كريم محي الدين سقط في خلاف على حصص غذائية في طرابلس


2021-04-16    |   

كريم محي الدين سقط في خلاف على حصص غذائية في طرابلس
استعجل الموت على كريم ابن الخامسة والثلاثين

لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع عن إشكال أثناء توزيع سلع مدعومة أو مساعدات، ولكن  كلّ الإشكالات كانت تنتهي “على خير” إلى أن حلّت الساعة السادسة و35 دقيقة من مساء أمس الثلاثاء حين سقط الشاب كريم محي الدين قتيلاً أثناء إشكال مماثل في منطقة باب الرمل في طرابلس. فقد أصيب كريم بطلق ناري أمام مركز جمعية “المسلمون حول العالم” MATW Project المولجة توزيع مساعدات غذائية من محسنين لبنانيين مقيمين في أستراليا ويديرها شقيقه أحمد ويعمل فيها هو كمتطوّع.

استعجل الموت على كريم ابن الخامسة والثلاثين، وحرم عائلته فرحة “الجمعة العائلية” في أولى ليالي رمضان، فيما بقي ذكرى لدى كلّ من عرفوه من رفاق وجيران.

إشكال على توزيع مساعدات

تحدّث شهود لـ”المفكرة” عن خلاف وقع بين القائمين على الجمعية وبين أشخاص حاولوا أخذ مساعدات وحصص غذائية عنوة انتهى بوقوع إطلاق نار أدّى إلى مقتل كريم، وإصابة شخص من المجموعة التي جاءت للحصول على الحصص. وقد تحرّكت شعبة المعلومات وأوقفت مجموعة من المشتبه بهم ويجري التحقيق معهم بإشراف القضاء المختص. ومساءً وعقب انتهاء الإشكال، تعرّض مستودع الجمعية في منطقة الخنّاق للنّهب.

يروي أبو علي الشامي أحد المتطوّعين في الجمعية أنّه قبل الإفطار بقليل أثناء استعداد فرق الجمعية لتوزيع الحصص الغذائية وبعد ملء آليّات النقل بالصناديق، وقع إشكال أمام المركز بعد قدوم أشخاص لأخذ حصص ليست لهم بعد أن “جاؤوا سابقاً وحصلوا على حصصهم”، بحسب الشامي. ويضيف أنّه لم يرَ من أطلق النار، فقد كان يستعدّ للانطلاق بإحدى شاحنات التوزيع، وأنّ إطلاق الرصاص وقع خلفه. حينها عاد أدراجه ليجد كريم مصاباً في صدره. ويرفض أبو علي ما انتشر من أخبار عن أنّ الخلاف هو مع جارهم صاحب مغسل النور على خلفية توزيع الحصص وبأنّ الأخير موقوف رهن التحقيق، مؤكّداً أنّ “صاحب المغسل هو أحد المتطوّعين في الجمعية الذي يساعد في عمل الخير”. ويتحدّث الجيران عن “شراكة وروابط بين أصحاب الجمعية، وصاحب المغسل”. ورفض من تحدّثنا إليهم معرفتهم بأيّة تفاصيل “لأنّ المحلات التجارية في تلك المنطقة تقفل أبوابها قبل السادسة، والإشكال وقع في وقت الإفطار”. ويتأسّف أحد أصحاب المحلات على سقوط ضحية “لا ناقة له ولا جمل، الشباب البريئة أصبح حقها رصاصة”، فيما يحاول الشامي تقديم عذر لما حصل من إشكال ومطالبة بوجبات إضافية وهو أنّ “البلد كلّه وقع، والناس جاعت”. 

مركز جمعية “المسلمون حول العالم” MATW Project

الوالد الشاهد 

يروي الوالد محمود بعض ما حصل أمامه، فهو كان يتواجد على بعد مترين من ابنه أثناء توزيع الحصص الغذائية على المحتاجين. كانت تتمّ وفق ما هو معدّ لها، إلى أن “جاءت مجموعة من سبعة أشخاص -محَبْحبين- من ناحية شارع طقطق بالقرب من محطة البلطجي للحصول بالقوّة على حصص غذائية ليست من حقهم”. 

تصاعدت حدّة الخلاف، وحصل إطلاق رصاص من كلاشينكوف ومسدس. يقول الوالد محمود “سقط إلى جانبي شخص مضرّج بالدماء، لم أعلم أنه ابني، إلى أن جاء شقيقه وحمله. وتوجّهنا إلى المستشفى. كانت الإصابة بالغة وقاتلة في الرئتين والقلب. نزف كثيراً، وتم تزويده بأكياس دم، إلّا أنّ جسمه لم يصمد لأكثر من ساعة، فأسلم الروح في المستشفى”. 

يشير الوالد إلى أنّ الطبيب الشرعي كشف عليه، وتمّ تزويد السلطات القضائية بالملف. وتنتظر العائلة الاطّلاع على مضمونه لتحديد مصدر الرصاصة القاتلة التي أودت بحياة كريم. ويؤكّد أنّ هناك ثلاثة موقوفين، بانتظار جلاء الحقيقة من أجل الاقتصاص ممّن “حرقوا قلبي” على حد تعبير الوالد. 

في منطقة الإشكال بدا الوجوم واضحاً على وجوه أصحاب المحلّات المجاورة والجيران، وبقيت بعض المؤشرات على فداحة الإشكال واتساع نطاقه، فعند مدخل المنطقة، تستقبلك شاحنة صغيرة تحمل اسم الجمعية زجاجها الأمامي محطّم ومع التقدّم نحو مركز التوزيع، تجد الباب الرئيسي مخلوعاً يحاول بعض العمال صيانته من أجل إعادة إغلاقه. فيما خلت الساحة من أي صندوق، أو حصة غذائية. 

وظهر اليوم الأربعاء، شيّعت العائلة جثمان الفقيد بعد تسجيته والصلاة عليه في مسجد طينال. حضر عدد كبير من الأهل والأصدقاء الدفن والعزاء، حيث كان الحديث عن “الشاب المندفع، وفاعل الخير”. ويؤكّد رامي أحد رفاق الطفولة بأنّه “كان يسعى لمساعدة كلّ من يعرفه، وكذلك جيرانه القدامى، من خلال بونات حصص غذائية ومساعدات عينية لهم”.

آخر العنقود 

غصّة كبيرة تعتري الوالد، وهو يتحدّث بوجدانية وتأثر كبيرين عن ابنه “المرضي”. يطلب من كل من يعرفه “السماح والدعاء بالرحمة لابنه” الذي تطوّع ليرفع المعاناة عن الناس في هذا الشهر الفضيل لأن “هناك بيوتاً فارغة من الطعام، ولا تدخلها ربطة خبز”. 

يصف الوالد ابنه كريم بأنه “آخر العنقود”، فهو وشقيقه التوأم أمين المقيم في أستراليا الابنان الأصغر للعائلة المؤلفة من أب وأم وخمسة أبناء وثلاث بنات. 

لم يحصل كريم على تحصيل علمي عالي بل خرج مثل كثيرين من أبناء طرابلس سريعاً إلى سوق العمل بعد أن أتمّ الصف السادس، وفتح محلّاً لتصليح دواليب السيارات. 

يتأسّف الوالد من قيام البعض بالاعتداء على أناس يوزّعون المساعدات للمحتاجين، ويوضح أنّ هذه المساعدات تُوزّع بالوكالة عن جمعية عالمية تقدّم مساعدات في كافة أنحاء العالم، وتبني المدارس، وتساهم في التنمية حتى ضمن أفريقيا. ويلفت إلى أن القيّم على هذا العمل الخيري هو محمد سلطان الذي تربطه صلة قرابة بابنه أمين المقيم أستراليا، ويتم إرسال المساعدات إلى لبنان من أجل توزيعها من خلال الوكيل أحمد محي الدين شقيق كريم.  

دفع كريم حياته ثمناً لحالة الفقر والعوز التي وصل إليها المواطن اللبناني. وفي ظلّ غياب المظلّة الاجتماعية، سيستمرّ نهج “صناديق المساعدات الغذائية” المتّبع في المجتمع اللبناني منذ الحرب الأهلية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الحياة ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان



لتعليقاتكم