في سابقة مميزة، القضاة الكبار ينتفضون وينضمون الى عموم القضاة: كيف التوفيق بين القضاء كقضية شأن عام ورفض اشراك غير القضاة في ادارته؟


2013-04-01    |   

في سابقة مميزة، القضاة الكبار ينتفضون وينضمون الى عموم القضاة: كيف التوفيق بين القضاء كقضية شأن عام ورفض اشراك غير القضاة في ادارته؟

أصدر يوم 29 مارس 2013 سامي القضاة التونسيين بيانا عبروا صلبه عن رفضهم لنص مشروع قانون الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي في جانبه الذي يتعلق بالسماح لغير القضاة بالمشاركة في أعمال الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي. وأكد السبعة الكبار أي الرئيس الاول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب ووكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية والمتفقد العام بوزارة العدل والرئيس الاول لمحكمة الاستئناف بتونس والوكيل العام لمحكمة الاستئناف بتونس والرئيس الاول للمحكمة العقارية أنهم يرفضون تدخل غير القضاة في عمل الهيئة ويعتبرون ذلك مدخلا لتسييس القضاء وانتهوا الى تأكيد رفضهم المشاركة في أعمال أي هيئة تكون مكونة من غير القضاة.
شكل موقف السبعة الكبار حدثا فارقا على اعتبار أنها المرة الاولى في تاريخ كبار القضاة التي يخرج فيها المتحكمون الفعليون في المؤسسة القضائية عن صمتهم ويلتحمون بالقاعدة القضائية. فقبل بيان 29 مارس، كان كبار القضاة يحسبون آليا في الشق الذي يوالي اختيارات السلطة ويعمل على إنفاذها ولو تعارضت مع مصلحة القضاء.
ويبدو التطور النوعي في مواقف سامي القضاة مرتبطا باعتبارات شخصية تتعلق بالجيل الجديد من القضاة السامين وباعتبارات موضوعية أفرزها الحراك القضائي. فعلى مستوى الاعتبارات الشخصية ورغم أن التعيينات القضائية التي أعقبت الثورة شكلت استمرارا لتحكم السلطة التنفيذية في المناصب القضائية الا أن هذه التعيينات سمحت لثلة من القضاة الذين عرفوا بنشاطهم في جمعية القضاة التونسيين وجمعية القضاة الشبان قبلها بتولي مناصب قضائية هامة خصوصا وأن عددا منهم زكت جمعية القضاة التونسيين ترشحه لمنصبه. أدى النفس الاستقلالي الذي يتمتع به القضاة السامون الجدد في مرحلة أولى الى بروز تواصل بين كبار القضاة وعموم القضاة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي والاجتماعات القضائية صلب الهياكل المهنية لينتهي الى بوادر تطور في ابراز هؤلاء القضاة لمواقفهم من ذلك ما يتداوله القضاة عن دور المتفقد العام في عملية اعفاء القضاة.
ورغم أهمية اعتبار شخصية كبار القضاة في الموقف المعلن الا أن ذلك لا يمكنه أن يفسر انتفاضتهم اذا ما تم عزله عن الظرف الموضوعي الذي دفعهم للخروج الكامل عن قانون الصمت. فقد أدى عرض مشروع قانون الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي الى ايجاد موجة استياء في صفوف عموم القضاة خصوصا وأنه تم تبرير تواجد عضو يعينه رئيس الحكومة يحضر أعمال مجالس تأديب القضاة بضرورة مراقبة القضاة لكي لا يتواطؤوا مع زملائهم. فكان بالتالي تبرير وجود غير القضاة بهيئة القضاء يستند لعملية تشكيك في مصداقية القضاة بمن فيهم سامي القضاة.
ويعد اضراب 28 مارس 2013 الذي دعت اليه نقابة القضاة التونسيين وجمعية القضاة التونسيين والتزم به مجمل القضاة تعبيرا عن وحدة موقف القضاة ازاء تواصل حملات التشكيك التي تستهدفهم وتصديا منهم لمحاولة الأطراف السياسية الزج بهم في صراعاتهم وفي محاصصاتهم الحزبية لمؤسسات الدولة، العامل الموضوعي الذي يفسر الموقف في توقيته. فقد وجد السبعة الكبار في وحدة القضاة حاضنة لهم ليتمكنوا من التعبير عن موقفهم الاحتجاجي بشكل يصالح بين مناصبهم وعموم القضاة ويعيد لهم قيمتهم الاعتبارية في وسطهم المهني، خصوصا وأن الاتهام بعدم النزاهة من قبل السياسيين لم يستثنهم وانما شملهم قبل غيرهم على اعتبار أنهم أعضاء قارون في مجالس التأديب. لم يكتف السبعة الكبار بالتعبير عن الاحتجاج بل تجاوزوا ذلك الى التصريح عن عزمهم على مقاطعة أعمال أي هيئة لا تستجيب لتطلعات القضاة فكان موقفهم تحركا احتجاجيا جماعيا ذا صبغة نقابية؛ ويشكل هذا المعطى قطيعة مفهومية كاملة بين تقاليد المناصب القضائية العليا التي كانت فيما مضى تتمسك برفض ممارسة القضاة للأنشطة النقابية وتعتبرها سببا لمؤاخذتهم وانزال عقوبات تأديبية بحقهم، فضلا عن عقوبات مقنعة غالبا ما كانت تأخذ شكل نقل تعسفي.
انتفض السبعة الكبار يوم 29 مارس 2013 وسيكون لموقفهم حتما تأثير كبير على موقف المجلس الوطني التأسيسي من تركيبة هيئة الإشراف على القضاء العدلي، اذ أن صفة الكبار كأعضاء قارين بالهيئة بحكم صفاتهم يجعل من تهديدهم بمقاطعة أي هيئة لا تستجيب لشروطهم حدثا هاما يجب اعتباره لتجنب تعطيل أعمال الهيئة المزمع احداثها. ويظل رغم أهمية الحدث السؤال قائما حول حقيقة المصالحة بين السبعة الكبار ومطالب القضاة: فهل أن الحدث سيكون طفرة تدخل التاريخ أم انه سيؤسس لارساء تقاليد جديدة تجعل من السبعة الكبار صوتا اضافيا للقضاء بعدما كانوا لوقت مضى قريب جزءا من السلطة السياسية تلبس جبة القضاة؟ وهل أن سيكتفي هؤلاء برفض انفتاح هيئة القضاة على السياسيين من خلال أشخاص يعينون من خارج الجسم القضائي أم أن موقفهم يشكل منعطفا يقطعون معه مع سابق عهد تغلغل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي من خلال "كبار القضاة"؟
وأيا كان واقع تطور موقف كبار القضاة، فان موقف عموم القضاة من تركيبة هيئة الاشراف على القضاء العدلي يتسم بشيء من الغموض يصعب على سواهم تفهمه؛ فالقضاة الذين ينادون باحترام المعايير الدولية لاستقلال القضاء عبروا عن رفض قاطع لتواجد غير القضاة بمجلس الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي رغم أن هذا الأمر يعد أيضا من المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية. وهذا التعارض الظاهر بين الشعار والممارسة يشكل بالواقع علامة استفهام تطرح على هياكل القضاة التي غالبا ما أعلنت رغبتها بتحويل موضوع استقلال القضاء الى شأن في موازاة سعيها الدائم للتفرد بصياغة تصورات اصلاح القضاء. وتاليا، ثمة ضرورة لمزيد من الوضوح في مواقف هذه الهياكل لازالة هذا التعارض الظاهر أو هذا الالتباس، وخصوصا في اتجاه تسليط الضوء على حدود رفضهم لتواجد غير القضاة بهيئة القضاء. فهل أنه رفض مطلق أم أنه رفض مبرر بسد الباب الذي يمكن للسياسيين الولوج من خلاله، مما يفيد قبولا لأبواب أخرى في حال توفرها؟ وهل أنه رفض لمبدأ ضم أعضاء من خارج القضاء أم أنه رفض للخطاب الذي رافق الاعلان عن هذا المبدأ بما تضمنه من حملات تشكيك في نزاهة القضاء؟
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية