قضاء تونس في زمن الياسمين


2021-01-07    |   

قضاء تونس في زمن الياسمين
رسم عثمان سلمي

تهدي الفكرة القانونية عملها هذا للراحل محسن المغيري رئيس جمعية إنصاف قدماء العسكريين الذي توفي بتاريخ 12-11-2020 اعترافا منها بفضله في إعداده وإكراما لذكرى صديق لها ذاق ظلم القضاء ورغم ذلك ظل حتى آخر أيامه يحلم بعدالته التي أبطأت كثيرا فيما تعلق به وزملائه.

***

خلال السنوات الأولى لفترة ما بعد الثّورة، ساد خطاب صاخب حول القضاء التونسي وضرورة وضع قوانين لضمان استقلاليته وفق المعايير الدولية لاستقلالية القضاء. كانت “المفكرة” حينها من بين قلة من المجتمع المدني التي انخرطت في جهد الدفاع عن استقلالية القضاء التونسي وفي تطوير النقاش العام حول متطلباته. فتولّت بداية إنجاز دراسة ميدانية بعنوان “القضاء العربي في زمن الديكتاتورية”، قارنت ضمنها وضع القضاة التونسيين بزملائهم المصريين. كما واكبته من خلال متابعة حثيثة لكل النقاشات الدائرة حول التنظيم أو الأداء القضائي في السنوات تلك لتنشر مجمل هذه المتابعات في كتاب ثانٍ تحت عنوان: “القضاء التونسي خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي: نحت الجسد الحي”.

في خضم معركة ثقافة الاستقلالية ووضع أسس ضماناتها، استحالت “المفكرة” إلى منصّة ترصد نقاشات التأسيس وتدفع لتطوير التفكير في المواقف التي تطرح بمناسبتها، وكانت بعد ذلك وفي محطة ثانية أعقبت المصادقة على الدستور صوتا للمنادين بتعجيل سنّ قانون أساسي للمجلس الأعلى للقضاء كما كانت جبهة تحليل لمشروعه غايتها المطالبة بتناغم نصه مع المعايير الدولية. حينها ومن بعده كما من قبله، لم تكتفِ “المفكرة” بمواكبة التطوّرات القضائية على صعيد التنظيم القضائي، بل عملت أيضا على متابعة تصورات القضاة عن أدوارهم الاجتماعية وتاليا عن “الوظيفة القضائية” بما ترتبه عليهم من حماية للحقوق والحريات في سياق جهد التزمت به غايته تحفيز القضاء لأداء الدور المنتظر منه في صناعة وحماية قيم المجتمع الديمقراطي.

ورغم بعض التردّد في تحقيقه كان المنجز خلال العقد الماضي هاما. فقد غيًر إلى درجة كبيرة في القضاء هيكليا ووظيفيا. وقد تعززت بفضله الثقة العامة به. وكان ينتظر أن تتبعه حماسة أكبر في تنزيل بقية استحقاقاته وهو ما لم يتحقق. فقد عطّلت صراعات الساسة والحكم ومعها الصراعات القطاعية فتح ورش إصلاح القضاء.

وفيما تم إقرار قانون لمحكمة المحاسبات بضغط واضح من الجهات المانحة، فإن استحقاقات كثيرة ما تزال محلّ انتظار. أبرز هذه الاستحقاقات إرساء المحكمة الدستورية والقانون الأساسي للقضاة كما قانون تفقدية الشؤون القضائية والذي يواجه بدوره مقاومة سلبية من محاكم لم يعتد قضاتها الخضوع للرقابة وإصلاح النيابة العامة مع ما يعنيه ذلك من بناء سياسة جزائية عامة للدولة كما يفرض ذلك الدستور وهو السؤال الملحّ الذي يتجاهله السياسي ولا يهتم له المشتغلون بالعدالة.

كان الملاحظ في كل هذا، أن الاهتمام العام بإصلاح القضاء تراجع بشكل كبير في ظل الانشغال بالاستحقاقات الاجتماعية وبأزمة الحكم. وبدا من المهم وتونس تحتفل بذكرى ثورتها العاشرة أن نحاول إعادة طرح السؤال عن هذا الاستحقاق الهام الذي يشكل مدماكا لبناء الجمهورية الثانية. لذا تعود “المفكّرة” اليوم لتتحرّى عن مدى نجاح الثورة وما أعقبها من تطورات دستورية وقانونية ومؤسساتية واجتماعية في تعزيز مكانة القضاء اجتماعيا. وفي جعبتها لهذه الغاية، أسئلة كثيرة أبرزها: هل نجح تكريس المعايير الدولية في تحقيق المأمول من استقلال القضاء؟ وهو أمر يقودنا عمليا إلى تقييم أداء المجلس الأعلى للقضاء بعد أربع سنوات من تركيزه. من دون أن ننسى الحديث عن التحولات الديمغرافية داخل القضاء الحاصلة خلال العقد الماضي، تبعا لولوج ما يصح تسميته جيل قضاة ما بعد الثورة إليه (وهم قضاة اعتادوا على حرية الكلام ولم يختبروا التدخلات الهرمية من داخل القضاء أو خارجه)، فضلا عن كون غالبيتهم من النساء، مع ما يستتبع ذلك من تعديل هام في التوزيع الجندري للقضاة.

صادف أن أتَتْ أسئلتنا هذه في ظلّ أزمتيْن يعبر القضاء فيهما: الأولى، أزمة أخلاقية على رأس الهرم القضائي تمثلت في شبهات الفساد التي بدأت بملاحقة عدد من القضاة وباتت اليوم تطال أكبر القضاة وهو الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، والثانية، إضراب القضاة بدعوة من هياكله لأكثر من شهر، ومعه إضراب كتبة المحكمة لذات المدة استجابة لدعوة نقاباتهم المهنية، وما أعقب هذين الإضرابين من خلاف داخل القضاء وحوله. كما أتت بالتزامن مع جلسات حوارية انعقدت بين نواب الشعب والهيئات القضائية وأدت إلى فتح ملفات شائكة سواء على صعيد المحاسبة القضائية أو بطء الأداء القضائي والهرمية ذات الطابع السلطوي. وكلها أحداث تلقي أضواء هامة على التفاعلات حول القضاء في الديمقراطية الفتية في تونس.

كما صادف أن تزامن تحرير مادة العدد مع فتح القضاء لملفات هامة وتوجيهه الأبحاث فيها لشخصيات نافذة، بما أشر إلى قرب قطف ثمار اصلاح القضاء واستوجب التنبه لخطر أن يكون القضاء -وقد بدأ النهوض- ضحية لاختراق ناعم قد يؤول لضرب استقلاليته وتحويله لساحة تصفيات سياسية.

بقي أن نأمل أن يسهم هذا العدد في تقييم المنجز القضائي بغاية تجديد الروح الإصلاحية والتنبيه لكون بناء القضاء السلطة معركة لم تنتهِ بعد وهي معركة لا تخص المشتغلين بالعدالة وحدهم.

 

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم دستورية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *