فضائح التعذيب في تقرير الدولة الأول للأمم المتحدة: نكران الخطيئة يعني إرتكابها مرتين


2016-05-11    |   

فضائح التعذيب في تقرير الدولة الأول للأمم المتحدة: نكران الخطيئة يعني إرتكابها مرتين

خلال السنوات الثلاث الفائتة، عرف لبنان العديد من الفضائح على مستوى التعذيب. بداية مع إنتشار صور لأحد المتهمين في أحداث عبرة (نادر البيومي) في حزيران 2014 بعد أن توفي خلال فترة إحتجازه. وتظهر الصور التي نشرت عبر مواقع التواصل، بشكل واضح تعرض البيومي للضرب والتعذيب. بعدها بفترة قصيرة، في تشرين أول من عام 2014 نشرت اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب تقريراً تناولت فيه إلتزامات الدولة اللبنانية على مستوى إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية. وقد إعتبرت اللجنة أن التعذيب ممنهج في لبنان، وهو "ممارسة متفشية تلجأ إليها القوات المسلحة والأجهزة لإنفاذ القانون لأغراض التحقيق والإهمال المتعمد للضمانات القانونية للأشخاص مسلوبي الحرية".

لم تكد الدولة وقتها تنتهي من التعبير عن "ذهولها التام" مما توصلت اليه اللجنة، حتى سُرب فيديو لتعذيب موقوفين في سجن رومية في 21 حزيران 2015. لتجد نفسها مضطرة لمواجهة "خطاب حقوقيتمثل في بيان أصدرته منطمات حقوقيّة عدة … رأت فيه أن هذه المشاهد حسمت النزاع القائم بينها وبين الحكومة، لجهة وصف التعذيب الحاصل في لبنان: فهو منهجي وليس فرديا". وقد خاضت الدولة المواجهة من خلال التعامل مع الفضيحة على أنها سلوك فردي غير خاضع لأي أمر أو توجيه، واعدةً بمحاسبة العناصر الذين ظهروا في الفيديو.

تغيب هذه الفضائح عن التقرير. أما فضيحة التعذيب في رومية فتذكر "على سبيل المثال" في إطار الملاحقات القضائية التي تقوم بها الدولة. يخلو التقرير من أي جديد عن المحاسبة في هذه القضية، كأنها جمدت. والأهم أن التقرير يكشف أن القضية جمدت عند آخر تطور حصل عام 2015. أي حين أصدر قاضي التحقيق العسكري الأول قراره خلال شهر تموز 2015، الذي أحال فيه المتهمين الى القضاء المختص للمحاكمة. أسطر قليلة أفردتها الدولة لجريمة التعذيب في رومية، أعادت من خلالها التأكيد على تمسكها بموقفها السلبي الذي رافق وقوع الجريمة. والا ما حاجة التقرير للتذكير أن جريمة التعذيب في رومية تبعت "الإنتفاضة التي قام بها السجناء"؟ في مطلق الأحوال، فإن هذه الفضيحة، على كبرها، ذكرت في التقرير بإختصار شديد لا يشبه بأي شكل الإستفاضات التي طغت عليه في أكثر من مكان.

يؤشر تغييب هذه الفضائح عن التقرير بالنسبة لـ أمين عام جمعية عدل ورحمة زياد عاشور في حديثه مع المفكرة"على خفة بالتعاطي مع موضوع التعذيب". كما يعبر عن "نية على الإستمرار بهذا النهج". من هذا المنطلق يبدو التقرير مخيباً للآمال، بعدما "كان ينتظر منه أن يكون نقطة فصل بين ما قبله وما بعده". يضيف عاشور أن التقرير يعاني "أزمة موضوعية تؤدي الى أزمة ثقة في ظل غياب المؤشرات عنه". وأبرز أوجهها "الإمتناع عن تقديم أي رد موضوعي على تقرير لجنة مناهضة التعذيب قبل سنتين من خلال هذا التقرير، فلو كان من نية للرد عليه، يكون بالتالي عبارة عن تجاهل مقصود".

المفارقة بالنسبة لأمين عام مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا أن "الدولة أولاً أنكرت ما جاء في تقرير لجنة مناهضة التعذيب، ثم ما لبثت أن قبلت ببعض التوصيات الواردة فيه في اطار التقرير الدوري الشامل، لتعود وتتجاهله في هذا التقرير". بالتالي تبدو تقارير الدولة غير متناغمة، ما يضاعف إمكانية التشكيك في جديتها. تقول مديرة مركز restartلاعادة تأهيل ضحايا التعذيب في لبنان سوزان جبور للمفكرة القانونية أن " الدولة مسؤولة في التقرير عن تضمين كل الحقائق. لو المساءلة والمحاسبة في قضية سجن رومية قد حصلت، لذكرت في التقرير كما ذكر حكم قضائي يتيم" (الحكم الصادر عن محكمة جنايات جبل لبنان برئاسة القاضي جوزيف غمرون).

الأسئلة حول جدية الدولة في التعامل مع فضائحها في اطار هذا التقرير، على خلفية استمرارها في الانكار، ينقلب الى تساؤل عن مصداقيتها عندما يشكك في صحة ما تذكره من انجازات. بهذا الصدد يوضح ممثل كرامة في لبنان سعد الدين شاتيلا أن ما ورد في التقرير لناحية إجراء المجلس العدلي لـ "تحقيقات معمقة في جميع إدعاءات التعذيب وسوء المعاملة وخاصة من أولئك الذين تمَّ إعتقالهم عام 2007 خلال مواجهة الجيش اللبناني ضد الإرهاب في مخيم نهر البارد"، عبارة عن إدعاءات غير صحيحة. يسأل شاتيلا : أين اثبات هذا الكلام؟ ويضيف أن  "معلوماتنا تقول انه لم يحصل اي تحقيق بالتعذيب وقتها، ذلك وفقاً لشهادات محاكمون ومحامون".

إذن ليست الفضائح الكبرى وحدها التي تغيب عن التقرير، بل أيضاً الإثباتات والإحصاءات. تخرج الدولة بتقرير خال من أي إحصاء يؤشر الى إتخاذها إجراءات أولية لتحديد حجم المشكلة وأماكن وقوعها. وهنا على سبيل المثال يمكن التذكير بما أعلنته جمعية عدل ورحمة عام 2011 عن توثيقها لـ700 حالة تعذيب. وكان ذلك في إطار إطلاق لجنة مكافحة التعذيب في السجون اللبنانية بالتعاون بينها وبين قوى الأمن الداخلي. لا يرد هذا الرقم، ولا أي رقم بديل عنه في التقرير. بالمقابل يبدو أن التعاون الذي بدأ عام 2011 لم يبق على حاله. يقول عاشور" نبلغ لجنة قوى الأمن الداخلي عن حالات تعذيب ونعود لنتابع ما حلّ بها فلا نحصل على إجابة لديها". يضيف أن"هناك حالات تعذيب جسدي وهي تتكرر في بعض مراكز الإحتجاز أكثر من غيرها. نحن نسمع هذه الحالات وننقلها الى اللجنة، لكنها مهمشة ولم تحصل على موقع في النظام، فهي لا تتمتع باستقلالية ولا تستطيع أن تعلن عن الاجراءات التي تتخذها". من جهته، يشير عاشور الى أن عدل ورحمة تعمل على نشر تقرير يتضمن إحصاءات وتوثيق لإدعاءات تعذيب. على ضوء هذا التقرير "يظهر الى أي حد الدولة ستكون الدولة شفافة ومتوافقة مع التزاماتها بالإتفاقية".

بالمحصلة، يعكس هذا التقرير نصف الحقيقة. ليس فقط لأنه يتجاهل حقائق عن التعذيب، بل لأنه نتاج جهة واحدة. فالجمعيات المعنية بملف التعذيب، استبعدت من اعداده بالمطلق. لكن الأخيرة تصب جهودها اليوم في العمل على تقرير الظل الذي تقدمه أمام لجنة مناهضة التعذيب. لعل هذه النتيجة تشكل الإيجابية الأبرز لصدور التقرير الأولي، فالتعذيب لا يمكن أن يعود مخفياً بين الجدران بعد اليوم. بل تحول الى مادة فعلية للنقاش العام.

انشر المقال

متوفر خلال:

لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *