كيف تطورت قوانين مكافحة استغلال البشر في فرنسا؟ من “مكافحة شروط العمل المخالفة لكرامة الإنسان” إلى “مكافحة الاسترقاق”


2013-09-02    |   

كيف تطورت قوانين مكافحة استغلال البشر في فرنسا؟ من “مكافحة شروط العمل المخالفة لكرامة الإنسان” إلى “مكافحة الاسترقاق”

الإطار متشابه: سمرة البشرة لامرأة تأتي من بلاد بعيدة وفقيرة لتستغل وتهان كرامتها في بلاد يُقال إنها تحترم كرامة الإنسان وحقوقه. تتبناها عائلات تتعهد بأن تهتم بها، تعلمها وتؤمن لها عيشا محترما، أو تعدها بتسوية وضعها الإداري عندما يصبح بقاؤها في البلد المضيف غير شرعي. وما أن تدخل المنزل المضيف حتى تكتشف أن زمن العبودية لم ينته وأن المساواة ليست إلا كلمة تتباهى فيها عدد من الدول، وعلى رأسها فرنسا، منذ أكثر من قرنين في مواثيقها دون أن يترافق ذلك دوما مع ضمانات قانونية واضحة.  هذا ما ذكرت به المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان مؤخرا بخصوص قضيتين أدانت من خلالها الدولة الفرنسية، الأمر الذي قاد المشرع الفرنسي الى تعديل قانون العقوبات في اتجاه ادخال نصوص تعرف ممارسات الاسترقاق وتعاقب عليها. وهذا ما سأحاول تبيانه في هذا المقال.
القضيتان اللتان قادتا فرنسا الى تعديل قوانينها
أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فرنسا فيقرار "سيليادين ضد فرنسا" الصادر بتاريخ 26 تموز 2005، لإخلالها "بموجباتها الإيجابية بوضع إطار تشريعي وإداري من شأنه ضمان مكافحة الاسترقاق والعمل الإكراهي بشكل فعلي".
وكانت المستدعية قد دخلت من توغو الى الأراضي الفرنسية بجواز سفر سياحي، لتعمل كخادمة عند عائلة سددت لها نفقات السفر وسحبت منها جواز سفرها وراحت تستغلها من دون مقابل. بعدئذ، تمت اعارة المستدعية لعائلة أخرى عمدت الى تشغيلها 7 أيام في الأسبوع دون راحة مع إذن بالخروج استثنائيا أيام الأحد للذهاب الى الكنيسة. وكان نهار العمل يبدأ بالنسبة اليها الساعة السابعة والنصف صباحاً وقت اعداد الفطور وتلبيس الأولاد، وأخذهم إلى المدرسة أو إلى أماكن اللعب، ثم تنظف المنزل وتغسل وتكوي الملابس حتى العاشرة والنصف مساءً. كما يتعين عليها تنظيف استوديو تملكه العائلة في المبنى نفسه. أما أين تنام؟ فعلى فراش موضوع على الأرض في غرفة الطفل الذي يتوجب عليها أن تهتم فيه في حال استفاق ليلا. ومن الثابت أنها كانت تعمل من دون مقابل فحاولت الهرب لكنها عادت، من باب اطاعة عمها الذي كان على اتصال مع العائلة تلك.
واللافت في القضية الأولى أن محكمة استئناف فرساي اعتبرت أن واقعة القيام بمهام منزلية وبالعناية بالأطفال طول النهار لا يشكل بحد ذاته شروط عمل منافية للكرامة الإنسانية، طالما أن أمهات كثرا يقمن بهذا العمل وأن لا اثبات على تعرض المستدعية للإهانة اليومية. كما اعتبرت أن عدم تخصيص مكان شخصي للمستدعية لا يشكل اسكانها بطريقة منافية للكرامة الإنسانية طالما أن أولادها يتقاسمون معها الغرفة نفسها. [1]
أما الوقائع المادية للقرار ثاني "سي، أن وفي" الصادر في 11 تشرين الأول 2012 بإدانة فرنسا، فمفادها أن مستدعيتين من البورندي قتلت عائلتهما في أحداث هنالك فأتت بهما العمة المسؤولة عنهما إلى فرنسا حيث كانت تعيش. وكانت الأختان تنامان في قبو المنزل في غرفة صغيرة غير مهيئة للنوم. وكان يترتب على الأختين القيام بجميع الأعمال المنزلية بالإضافة إلى الإهتمام بإبن العمة المُعَوق والإهتمام بحديقة المنزل. وصفت الأخت الكبرى وضعها  "بالخادمة التي تفعل كل شيء". غير أنهما كانتا تُمنعان من إستخدام الحمام الذي يحتوي على مغطس للإستحمام. حتى أنهما حرمتا من الأكل من طعام الأسرة أو على مائدتها بل كانتا تأكلان طعاما خاصا بهما أقل جودة.
سُجلت المستدعية الأصغر سنا في المدرسة بعد عام من العمل عملا بإلزامية التعليم في فرنسا إلا أنها كانت تمنع من المساعدة الدراسية وعليها الذهاب سيراً على الأقدام إلى المدرسة التي تبعد 45 دقيقة من المنزل.
وقد خلصت المحكمة الى أن المستدعيتين كانتا ضحية بلطجة شفهية وجسدية في المنزل وتُهددان دائماً بالرجوع إلى البورندي عقاباً.
 
وفي هذه القضية، لم تعاقب العائلة على أساس المواد المتصلة باستغلال ضعف الغير لفرض شروط عمل أو إقامة منافية للكرامة الإنسانية، على أساس أنحرارة الغرفة يوم التحقيق كانت تتعدى العشرين درجة ولا يستطيع الأهل أن يُلاحَقوا لعدم طلب من أولادهم تقاسم الغرفة والتنازل عن راحتهم غير أن إعطاء الأولاد أكثر من بنات الأخ شيء طبيعي[2].
أي وجهة للتطور التشريعي؟
لإدانة العمل الإكراهي، كانت المحاكم الفرنسية (وهذا ما حصل في القضية الحاضرة) تطبق المواد 13-225 14-225 و15-225 من القانون الجزائي الفرنسي تحت عنوان "شروط عمل واستضافة مخالفة لكرامة الإنسان". وفي 2003، تم تعديل هذه المواد تحت وطأة الانتقادات بوجوب وضع عقوبات أكثر قسوة في هذه المسائل، بحيث تم تشديد العقوبات التي نصت عليها من سنتي حبس إلى 5 سنوات ومن 5 إلى 7 سنوات بهدف معاقبة صارمة لمن يستغل الأشخاص الآخرين لفرض شروط منافية لكرامة وحقوق الإنسان. لكن المسألة بقيت معرضة للنقد بسبب عناصر التجريم المفروضة وصياغة النصوص.
 فنص المواد يفتقر إلى الوضوح مما يؤدي إلى تفسير ضيق، وخاصةّ في المادة 14-225 التي تفرض أن تكون الضحية قد خضعت لظروف عمل أو إستضافة مخالفة لكرامة الإنسان من جهة وأن تكون ظروف العمل فرضت بشكل تعسفي على شخص ضعيف أو بحالة تبعية من جهة أخرى. وينتج عن ذلك عن طريق الاستدلال المعاكس A contrarioبأن وجود شروط ماسة بكرامة الإنسان وحده لا يشكل عنصرا كافيا للإدانة.
وبالتدقيق في هذه النصوص وبتطبيقاتها القضائية، انتهت المحكمة الأوروبية في القضيتين أعلاه الى ادانة فرنسا على أساس المادة 4 من الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي توجب على الدول وضع تنظيمات تشريعية وإدارية من شأنها ضمان مكافحة فعالة للاسترقاق والعمل الإكراهي. وتبعا لذلك، أدخل المشرع الفرنسي بتاريخ 25 تموز 2013 جرما جديدا في قانون “الاسترقاق المعاصر" الذي تم تعريفه على أنه الوضعية المتمثلة في قيام شخص بممارسة صلاحيات ملازمة لحق الملكية على شخص آخر. ويشمل العمل القسري والعمل القسري المفروض على الشخص الضعيف والاسترقاق واستغلال شخص خاضع للاسترقاق. ويتراوح العقاب بالحبس بين 7 إلى 30 سنة وفق الحالات.
 



[1]قرار محكمة إستئناف فرساي صادر في 15 أيار 2003
[2]قرار محكمة إستئناف فرساي صادر في 29 حزيران 2009
انشر المقال

متوفر من خلال:

أوروبا ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *