قراءة للعقد الموحّد لعاملات المنازل في لبنان: الأفكار الإيجابية والوجه الآخر للميدالية


2020-09-24    |   

قراءة للعقد الموحّد لعاملات المنازل في لبنان: الأفكار الإيجابية والوجه الآخر للميدالية
رسم رائد شرف

بتاريخ 8 أيلول 2020، أقرّت وزيرة العمل في الحكومة المستقيلة لميا يمّين عقد عمل موحّداً جديداً للعمّال المهاجرين في العمالة المنزلية. يأتي إقرار هذا العقد ضمن الصلاحيات المحفوظة لوزير العمل الذي يتولّى تحديد الشروط اللازمة لحصول الأجانب الرّاغبين في العمل في لبنان على رخصة عمل. وهو يكتسي أهميّة بالنظر إلى استثناء العمل المنزلي من حماية قانون العمل، مما يعمّق من اللاتوازن الحاصل بشأنه بين أطرافه ويزيد من هشاشة العاملات ويعيق إمكانية وصولهنّ للعدالة. ويأتي إقرار هذا العقد بعد خطوات قام بها وزيرا عمل سابقان هما شربل نحّاس وكميل أبو سليمان لتعديل عقد العمل الموحّد السابق والذي يجمع المراقبون الحقوقيون على قصوره.

وإذ بالغت الوزيرة يمين في تغريدتها الصادرة في يوم إقرار العقد بشأن مفعوله، مدليةً بأنّه يؤدّي إلى إلغاء نظام الكفالة، عادت لتخفّض التوقّعات منه، معتبرة إيّاه خطوة هامّة في هذا الاتجاه. والواقع أنّه رغم تضمين العقد المذكور مبادئ وأفكاراً إيجابيّة هامّة يُبنى عليها،  فإنّه يستدعي خطوات تكميلية عدّة لضمان الحماية اللازمة لعاملات المنازل.

وللإحاطة بهذا العقد، سنعمد إلى مناقشة أبرز بنوده وما يترتّب عليها، ضمن قسمين نخصّص الأوّل للأفكار الإيجابية الواردة فيه على أن نخصّص الثاني للوجه الآخر للميدالية أي للثغرات التي تشوبه فضلاً عن محدوديّته في تحقيق التغيير المأمول إن لم يقترن بخطوات أخرى يزداد الطابع المُلحّ لإقرارها على ضوء العقد.

 

1- الأفكار الإيجابية في العقد

تضمّن العقد أفكاراً إيجابية سنعمد أدناه إلى مناقشتها في سياق عرضها:

 

تكريس استفادة العاملة من الحد الأدنى للأجور:

قد يكون هذا الأمر من أهم الأفكار الإيجابية التي تضمّنها العقد، وبخاصة لجهة مساواة العاملات بسائر الأجراء في لبنان. فقد جاء في مادته الثالثة أنّ صاحب العمل يسدّد للعاملة في نهاية كل شهر عمل أجرها الشهري المتفّق عليه على ألّا يقلّ عن الحدّ الأدنى للأجور، محسوماً منه نسبة التقديمات العينية التي يقوم بها صاحب العمل (بدل المأكل والملبس والسكن) والتي تحددها وزارة العمل. وإذ حدّدت وزارة العمل بتعميم أصدرته بتاريخ 11 أيلول 2020 نسبة التقديمات بـ30% من الأجر كحد أقصى، فإنّ ذلك يعني أنّ الحدّ الأدنى المسموح به يصبح بعد تطبيق الحسومات المسموح بها 472500 ليرة لبنانية. وقد لفت اتّحاد كتّاب العدل بعد صدور العقد إلى صعوبة تطبيق هذا البند في ظلّ التفاوت بين أسعار الصرف في لبنان. فهل يحسب هذا الحدّ الأدنى على أساس سعر صرف 1500 ليرة لبنانية. كما هي الحال بالنسبة إلى الدوائر الرسمية، فيبلغ أكثر من 300 دولار أميركي؟ أم يحسب على أساس سعر الصرّافين والمصارف الذي يقارب 3900 ليرة أم وفق سعر السوق (التي تسمّى السوداء) الذي يتجاوز 7000 ليرة؟ القرار هنا ليس سهلاً: ففيما يؤدّي اعتماد السعر الأخير إلى اعتبار الحدّ الأدنى المقبول قرابة 50 دولاراً وهو يقلّ عموماً عن مجمل البدلات المعتمدة ويجرّده تالياً من أيّ ضمانة حقيقية للعاملة، فإنّ اعتماد سعر 1500 ليرة قد يؤدّي إلى رفع بدلات عدد كبير من العاملات بشكل ملموس في وقت تزداد فيه صعوبات أصحاب العمل في تأمين الموارد المالية، وبخاصة بالعملة الصعبة. ويُخشى أن يؤدّي هذا التفاوت في أسعار الصّرف وصعوبة الحسم فيما بينها إلى إبقاء الأمور على ما هي من خلال وضع البدل الذي يتّفق عليه الفريقان بعدما بات تحديد الحد الأدنى أمراً مستعصياً.

وبذلك، ورغم الأهمّية الرّمزية الفائقة لاعتماد الحدّ الأدنى الوطني للأجور لجهة التأكيد على مساواة عاملات المنازل بسائر العمّال وتمتّعهن بالمعايير المعتمدة لضمان الحياة الكريمة، فإنّ أهميته العملية تبقى في ظلّ انهيار قيمة العملة الوطنية والظروف الاقتصادية والمالية الراهنة.

 

تحميل صاحب العمل مسؤولية تجديد الإقامة

هذا الأمر نقرأه في المادة 8 حيث يلتزم صاحب العمل بالاستحصال على كافّة الوثائق القانونية المطلوبة وأهمّها إتمام إجازتي الإقامة والعمل وتجديدهما عند الحاجة، بما يتوافق مع الواقع حيث قلّما تكون العاملة قادرة على إنجاز أيّ من المعاملات اللازمة لتجديد إقامتها فضلاً عن احتياجها لموافقات عدّة من صاحب العمل لإتمام ذلك. ويبدو هذا الأمر متعارضاً مع الأحكام القانونية التي تعاقب أيّ أجنبي يتخلّف عن طلب تجديد إقامته في لبنان من دون عذر مقبول.[1] وفيما سعت بعض المحاكم إلى التخفيف من حدّة هذه المادة من خلال شمل صاحب العمل في الملاحقة بعد عدّه متدخّلاً فيها، فإنّ تحميل صاحب العمل يتمّ بالشراكة مع العاملة التي تبقى هي بنظر القانون المرتكبة الأصيلة. وفيما يؤدي تعديل العقد على هذا الوجه إلى بلورة “عذر مقبول” يزيد من حظوظ العاملة في التبرّؤ من المسؤولية الجزائية، فإنّه لا يكون كافياً لتجريم تعمّد صاحب العمل عدم القيام بالإجراءات القانونية لتجديد الإقامة أو عقد العمل ما لم يترافق مع تعديل قانون الأجانب في هذا الخصوص.

 

“الفرار “لم يعد الحلّ الوحيد لإنهاء العقد

حتى صدور العقد، تمثّل الخيار الوحيد المطروح للعاملة غير الراغبة في مواصلة العمل لدى صاحب العمل (الكفيل) بترك المنزل خلافاً لإرادة صاحب العمل ومن دون إعلامه مسبقاً، بما اصطلح على تسميته بـ”الفرار”، وهو تعبير صادق عن حقيقة وضعها ويعيد إلى الأذهان الممارسات السائدة في زمن السماح بالعبودية لجبه فرار ضحاياها. وعليه وبفعل لجوئها إلى هذا الخيار، تفقد العاملة إقامتها النظامية في لبنان وتعيش في الخفاء بل غالباً ما يصدر بحقها مذكرة بحث وتحرّ أو مذكرة توقيف تبعاً لممارسة انتهجها أصحاب العمل بشكل واسع في تقديم شكاوى فرار وسرقة ضدّها، غالباً ما تكون شكاوى تعسّفية.

فصاحب العمل يحدّد عموماً تصرّفاته انطلاقاً من كونه قد سدّد مبالغ طائلة لاستقدام العاملة، ممّا يبرّر بالنسبة إليه تقييد حقّها في الاحتفاظ بأوراقها الشخصية فضلاً عن تقييد حرّيتها في الخروج مع إنكار حقها في فسخ العقد، حفاظاً على “استثماره”. من هذه الزاوية، تصبح العاملة رهينة لدى صاحب العمل أقلّه إلى حين استهلاك “استثماره”، أي انتهاء فترة السنتين التي استقدم العاملة للعمل لديه خلالها.

وقد سعى العقد في هذا المجال إلى تحرير العاملة من محدودية الخيارات هذه (وهي ليست خيارات) من خلال تمكينها من فسخ العقد بإرادتها الحرة والمنفردة على أن يتمّ إعلام صاحب العمل بالإنهاء قبل شهر من تاريخه. وتحسّباً للممانعة التي قد يلقاها هذا البند من صاحب العمل، وضع العقد أنّه يجوز له في هذه الحالة استرداد جزء من تكلفة الاستقدام، ليس من العاملة إنّما من صاحب العمل الجديد (في حال كانت العاملة راغبة في العمل لدى صاحب عمل آخر) أو وكالة الاستقدام (في حال كانت راغبة بالعودة إلى بلدها).

في الحالة الأولى، يهدف الاسترداد عملياً إلى تقسيم كلفة الاستقدام بين صاحبي العمل الجديد والقديم، وفق مدى استفادتهما من خدمات العاملة خلال الفترة التي استقدمت للعمل خلالها (سنتان عموماً) ويحول دون تحقيق الأوّل إثراء على حساب الثاني. وهذا ما تؤكّده طريقة احتساب المبلغ وفق الصيغة التالية: “تقسّم الكلفة الإجمالية للاستقدام على عدد أشهر العقد ويتحمّل صاحب العمل الجديد تكلفة الشهر غير المستخدمة من العقد”.

وفي الحالة الثانية، تتولّى وكالة الاستقدام تسديد جزء من عملية الاستقدام وفقاً للقرارات الصادرة عن وزارة العمل بخصوص تنظيم عمل مكاتب الاستقدام، بما يعني عملياً تقسيم عبء تحمّل المخاطر النّاجمة عن عدم رغبة العاملة في البقاء في لبنان بين وكالة الاستقدام وصاحب العمل، مما ينتظر أن يستتبع ممانعة من جانب تلك المكاتب. لا يحدّد العقد المبلغ الذي سيعود لصاحب العمل في هذه الحالة، إنّما يحيل إلى القرارات الصّادرة أو قد تصدرها وزارة العمل في سياق تنظيم هذه المكاتب.

والسؤال الذي يطرح إذ ذاك: هل يبقى حق العاملة في فسخ العقد وقفاً على استرداد صاحب العمل فعلياً المبالغ المذكورة أم أنّ بإمكانها ممارسته بمعزل عن ذلك؟ وما يزيد هذا السؤال إلحاحاً هو أنّ استرداد التعويض ورد في سياق الفقرة التي أقرّت حق العاملة في فسخ العقد.

سؤال آخر لا يقلّ أهمّية يثيره إقرار هذا الحق بموجب العقد الموحّد: هل ومتى ستوائم المديرية العامة للأمن العام قراراتها وممارساتها مع أحكامه، وبخاصة تلك المرتبطة بنظام الكفالة الذي ابتدعت العمل فيه، لجهة وجوب الحصول مسبقاً على تنازل صاحب العمل (الكفيل) كشرط للموافقة على تمديد إقامة العاملة في لبنان بموجب عقد عمل مع كفيل آخر؟

في كل هذه المسائل، يترك العقد الباب واسعاً للتأويل في اتجاه أو آخر مما يوجب على وزارة العمل استكمال خطواتها في هذا السياق. ولا يرد على ذلك أنّ القراءة الحقوقية تفرض قراءته على النحو الذي يضمن أوسع حرية للعاملة، طالما أنّ هذه القراءة غالباً ما اصطدمت في العقود الماضية بممارسات راسخة لدى الأمن العام والنيابات العامّة قوامها تغليب تفسيرها المُقيّد لحرية العاملة والمُقلّص لحقوقها على أيّ تفسير آخر.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أنّه كان يفترض بالعقد أن يظهر بوضوح حريّة العاملة في تغيير صاحب العمل الذي استقدمها بعد إكمالها سنتين من العمل لديه، أي بعد استهلاك كلفة الاستقدام التي تكبّدها وسقوط حقه المضمون في العقد في الاستحصال على جزء منه (تعويض) من صاحب العمل الجديد. ولكن حتى في هذه الحالة، يبقى السؤال حول أثر هذا البند على ممارسة الأمن العام في اشتراط موافقة الكفيل في انتقال العاملة للعمل لدى صاحب عمل جديد قائماً.

 

ضمان الحق في غرفة خاصة وفي الخصوصية

تحسين آخر تضمّنه العقد وهو يقوم على وجوب تأمين غرفة خاصة منفصلة جيّدة التهوئة والإضاءة ومستوفية الشروط ومجهّزة بقفل، تحوز العاملة مفتاحها وحدها وتراعى فيها خصوصية العاملة (المادة 5). هذا الالتزام كما وضع هام جداً طالما أنّ من شأن الالتزام به أن يضمن للعاملة حماية لخصوصيتها بالحدّ الأدنى، بمعنى أن يكون لها مساحتها الصغيرة ضمن البيت الذي تعيش فيه. وكانت “المفكرة القانونية” وثقت حالات عدّة انتهك فيها أصحاب العمل الأماكن المخصّصة للعاملات، مستبيحين لأنفسهم حقّ تفتيش أغراضها الشخصية وصولاً إلى الادّعاء عليهنّ بالسرقة على خلفية ما ادّعوا اكتشافه من دون أيّ دليل آخر، ومن دون أن يلقى هذا الانتهاك أيّ تحفّظ من بعض النيابات العامّة التي ادّعت بدورها مستندة إلى نتائج هذا الانتهاك أو حتى من بعض قضاة الحكم.

ويفتح هذا التعديل الباب في حال حسن تطبيقه أمام اشتراط توفّر هذه الغرفة لمنح الترخيص باستقدام العاملة، مما سيؤدي إلى تقليص استقدام العاملات إلى لبنان وحصرها في العائلات الأكثر اقتداراً.

في المقابل، وإزاء الاعتراف بحق العاملة في الخصوصية، فإنّ وزارة العمل رفضت فتح المجال أمام تخيير العاملة بين الإقامة في مكان عملها أو اختيار مسكن مستقل لها. وفيما يبقى تأويل العقد ممكناً وبخاصّة على ضوء مبادئ الحرية والحق في الخصوصية، فإنّه يُخشى مجدداً هنا أن تفرض السلطات الإدارية والأمنية قراءتها الأكثر تقييداً لهذه الحرية. ويجد التمسّك بسكن العاملة ضمن منزل صاحب عملها مبرّره في تحميل أصحاب العمل ضمناً مهمّة مراقبة العاملات لديهم وتحسّباً لانخراط هؤلاء، أقلّه المقيمات بشكل نظامي منهنّ، في العمل الحرّ. وهذا ما يتماشى مع طبيعة الكفالة التي تكاد تكون كفالة أمنية ترتّب على صاحب العمل إعلام الأمن العام في حال “فرار” العاملة وتزويدها بأيّ معلومات عنها من دون أن تكفل في الواقع أيّ أمر آخر.

ويأتي ضمان الخصوصية مع أحكام أخرى من شأنها احترام خصوصيّة العاملة. وقبل المضيّ في عرض هذه الحقوق، تجدر الإشارة إلى أنّ غالبها تمّ تكريسه سابقاً من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف في قرارين بالغي الأهمية صدرا في 2014 و2016، بعدما اعتبر الإخلال بها انتهاكاً للحقوق الدستورية والواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فضلاً عن كونها بمثابة تمييز عنصري ضد العاملة. ومن أهم هذه الحقوق، الآتية:

  • الحق في احتفاظ العاملة بأوراقها الثبوتية بما في ذلك جواز السفر والهوية وإجازة العمل وجواز الإقامة وبطاقة التأمين (المادة 8). وإلى جانب تكريس هذا الحق، رتّب العقد نتائج على عدم الالتزام به بحيث أنّه عدّ حجز هذه الأوراق من قبل صاحب العمل سبباً يخوّل العاملة فسخ العقد من دون إعلام مسبق.
  • منع حجز العاملة (المادة 9): حقّ بديهي آخر حيث أنه ليس لأحد أن يحجز حرية شخص آخر خارج الأطر الضّيقة التي يحدّدها القانون. وينتج هذا الحقّ ليس فقط من الحرية الشخصية المكرّسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (وكلاهما مشمولان بمقدمة الدستور ويشكلان تالياً جزءاً منه)، ولكن أيضاً عن المادة 8 من الدستور التي تمنع احتجاز حرّية أيّ كان إلّا وفق أحكام القانون، هذا فضلاً عن أنّ احتجاز الحرية يشكل جرماً جزائياً سنداً للمادة 569 من قانون العقوبات.

إلّا أنّه ورغم بداهة هذا الحقّ، فإنّه من المهم التذكير به بموجب العقد بالنظر إلى كثرة انتهاكه حيث أثبتت دراسة انطلاقاً من استجواب عيّنة أصحاب عمل أنّ نسبة 23% منهم لا يجدون حرجاً في إقفال المنزل بعد احتجاز العاملة فيه وفق استمارة ملأتها عيّنة منهم بأنفسهم. إلّا أنّه كان من الأفضل التذكير بهذا الحق كحق يتوجّب احترامه نزولاً عند مقتضيات النظام العامّ كأن يذكر في مقدمة العقد، وليس كحق يتم التوافق عليه بين طرفين.

  • إقرار حرية العاملة في التنقل والتواصل مع الآخرين وحق مغادرة المنزل والتصرّف بحرية خلال فترات الراحة الأسبوعية وأيام الإجازة السنوية والعطل المذكورة. رغم أنّ هذا الحق لا يقلّ بداهة عن السابق وهو نتيجة طبيعية لمنع حجز العاملة واحترام حرّيتها الشخصية، فإنّه أتى نسبياً وغير مطلق بدليل ربطه بالعطل الأسبوعية والسنوية وذلك في مادتين منه (المادتان 9 و10) من دون أي إشارة لأوقات الراحة اليومية، أي الأوقات التي تكون لها بعد انتهاء دوام العمل اليومي. ومن شأن هذا الأمر أن يعكس تقاعساً في حماية حقوق العاملة أو التأكيد عليها أو أن يفتح الباب لاستمرار انتهاك حقها في هذا الخصوص. ولا يقلل هذا الأمر من أهمية إعلان الحق حيث أنّ الدراسة المذكورة أعلاه بيّنت أن نسبة 25% منهم لا يسمحون بخروج العاملة بمفردها في يوم راحتها الأسبوعية. كما أنّه من الملفت أنّ العقد ذهب في معرض التأكيد على هذه الحرية إلى تبرئة صاحب العمل من أيّ ضرر قد ينتج أو يتسبب به الفريق الثاني خلال هذه الفترة.
  • الحق في اقتناء هاتف خليوي: حقّ آخر من حقوق الخصوصية تمّ تضمينه في العقد. وهو حقّ آخر غالباً ما يتمّ انتهاكه، بحجّة أنّها موجودة في لبنان لخدمة صاحب العمل وليس لأي غاية أخرى. لا بل أنّ بعض المحاضر القضائية في قضية ادّعاء بالسرقة ضد العاملة، تضمنت استجوابها على خلفية اقتناء هاتف خليوي من دون إعلام صاحبة العمل، وهو سؤال يستشفّ منه أنّ هذا الاقتناء يشكل شبهة على تواصل العاملة مع أشخاص من الخارج وتالياً على حصول السرقة.
  • الحق في الوصول إلى الإنترنت “ضمن الحدود المعقولة إذا كان ذلك متاحاً”. هذا الحق هو شرط للتواصل مع ذويها أو أصدقائها في الخارج والداخل. ويؤمل من هذا البند تمكين العاملة من التمتع بمساحة خاصة إضافية من دون أن يرتب هذا الأمر أي كلفة على صاحب العمل، الذي غالباً ما يتوفّر لديه اشتراك في الإنترنت.

 

مدة ساعات العمل وضمان الحق بالراحة والإجازات المدفوعة

إلى ذلك، وضع العقد حدا أقصى لساعات العمل اليومية والأسبوعية، فضلا عن ضمان الحق بالراحة والإجازات المدفوعة. ويسجل إيجابا في هذا المضمار أن العقد جاء متوافقاً في هذا الخصوص بدرجة كبيرة مع قانون العمل وإن أغفل أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المرتبطة بطبيعة هذا العمل أو بوضعية العاملة. وهذا ما نفصّله أدناه:

  • بخصوص ساعات العمل والراحة اليومية: هنا كرس العقد حقوقا عدة تنسجم تماما مع قانون العمل. فبعدما حدّد دوام العاملة ب 8 ساعات يوميا، أجاز لصاحب العمل بأن يطلب من العاملة العمل لساعات إضافيّة على أن يدفع بدلا عنها زيادة قدرها 50% عن الساعة العادية شرط أن لا تتجاوز ساعات العمل اليومية بعد الزيادة 12 ساعة، وعلى أن يكون العمل الإضافي على أساس استثنائي. كما ضمن العقد للعاملة ساعة راحة بعد كل خمس ساعات عمل، فضلا عن التمتّع ب 9 ساعات راحة متواصلة يوميا. والإشكالية هنا أن العقد ترك لصاحب العمل توزيع ساعات العمل كما يشاء من دون وضع أي ضوابط، على نحو يخشى أن يؤدي العقد (على فرض الإلتزام به) في ظل مكوث العاملة في مكان عملها، إلى إبقائها غبّ الطلب 15 ساعة متواصلة (بعد حسم راحة ال 9 ساعات المتواصلة) مع حرمانها من ساعة راحة خلال النهار بحجة أن عملها متقطع وغير متواصل. وما يعزز هذه المخاوف هو أن العقد ضمن حق العاملة في الخروج من المنزل في العطل الأسبوعية والسنوية من دون أن يضمن لها الخروج منه في فترة الراحة اليومية، أي بعد انتهاء الدوام. ومن دون التقليل من أهمية هذا البند بالنسبة إلى الممارسات السائدة حاليا والتي تقارب العمل القسري وعلى الرغم من الصعوبات الفائقة لفرض تطبيقه، كان من المستحسن لو تضمن العقد تحديدا لكيفية احتساب ساعات غبّ الطلب وضمن حقها بترك مكان العمل في الساعات التي لا يشملها الدوام.
  • بخصوص ساعات العمل والراحة الأسبوعية:

هنا حدد العقد أن الحد الأقصى لساعات العمل الأسبوعية هو 48 ساعة، على أن تستفيد العاملة من فترة راحة أسبوعية لا تقل عن 24 ساعة متواصلة تحدد بالاتفاق. ويمكن لصاحب العمل أن يطلب العمل خلال فترة الراحة الأسبوعية على أن تستفيد العاملة من يوم راحة بديل عنه في أقرب وقت ممكن وعلى أن يكون العمل خلال فترة الراحة الأسبوعية على أساس استثنائي فقط.

وعدا عن أن العقد لا يعوض على العاملة العمل في يوم راحتها وفق الأسس المعتمدة عند تحديد ساعات العمل الإضافية، يلحظ أنه حدد فترة الراحة الأسبوعية على نحو يخالف قانون العمل الذي حددها ب 36 ساعة متواصلة. هذا مع العلم أن العقد هنا أيضا لم يأخذ بعين الاعتبار عند تحديد يوم العطلة خصوصية العاملة سواء لجهة معتقداتها الدينية أو التمتع بالحد الأدنى من الحياة الاجتماعية من خلال تمكين العاملات من التعطيل في يوم موحد (الأحد) يسمح لهن بالإلتقاء.

  • بخصوص الإجازة السنوية المدفوعة:

هنا حدد العقد مدة الإجازة السنوية مدفوعة الأجر بخمسة عشر يوما بعد مرور عام على بدء العمل، بما يتماشى مع أحكام قانون العمل. كما ذهب العقد أبعد من قانون العمل من خلال إضافة ثلاثة أيام للعاملة التي يمتدّ عملها أكثر من ثلاث سنوات وذلك عملا بالمادة 2 من اتفاقية العمل الدولية رقم 52 بشأن الإجازة السنوية والتي تفرض التدرج في زيادة أيام الإجازة وفق زيادة مدة الخدمة، وأيضا تماشيا مع دعوة اتفاقية العمل العربية رقم 1 والتي ذهبت في الاتجاه نفسه. وفيما أجاز العقد للعاملة ترحيل عطلتها المستحقة عن سنة معينة للسنة التي تعقبها، فإنه فتح الباب لاتفاق الفريقين على أن تكون العطلة متواصلة أو متقطعة من دون ضمان حق العاملة بشكل صريح بالاستفادة منها بشكل متواصل. وهنا أيضا بدا العقد أنه يغفل خصوصية وضع العاملة التي ترغب في غالبية الحالات من الإستفادة من بطاقة السفر التي يضمن العقد تسديدها من صاحب العمل كل سنتين لقضاء عطلة متواصلة في بلدها.

  • بخصوص الإجازة المرضية:

هنا حدد العقد مدة الإجازة المرضية المدفوعة لمدة خمسة عشر يوما بأجر كامل وخمسة عشر يوما بنصف أجر. وفيما ينسجم تحديد الإجازة المدفوعة في هذا المضمار مع قانون العمل بما يتصل بالأجراء الذين لا تتجاوز مدة عملهم سنتين، فإن العقد لم يحدد امكانية استفادة العاملة من إجازة مدفوعة أطول في حال تجديد العقد بما يخالف قانون العمل. أخطر من ذلك، تضمن العقد بندا قد يؤدي إلى الإضرار بالعاملة قوامه تمكين صاحب العمل من إنهاء العقد بصورة فورية ومن دون إشعار مسبق في حال إصابة العاملة ب “مرض خطير”، من دون التأكيد على مراعاة حق العاملة في الإجازة المرضية المدفوعة أو من دون اشتراط أن يكون المرض يمنع استكمال العقد بشكل دائم أو على الأقل لفترة غير قصيرة. وأكثر ما يخشى هو أـن يستغل صاحب العمل هذه المادة لإنهاء عقود العمل مع العاملات اللواتي قد يصبن بفيروس الكورونا، وربما يصبن به بعدوى من صاحب العمل أو أحد أفراد عائلته.

  • بخصوص عطلة الحداد:

هنا استعاد العقد كامل ما نص عليه القانون لجهة منح يومين مدفوعين في حالة وفاة قريب من عائلة العاملة (الأب أو الأم أو الزوج أو أحد الأبناء أو الأحفاد). ويسجل إيجابا أن العقد أضاف في هذا المضمار أنه يكون للعاملة الاستفادة فورا في هذه الحالة من الإجازة السنوية المدفوعة.

  • بخصوص العطل الرسمية أو الدينية:

خارج العطل المذكورة، حصر العقد حق العاملة بالإستفادة من يومي عطلة فقط وبناء للطلب وتلبية لمتطلبات ثقافية أو دينية أـو اجتماعية. ويقلّ عدد هذه الأيام عن عدد أيام عطل الذي تفرضه وزارة العمل (8 أيام عطل رسمية ودينية) عند المصادقة على أنظمة العمل الداخلية. هذا فضلا عن أنه خلا من أي إشارة إلى يوم العمل (1 آب) سواء لجهة تكريسه كعطلة تستفيد العاملة منها أو لجهة منحها تعويضا خاصا به في حال عملت خلاله سندا للقانون الصادر في 30 نيسان 1959.

 

توفير الحق في العناية الصحية والبيئة الآمنة واللائقة والصحية

تناول العقد بشكل لافت وتكرارا واجب صاحب العمل بتأمين بيئة عمل لائقة (مادة 5) وآمنة وصحية (مادة 7). ورغم عمومية هذه المادة، فإن التفسيرات الدولية لهذا الموجب تضمن بحدّ ذاتها مجموعة من الحقوق للأجراء وبخاصة ضدّ أيّ شكل من أشكال التعسف والتعرض والتحرش والتخويف وبصورة أعمّ أي عمل عنفي. ويسجل للعقد أنه ذهب في هذا المضمار أبعد من قانون العمل الذي خلا من أيّ التزام عامّ من هذا النوع. ويستمدّ هذا الواجب من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مادة 7).

وبالإضافة إلى إلزام صاحب العمل بإجراء بوليصة لتغطية الرعاية الصحية وحوادث العمل (وهو أمر نصّ عليه العقد السابق)، تميز العقد بتخويل العاملة “الإبتعاد” في حال إلزامها بالقيام بأعمال قد تعرض صحتها وسلامتها للخطر، لحين تصحيح الخلل. ورغم أهمية هذه الفكرة، فإنه سيكون من الصعب جدا تطبيقها لخلوّ العقد من أي تفسير لكلمة “ابتعاد” وبخاصة في ظل مكوث العاملة في مكان عملها وتقييد حرية خروجها بالعطل.

 

الحق في تعيين شخص ممثل عن العاملة لدى وزارة العمل

تحسين آخر بالغ الأهمية هو تمكين العاملة من تعيين شخص أو مؤسسة يمثلها في لبنان في حالات الطوارئ في وزارة العمل في جميع المسائل التي تهدف إلى ضمان حماية حقوقها الناتجة عن هذا العقد (مادة 14). كما يتيح العقد للعاملة تعديل اسم الشخص أو المؤسسة على أن يبلغ صاحب العمل والجهة المختصة بالنزاع بذلك. ويهدف إقرار هذا الحق إلى معالجة الحالات التي تكون فيها العاملة محتجزة وتصعب امكانية التواصل معها.

 

2- الوجه الآخر للميدالية

من دون التقليل من أهمية الحقوق التي أقرها العقد وفق ما أسهبنا في تبيانه أعلاه، يبقى أن بعض أحكام عكست الممارسات التمييزية السابقة، فضى عن أنه تضمّن انتكاسات في بعضها الآخر على صعيد حقوق العاملة، بالنسبة إلى وضعها الحالي. وقد صورت بعض هذه الانتكاسات على أنها مقابل يفرضه منح العاملة بعض الحقوق التي أشرنا إليها في مقالنا السابق. وهذا ما سنحاول عرضه في هذا المجال.

 

ضرب الاستقرار الوظيفي للعاملة

مقابل منح العاملة حرية معينة في فسخ العقد بإشعار أو حتى من دون إشعار في حال ارتكاب صاحب العمل مخالفات معينة (ومنها مخالفة أحكام العقد الموحد)، فإنّه تمّ منح صاحب العمل حقوقا مشابهة بل ربما أوسع كما سنبين لاحقاً، بما يمكّن هذا الأخير من التخلص من التزاماته التعاقدية تجاه العاملة بسهولة متناهية ويحرمها تاليا من الإستقرار الوظيفي ويزيد من هشاشة وضعها في لبنان.

وقد تجلى ذلك في ثلاثة أمور وردت في العقد أو نستشفها منه:

الأمر الأول، أعطي صاحب العمل الصلاحية نفسها المعطاة للعاملة بفسخ العقد في أي حين بموجب إشعار. وفيما خوّل العقد صاحب العمل الحصول على جزء من كلفة الاستقدام في حالات عدة، فإنّه لم يمنح العاملة أي حقّ بالتعويض، ولا حتى الحقّ بالحصول على بطاقة سفر للعودة. ويعكس هذا التفاوت في الوضعية جهلا لحقيقة الأمر، حيث غالبا، وخلافاً للمعايير الدولية حول التوظيف والاستقدام العادل، تتكلّف العاملة أكلافا باهظة للتمكّن من مغادرة بلدها لتوقعها بالحصول على عقد لمدة معينة. ومن هنا وبغياب ما يضمن لعاملة إيجاد عقد عمل بديل، من غير العادل تحميلها عبء كلفة إنهاء العقد الحاصل بإرادة صاحب العمل أو على مسؤوليته.. ومؤدّى هذا الأمر تمييع طبيعة العقد من عقد محدد المدة (سنتين) إلى عقد محدّد المدة بشهر قابل للتجديد ضمنا حتى سنتين.

ومجرد إعطاء هذا الحق لصاحب العمل إنما يؤدي عمليا إلى زيادة الامتيازات  التي بإمكانه ضد العاملة بحيث يكون بإمكانه طردها في أي حين من دون أن يكون بإمكانها مداعاته أو مطالبته بالبدلات المستحقة عن الفترة اللاحقة، كما قد يحصل في حال ترحيلها حاليا. هذا مع العلم أن مهلة الإنذار تبقى شهرا ولا تزيد كما يحصل في العقود الخاضعة لقانون العمل وفق أقدمية العقد.

الأمر الثاني، في موازاة تمكين العاملة من فسخ العقد لأسباب معينة من دون إشعار مسبق، تمّ تمكين صاحب العمل هنا أيضا من القيام بالأمر نفسه. واللافت هنا أنه بخلاف قانون العمل حيث أحيط حق صاحب العمل في إنهاء العقد لخطأ الأجير بضوابط عدة تحدّ من امكانية التعسف في استخدامه، فإن عقد العمل الموحّد جاء خالياً في هذا الصدد من أي ضوابط. وهذا ما يتأتى ليس فقط من تحديد أخطاء العاملة بصورة فضفاضة، فإن العقد لم يضع على عاتق صاحب العمل أي موجب بإبلاغ وزارة العمل بالأخطاء المرتكبة من العاملة ضمن فترة قصيرة من ارتكابها (ثلاثة أيام مثلا كما ورد في المادة 74 من قانون العمل).

ومن أكثر البنود القابلة للجدل في هذا المضمار هو تمكين صاحب العمل إنهاء العقد في حالة عدم التنفيذ المتكرر من جانب العاملة لموجباتها بموجب العقد من دون سبب. فبخلاف قانون العمل الذي يفرض على أصحاب العمل الراغبين في إنهاء عقود أجرائهم على خلفية الأخطاء المتكررة المرتكبة منهم أن يوجّهوا مسبقا ثلاثة إنذارات خطية إليهم في السنة نفسها، يكتفي العقد باشتراط أن يوجه للعاملة إنذاران فقط وأن يوجه هذان الإنذاران شفاهة أي من دون أن يبقى لهما أي أثر أو أن تعطى العاملة فرصة الرد على أي منهما.

لا بل أنه من المفجع حقيقة أن الإشارة الوحيدة للتحرش الواردة في العقد إنما جاءت في سياق المخالفات المرتكبة من العاملة تبريراً لفسخ العقد معها، وليس في سياق المخالفات المرتكبة من صاحب العمل حيث اكتفى العقد بالإشارة إلى سلوكيات وممارسات غير مقبولة. ومن شأن هذا الأمر وحده أن يعكس النظرة التمييزية لصالح صاحب العمل.

وفيما يقلل الوضع الهشّ للعاملة من امكانية ممارستها لحق فسخ العقد لخطأ من صاحب العمل تعسّفا، فإن منح هذا الحقّ لصاحب العمل ذات السلطة والامتيازات الواسعة إنما يبقى محفوفا باحتمالات التعسّف، وهي احتمالات تزيد بغياب الدقة في وصف الأخطاء أو غياب الضمانات والضوابط على اختلافها.

الأمر الثالث الذي يؤدي إلى نسف الاستقرار الوظيفي أيضا هو خلو العقد من أي ذكر لحق العاملة بالتعويض، ليس فقط في حال حصل الفسخ بإرادتها أو بخطأ منها (وهذا أمر بالإمكان فهمه فقط في حال كان الخطأ المسبب جوهريا) إنما أيضا في حال حصل الفسخ بإرادة صاحب العمل الأحادية أو بخطأ منه (وهذا أمر لا يمكن فهمه البتة). ومن هذه الوجهة، شكّل العقد تراجعا بالنسبة ليس فقط قانون العمل والذي يخول الأجير حال صرفه في أي من هذه الحالات المطالبة بتعويض من جراء الصرف التعسفي قد يصل إلى بدل إثني عشر شهرا، بل أيضا لقانون الموجبات والعقود والذي يخضع له عقد عمل العاملات.

وانطلاقا مما تقدم، يخشى أن يؤدي كم الهشاشة الناتج عن نسف الاستقرار الوظيفي إلى قلب كفة العقد الموحد الجديد لمصلحة صاحب العمل، أقله في أوضاع كثيرة.

 

أشكال التمييز ضد العاملات

يضاف إلى ذلك أشكال عدة من الأحكام التمييزية ضد العاملة، ومنها:

  • الأحكام التي تؤدي إلى حرمان العاملة من حقوق أساسية وفق ما نستشفه ضمنا من العقد وعلى ضوء التفسير الاعتيادي للسطات العامة لأحكام مشابهة، ومن أبرزها منع العاملة ضمنا من المبيت خارج بيت صاحب العمل أو من الخروج بعد انتهاء دوامها خلال أيام العمل.
  • الأحكام التي تؤدي إلى إعطاء حقوق مخفضة للعاملة بالنسبة إلى الحقوق الممنوحة للأجراء بموجب عقود العمل، وفق ما أشرنا إليه في محلات عدة في سياق عرض الحقوق التي تم منحها. ومن أبرز هذه الحقوق المخفضة، تجريدها من حق تعويض نهاية الخدمة، حتى في الحالات التي يحصل فيها الفسخ بإرادة صاحب العمل أو على مسؤوليته. كما نستشفّ الحقوق المخفضة من تجريدها من الضمانات التي نص عليها عقد العمل لإثبات خطئها أو إبلاغ وزارة العمل بالأخطاء المعزوة إليها أو عدم أخذ الأقدمية بعين الاعتبار، سواء لتحديد فترة إنذار الصرف أو لتحديد الإجازة المرضية.

 

  • محدودية عقد العمل الموحّد في إحداث التغيير

إلى جانب ما تقدم، يبقى أن عقد العمل الموحد هو خطوة سهلة بإمكان وزير العمل أن يتخذها بمفرده في سياق صلاحيته في تحديد شروط منح إجازة العمل. إلا أن هذه الخطوة لا تؤدي إلى نتائج إيجابية ما لم يتبعها إصلاحات أخرى في المجالات الأخرى، سواء على صعيد التشريع أو الممارسات المعمول بها لدى الأمن العام أو أيضا على الصعيدين المؤسساتي والقضائي. ومن أبرز المسائل التي تظهر فيها بشكل جليّ محدودية العقد في معالجتها، المسائل الآتية:

 

المسألة الأولى: المسؤولية الجزائية لعدم تجديد العقد:

وهذا ما أوضحناه أعلاه، حيث أن إعفاء العاملة من تحمّل مسؤولية عدم تجديد إقامتها لا يتم من خلال إعادة ترتيب علاقتها مع صاحب العمل وحسب إنما يفترض أيضا وبالدرجة الأولى، إلغاء العقوبة الجزائية التي تبقى مسلّطة عليها، لأسباب خارجة عن إرادتها وبمعزل عن نواياها،

 

المسألة الثانية: نظام الكفالة:

من المعلوم أن نظام الكفالة يقوم على ربط نظامية الإقامة لعامل أجنبي باستمرار عقد العمل مع شخص محدد. فلا تكون إقامة العامل نظامية في حال إنهاء العقد لأي سبب من الأسباب إلا في حال موافقة الكفيل على انتقاله للعمل لدى كفيل آخر. وتاليا، فإن تمكين العاملة من إنهاء العقد لأسباب محددة أو بإرادتها المنفردة لا يؤدي إلى نسف هذا الربط بحد ذاته. ولا يكون خلاف ذلك ما لم يترافق ذلك مع تعديل التعليمات الداخلية والممارسات لدى الأمن العام، بحيث تعطى العاملة فترة سماح لإيجاد صاحب عمل جديد ولا يتصل انتقالها للعمل لديه بحال من الأحوال بإرادة صاحب العمل الأول.

 

المسألة الثالثة: ضمان حقّ صاحب العمل في استرداد كلفة استثماره:

من البيّن أن تغيير المنظومة لا يتم فقط من خلال تكريس نصوص وضعية يبقى تطبيقها مرتبطا بتوازن القوى بين أطراف العقد، وبخاصة في ظل صعوبة وصول العاملات إلى العدالة وضعف المؤسسة القضائية نفسها. إنما هو يفترض معالجة هواجس صاحب العمل حيال فقدان استثماره المتمثل في تسديد نفقات الاستقدام وهي هواجس غالباً ما تدفعه إلى التعامل مع العاملة على أنها رهينة وتقييد حريتها. ولا يمكن معالجة خوفه من حريتها من خلال منحها مزيدا من الحرية كما فعل العقد، ولا من خلال افتراض تسديده جزءا من هذا الاستثمار من اصاحب العمل الجديد أو من وكالة الاستقدام طالما أن هذه الأمور تبقى غير مضمونة وقد تدخل الفرقاء في نزاعات غالبا ما تدفع العاملة ثمنها.

ومن هنا، يبدو أن لا مناصّ لحسن تطبيق هذا النظام إلا بوجود شخص ثالث ضامن، وهو يفترض مبدئيا أن يكون هيئة رسمية. وفيما تبدو المؤسسة الوطنية للاستخدام المؤسسة المختصة في هذا المجال، فإن هذه المؤسسة تبدو غير جاهزة في تركيبتها ومواردها الحالية لأداء هذا الدور. :

ويبقى من الضروري في المدى المنظور إعادة النظر بالكلفة العالية للاستقدام، وتنظيم ومراقبة عمل المكاتب تماشياً مع التطلعات لإلغاء نظام الكفالة بشكل حقيقي وعملي.

 

المسألة الرابعة: الأحكام التمييزية ضد العاملات:

من البيّن أن وضع حدّ للأحكام التمييزية يبقى محدودا وقابلا لتأويلات عدة ما لم تتساوَ  هذه الفئة من العاملات مع سائر الأجراء من خلال إلغاء استثناء العمل المنزلي من الخضوع لقانون العمل. وللأسف، وفيما تلوّح وزارة العمل بنيتها بإلغاء هذا الاستثناء، فإن العقد تضمن خلافا لهذه النية المعلنة عددا من الأحكام التمييزية والتي ذهبت في اتجاه مناقض تماما وعير مبرر.

 

 

النسخة الأخيرة من عقد عمل العاملات في الخدمة المنزلية متوفّرة على الرابط التالي:

عقد عمل العاملات في الخدمة المنزلية

 

[1]  المادة 36 من قانون الأجانب.

انشر المقال

متوفر خلال:

تشريعات وقوانين ، عمل منزلي ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *