لتسعة أيام بسبب منشورات تناولت الطائفة الدرزية. ويثير توقيف عبدالله في قضية تتعلق بحرية التعبير لهذه المدّة طويلة أسئلة مشروعة أبرزها أنّه مهما بلغت حدّة المعارضة للآراء التي يعبّر عنها عبدالله لماذا قد يلجأ القضاء إلى التعامل مع التعبير عن هذه الآراء وكأنّه من الجرائم التي تستوجب حماية المجتمع منها والتشدد بحق المشتبه فيهم واحتجازهم لآماد طويلة. 

في التوقيف الأوّل مكث سعيد في نظارة ثكنة جوزيف ضاهر في الشفروليه في الطابق الرابع حيث مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، في ظروف سيّئة كما يصفها في شهادة قدّمها لـ”المفكرة القانونية” حيث كان 24 موقوفاً يتشاركون زنزانة واحدة وما تيسّر من أوكسيجين فيها. 

التوقيف الأوّل: مخالفة المادة 47 في التحقيق ولا وضوح في أسباب التوقيف

المرّة الأولى التي أوقف فيها عبدالله كانت يوم 30 تشرين الأول 2020، حين توجّه عبدالله إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية بعدما تسلّم تبليغاً بوجوب حضوره من دون أن يتمّ إعطاءه أيّة معلومة حول سبب الاستدعاء أو هوية الأشخاص الذين ادّعوا عليه. لم يعلم الشاب ما عليه فعله، اعتقد أنّه سيخضع للتحقيق ويخرج بعدها، فذهب بدون أن يوكل محام. ومع العلم أنّه بعد تعديل المادة 47 التي تضمن حقوق الموقوفين، أصبحت بإمكان هؤلاء الاستعانة بمحام مجاناً في حال لم يكن بمقدورهم ذلك مادياً، إلّا أنّه في حالة سعيد لم تطبّق المادة المذكور. فيقول عبدالله في حديث لـ”المفكرة” بأنّ “المحقّق اكتفى بسؤالي إن كنت أريد تعيين محام فأجبته بالنفي بسبب عدم حيازتي المال، ومع ذلك لم يبلغني بأنّه بإمكاني الاستعانة بمحام مجاناً من نقابة المحامين وهي ضمانات لم أكن أعلم أنه بإمكاني الحصول عليها”.   

ويقول عبدالله إنّه مع سؤال المحققين له عن منشوراته على صفحته على فيسبوك تبيّن له أنّه جرى الادّعاء عليه من الحق العام كما بدعوى شخصية من قبل رئيس بلدية بعبدا على خلفية المنشورات التي تطال الدين المسيحي. وسئل أيضاً عن منشور له طال النائبة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون، مع العلم أنّها القاضية الناظرة في ملف سعيد، ما يشكّل تضارب مصالح واضحاً. ويروي سعيد: “أوضحت للمحقّقين بأنّي أجد أنّ ما كتبته على صفحتي هو من حقّي، بإمكاني انتقاد الشخصيات العامّة كما وإعطاء رأيي بالأديان”. ويُضيف، “قلت للمحققين بأنّني ملحد وأكتب بناء على قناعاتي”. 

بعد الانتهاء من التحقيق، قررت القاضية عون توقيف سعيد عبد الله، وتمّ احتجازه على الفور من دون أن يعلم ماهية الجرائم المنسوبة إليه، والتي لم يتمكّن من معرفتها إلّا بعد 46 يوماً، أي يوم إخلاء سبيله في 16 كانون الأول. وكانت القاضية عون قد ادّعت ضدّه أمام قاضي التحقيق في بعبدا بسّام الحاج الذي أصدر مذكرة توقيف وجاهية بحقّه بعد أن استجوبه إلكترونياً لمدة 5 دقائق فقط. رفض القاضي الحاج إخلاء سبيله وأحاله للمحاكمة أمام القاضية المنفردة الجزائية في عاليه غادة بو علوان التي أصدرت قراراً بإخلاء سبيله. وحينها علم أنّه جرى الادّعاء عليه بتهمتَي “تحقير موقع رئاسة الجمهورية، و “إثارة النعرات الطائفيّة”. ولم يتّصل الادّعاء بالقاضية عون مع العلم أنّ التحقيق تمحور حول منشور يمسّها نشره سعيد. 

عقاب مزدوج من المخابرات والنيابة العامّة خلافاً للقانون

بعد إخلاء سبيله، عاد سعيد لينشر آراء وانتقادات سياسية مختلفة منها طالت الطائفة الدرزية، فتمّت مداهمة منزله في سوق الغرب من قبل عناصر من مخابرات الجيش واقتياده معصوب العينين ومن ثمّ التحقيق معه لمدة ساعتين وإرغامه تحت الضغط على حذف منشورات عن صفحته على فيسبوك من دون وجود إشارة قضائية. وعلم أنّ المداهمة حصلت بناء على “ورقة معلومات”. وبذلك تكون المخابرات قد أدّت دور المحقّق والقاضي في موضوع يخرج كلّياً عن صلاحياتها وخارج أيّة رقابة قضائية. لكن الأمر لم ينته هنا.  

ولم يمرّ شهر على عودة سعيد إلى منزله حتى تلقّى تبليغاً بحضوره إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية في الشفروليه للتحقيق معه في 11 كانون الثاني 2021، فتوجّه حاملاً معه مقتنياته الشخصية لأنّه، حسبما يقول، كان متأكداً أنّه سيجري توقيفه مرة ثانية. المفارقة أنّه دخل هذه المرّة مع وكيلته المحامية هبة فرحات التي تؤكّد لـ”المفكرة” أنّ القاضية عون “عمّمت على المحقّقين وجوب مخابرتها قبل السماح بدخول المحامين، فتمّ الاتصال بها ولكن لم تكن على السمع بسبب وجودها خارج لبنان”. وتضيف فرحات: “جرى التواصل مع المحامية العامّة في جبل لبنان القاضية نازك الخطيب، فسمحت بدخولي لكن طلبت أن يكون وجودي فقط كمراقبة من دون أن تسمح بالتدخّل في التحقيق”. ورأت فرحات بأن تتخطى المسألة وتدخل مع سعيد لتؤازره في التحقيق، مع العلم أنّ حضور المحامي مع موكّله لا يحتاج لإذن من النيابة العامّة وفقاً للقانون ولتجربتها في قضايا أخرى مع النيابة العامة في بيروت. 

تستغرب فرحات توقيف سعيد بعد الانتهاء من التحقيق معه إذ تبيّن أنّ القاضية عون قد أعطت إشارة مسبقة بتوقيفه 24 ساعة أي قبل خضوعه للتحقيق. وهذا ما تعدّه فرحات “أمراً غير قانوني لأنه من المفترض أن تلجأ النيابة العامّة إلى خيار التوقيف بناء على نتائج التحقيق، فيما بدت القاضية عون وكأنّها أصدرت حكماً مسبقاً بحقّ عبدالله”. وتلفت إلى أنّه “طُلب من عبدالله التعهّد بعدم المسّ بالرموز الدينية وحذف المنشورات، وهي مسألة غير قانونية أيضاً وقد شرحتُ له أنّه بإمكانه ألّا يوقع، لكنه ارتأى أن يوقّع وينتهي من المسألة”. وتستغرب فرحات أكثر توقيفه بعد توقيعه التعهّد وحذفه المنشورات. وتوضح سبب عدم قانونيّة هذين الأمرين، قائلة “إنّه يعود لقاضي الحكم تفسير المنشورات إذا ما كانت حقاً الجرائم المنسوبة لعبدالله تستوجب اتخاذ إجراء بحذف يفترض حذفها أو إعلان براءته منها، فيما صلاحية النيابة العامّة تنحصر في التحقيق”. 

حينها، بقي سعيد قيد الاحتجاز لمدّة تسعة أيّام، في مركز تحرّي بيروت على سبيل الأمانة، بسبب عدم توفّر مكان له في ثكنة جوزيف ضاهر. وتأخّر الإفراج عنه بسبب بطء عمل القضاء خلال الإغلاق العام، وتلفت المحامية فرحات إلى أنّه “جرى التواصل أكثر من مرّة مع مكتب القاضية عون للإفراج عنه إلّا أنّها لم تتواجد في المكتب إلى حين تمكنّا من التواصل مع المحامية العامّة القاضية نازك الخطيب التي تواصلت مع القاضية عون وأصدرت قرار الترك”. 

من جهته، يرى المحامي جاد طعمة المتابع للقضية أنّّ “القضايا التي تتّصل بحرية الرأي والتعبير يجب ألّا تكون سبباً لحجز حرية الأشخاص”. ويعتبر أنّ “انتقاد كلام عبدالله وعدم الاتّفاق معه حق مشروع، لكن من غير المنطقي التعامل مع منشوراته وكأنها جرائم تمسّ السلم الأهلي ما يستدعي حجز حريته”. ويشدد طعمة على أنّه “في الظروف العادية كنّا ضد التوقيف على خلفية الرأي، أما اليوم، ازدادت الأسباب لوقف هذه الممارسات، حيث ينتشر وباء كورونا ويدخل إلى السجون ويعرّض صحّة السجناء للخطر”. 

شاويش ونظامه في الزنزانة

بين التوقيف الأول لمدة 46 يوماً والتوقيف الثاني لمدة تسعة أيّام، خرج سعيد عبدالله حاملاً معه مشاهد مأساوية لظروف الموقوفين في الزنازين، وهي ظروف تتعارض مع ضرورة حماية صحّة الموقوفين في ظلّ انتشار وباء كوفيد-19.  

يروي سعيد لـ”المفكرة” ما عايشه وشهد عليه خلال توقيفه في ثكنة جوزيف الضاهر لمدّة 46 يوماً: “كنّا 24 موقوفاً في زنزانة ضيّقة، بيننا نحو 15 مدخّناً. وكانت التهوئة في الغرفة سيئة إلى درجة كنّا نشعر بصعوبة في التنفّس، وطبعاً لا مجال للسير أو الاستلقاء في الزنزانة فكادت عظامنا تهترئ من قلّة الحركة وكثرة القرفصاء”. ويُضيف: “أمّا النوم فكان يحصل مداورة بسبب الاكتظاظ الشديد، فيتمّ تنسيق دوامات النوم بين الموقوفين، حيث ينام قسم والقسم الآخر يسهر، لذا كانت ساعات النوم مقسّمة بين الليل والنهار، ولم تكن ساعات نومنا تزيد عن ست ساعات”. ولكي يتمكّن الجميع من النوم، كان على الموقوفين أن يستعملوا الحمام المتواجد في الزنزانة أيضاً للنوم. و”الحمّام عربي حيث كنّا ننظّفه ثم نغطّي الجورة بلوح خشبي ونضع فوقها فرشة رقيقة من التي يعطونا إياها وهكذا يكتسب أحدنا مساحة لينام”. 

لكنّ ساعات النوم تلك محكومة بنظام يضعه شاويش الزنزانة، وفقاً لسعيد: “كان نومنا متقطّعاً، لأنّ الشاويش والأشخاص التابعين له يستمرّون بالسهر والتحدّث فيما يحاول الباقون النوم، لكنّ حينما ينام الشاويش على الجميع أن يصمت وإلّا كان حسابه عسيراً”. 

ولهذا الشاويش وضع خاصّ، وفقاً لسعيد. فهو الأقدم بين الموقوفين وصاحب التهمة الأخطر، وهذا ما يمنحه امتيازات عن الباقين. ومعه 4 أشخاص تابعون له يأتمرون بأوامره “بمشّوا النظام بالزنزانة”. وللتمكّن من النجاة من “سحاسيهم وإهاناتهم والتعنيف الذي يُمارسونه على الآخرين، على الموقوف أن يشتري الحماية”. ويشرح: “يتمّ شراء الحماية عبر تقديم المال للشاويش أو تأمين الطعام له”. لكنّ هذا النظام لا يسير على الجميع سواسية، إذ يلفت سعيد إلى أنّ “هناك أشخاص محظوظين، هؤلاء يحصلون على توصية من العناصر الأمنية، فلا يقترب منهم الشاويش”. لذا، من لم يحظَ بتوصية عليه أن يحاول التعامل مع الظروف لينجو. ويوضح: “يعني أن يتحمّل الموقوف الإساءة التي يتعرّض لها وإلّا إذا ردّ وتضارب معهم فسيضع نفسه في موقف أسوأ، ويواجه دعوى أخرى ضدّه وملفاً جديداً ووقتاً أطول في السجن”.

وضع صحّي سيئ ووفاة موقوف داخل الزنزانة

خلال وجوده في الزنزانة، لاحظ سعيد بداية تورّم في قدميه سرعان ما ازداد ممّا جعله يخشى أن يكون مصاباً بمرض في الشرايين. نقل إلى مستشفى الحياة حيث أجريت له فحوصات طبية وصورة أشعة للقلب. يشرح سعيد أنّ “الفحوصات كانت نظيفة وكذلك صورة الأشعة، وتبيّن أنّ سبب التورم هو قلّة شرب الماء، ففي الواقع كانوا يعطونا الماء في أوقات متقطّعة لذلك لم نكن نحصل على حاجتنا من مياه الشرب”. أما وجبات الطعام فكانت اثنتان فقط يومياً، وتتألّف من كمّيات قليلة من الخبز، ووجبات طعام متشابهة يومياً، كالمربيّات والبطاطا المسلوقة. ويُشير إلى أنّه “أحياناً نطلب نحن الموقوفون المناقيش من الفرن، ونأكلها بسرعة لنفتح المجال لغيرنا ليتمكّنوا من الجلوس والأكل”. 

يتحدث عبدالله بحزن على فراق أحد السجناء الذي تعرّض لأزمة قلبيّة داخل الزنزانة أدّت إلى وفاته. ويروي: “فجأة بدأ يتنفس بصعوبة وسرعان ما توقّف قلبه. بعد 20 دقيقة وصل الصليب الأحمر لنقله إلى المستشفى لمحاولة إنعاشه لكننا كنّا متأكّدين أنه توفي”. يتابع: “وفاته شكّلت صدمة كبيرة وأثّرت علينا، في الحقيقة كان شاباً خلوقاً ومحترماً، أعتقد أنّه مكث في تلك الزنزانة لنحو 30 يوماً”. 

وحول تحوّل زنازين التوقيف المؤقتة إلى سجون، يلفت المحامي جاد طعمة إلى أنّ “الإبقاء على الموقوفين داخل الزنزانات هو أمر غير قانوني، فالقانون يسمح بإبقائهم لـ 24 ساعة فقط يمكن تجديدها لمرّة واحدة”. ولكن في الواقع فإن ذلك لا يطبق، إذ يؤكّد أنّ “الزنازين في لبنان مكتظّة بالموقوفين، جزء منهم يتم احتجازهم في زنازين على سبيل الأمانة بسبب عدم وجود مكان لهم. هذا إضافة إلى تجاوز أمد التوقيف الاحتياطي المسموح به قانوناً والإبقاء على السجناء لأشهر طويلة من دون محاكمات”. ويلفت طعمة إلى أنّ “القانون لا يطبّق بشكلٍ متساوٍ على الجميع، أحياناً يتعرّض شخص للتوقيف في قضية ما لأيام فيما نرى أنّ قضية مشابهة تتّصل بالجرائم نفسها فلا يجري توقيف الأشخاص فيها”. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، حريات ، حرية التعبير ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم