عن فَرَحْ مشغرة وقمرها وعن نزف قلوب الأهل والرفاق


2023-11-30    |   

عن فَرَحْ مشغرة وقمرها وعن نزف قلوب الأهل والرفاق
أضاء زملاء فَرَحْ ورفاقها الشموع في كلّيّتها يوم الثلاثاء الماضي بذكرى أسبوع على استشهادها

في مشغرة شبّان وشابات من جيل الصحافيين الجدد، متحلّقون حول قبر لا تزال تربته رطبة، قبر فَرَحْ عمر، الصحافية الشهيدة ذات الأعوام الـ 25. وفي مشغرة التي تحيط بها الجبال والوديان، منزلٌ مفتوح لتقبّل التعازي، وأم، وأب، وأخت، وأخ، يقولون لمن يعزّيهم إنّ “قلوبنا محترقة ورؤوسنا عالية، لا نشمّت إسرائيل بنا”. وفي مشغرة، صور من الإنسانية نراها تعبّر عن نفسها في نظرات الرفاق، ودموع الزملاء والزميلات، وتصبّر الأهل، وتضامن المعزّين. 

استشهدت فَرَحْ مع رفيقها المصوّر الصحافي ربيع معماري ومعاونهما حسين عقيل، في غارة إسرائيلية استهدفتهم في طير حرفا، يوم الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2023، عند قرابة الساعة 11:20 صباحًا، بعد دقائق من فراغهم من رسالة مباشرة. أتت الجريمة بعد أقل من ستة أسابيع على اغتيال المصوّر الصحافي عصام عبد الله، في استهداف إسرائيلي لفرق إعلامية في علما الشعب يوم الجمعة 13 تشرين الأول 2023، وفي سياق استهداف ممنهج للصحافيين كانت حصيلته 5 هجمات على الأقل منذ تصاعد الاعتداءات العسكريّة الإسرائيليّة على الجنوب اللبنانيّ منذ الثامن من تشرين الأوّل 2023، فيما قتلت إسرائيل 70 صحافيًّا وعاملًا إعلاميًّا في غزة ضمن الإبادة الجماعيّة الأكبر الحاصلة هناك.

درع وخوذة فَرَحْ خلال إضاءة شموع بعد استشهادها

لم تكن فَرَحْ، صحافية عادية، ابنة الـ 25 عامًا كانت أنموذجًا لأبناء جيلها، وفي سنتين فقط من مسيرتها المهنية، خرجت من غرف التحرير إلى الميدان، وهي قبل أن تسقط على جبهة الجنوب، كانت مراسلة أرض، دخلت بيوت الناس، ولحقت بهم إلى ساحاتهم، وغطّت غضب الشوارع وتظاهراتها، وصولًا إلى جولات العنف فيها، بقلب قويّ لا يرتجف، وعقل يريد دائمًا أن ينهل أكثر من خبرات زملائها من الأجيال الأكبر سنًا. وهي إذ كانت تجاربها في تغطية الأحداث في شوارع بيروت ومواجهاتها، وصولًا إلى جولة اشتباكات الطيونة، حاضرة معها في تغطيتها لجبهة الجنوب، جنبًا إلى جنب مع خبرات رفيقها المصوّر الصحافي ربيع معماري الذي غطى الحرب في العراق، وواكب معركة الموصل فإنّ الاستهداف الصاروخي المباشر لهما يوم الثلاثاء 21 تشرين الأول كان سيفه أمضى من أيّة خبرات أو تجارب سابقة، فيما يعاهدها الزملاء الرفاق اليوم بأن يبقى اسمها ودمها يلاحق قاتلها، حتى يدفع المجرم ثمن جرائمه، وتتحقق العدالة لها.

فَرَحْ: الصحافيّة التي تختار مواضيعها من قضايا مجتمعها

تخرّجت فرح من كلّية الإعلام في الجامعة اللبنانية سنة 2019، وهي تابعت دراسة الماجستير، وتدربّت لدى الوكالة الوطنيّة للإعلام، وإذاعة لبنان، لتبدأ مسيرتها المهنيّة مع قناة الميادين في شباط 2021، فبرزت سريعًا في مهنتها وبين زملائها وأبناء جيلها، لقبَا “القوية” و”وحشة الأرض” رافقاها. وفَرَحْ كان قلبها قويًا، تهجم على الحدث وترفض تعليقات – قيلت لها في أحد الأيام – من قبيل “ماذا تفعل بنت على الجبهة” فترد عليها بحسم وصرامة، عيونها تنطق قبل لسانها، بشجب أي ذكورية تواجهها. وهي إن غطت اشتباكات الطيونة بعد أن كانت قد حضّرت نفسها لتغطية تظاهرة سرعان ما تحوّلت إلى جولة قتال، عادت في اليوم التالي لتكمل تغطية آثار الاشتباكات وتشييع من سقط فيها، من دون خوف من تجدّد محتمل للاقتتال. ففي الميدان، فَرَحْ صحافيّة يحرّكها عقلها وشغفها، لا مشاعرها. وفي الجنوب، كانت لا تكاد تغادر المناطق الحدوديّة حتى تعود إليها، تصغي لنصائح الزملاء، وتتحدّى أصوات القصف وأخطار التغطية، بعد أن استهدف الصحافيّون 3 مرات سابقًا، في مروحين وعلما الشعب ويارين. وشهدت فَرَحْ على جرائم إسرائيل في الجنوب، وحكت عن الأرض وشجرها وبشرها وحجرها، ونعت زميلها عصام عبدالله، قائلة: “يستهدفون الصحافيين لكننا نبقى هنا”، قبل أن تصبح هي الأخرى ضحيّة جريمة حرب موصوفة.

فَرَحْ في يوم تخرّجها في كلّيّة الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانيّة

خلال مسيرة سنتين، أنتجت فَرَحْ رصيدًا كبيرًا من التقارير، بما يدلل على إنتاجيّتها العالية، ويروي الزميل مهدي ديراني الذي التحق هو وفَرَحْ سويّة بالميادين أنّها كانت “أنشطنا وأكثرنا تفانيًا في غرفة الأخبار، تعمل خارج أوقات دوامها، ويسكنها هاجس إنهاء العمل ولو تأخّر الوقت، سواء كان عمل لها أو لزملاء آخرين”، ويضيف: “رغم نجاحها السريع وتميّزها، كانت محبوبة من جميع زملائها في غرفة الأخبار وكانت تحبّ الجميع”.

ولفَرَحْ علاقة خاصة باللغة العربيّة، تمرّنت على مخارج حروفها حتى أتقنتها، وكانت تجذبها صورها الجماليّة، وتتفنّن في استخدامها في رسائلها كما في كتابتها، تحبّ أن تكتب مع حركاتها وشدّاتها، وتحرص أن يُكتب اسمها دائمًا بفتحتين وسكون: فَرَحْ.

بدأت فَرَحْ محرّرة وسرعان ما شقّت طريقها في أقل من 5 أشهر، ففي الأوّل من تمّوز، كان ظهورها الأوّل على الشاشة التي أحبّت وجهها، فيما أحبّت هي تجربة العمل كمراسلة، وتابعتها حتى النهاية. وأغلى التقارير على قلب فَرَحْ، كان تقريرها عن الأطفال مرضى السرطان، ظلّت تعود إليه لتشاهده، ونشرته على صفحاتها وبين أصدقائها وعائلتها. وكانت دائمًا مع قضايا الناس وشجونهم، تحكي عن الغلاء، وأسعار القرطاسية وأقساط المدارس، وانهيار الليرة، فتقترح هي مواضيعها على الإدارة، وتتمسك بها، وتنقل صرخة ناسها، الناس الذي كانوا يبادلونها الحب. فكم من المرات تنافسوا على دعوتها إلى تناول الطعام أو الجلوس على فنجان شاي خلال تغطياتها، وكم كان يتكرر هذا المشهد، من منطقة سكنها، وصولًا إلى القرى والبلدات التي تزورها لأوّل مرة. وإذ عادة ما يعاني المراسلون في لبنان، البلد شديد الاستقطاب، من تعامل الناس وفق موقفهم من سياسات مؤسساتهم، كانت فَرَحْ تملك هذه الميزة عن كثير من زملائها، التي تجعل الناس يحبونها، مهما اختلفت خلفياتهم.

خلال تدريبات فَرَحْ في استديو كلّيّة الإعلام في الجامعة

وكانت فَرَحْ تواكب أهل السياسة وشؤونهم، تشهد على لحظات دبلوماسية هامة، مثل لقاءات التفاوض على ترسيم الحدود البحرية بين المسؤولين هنا والوسيط الأميركي، وتغطّي المقار الرسمية، ثم تنزل إلى الأرض، فتواكب الانتخابات النيابية. وفَرَحْ طارت العام الماضي إلى تركيا حيث غطت الانتخابات ببراعة، وهي منذ وصلت، ليس برفقتها سوى مصوّر صحافي، بنَت شبكة علاقات مع جميع الأحزاب السياسية المتنافسة، ووصلت إلى المؤسسات الرسمية وغير الحكومية المعنية، ودخلت مراكز لم يصلها صحافيون آخرون. تنقلت من مدينة مدينة، تحت المطر، كاسرة حواجز اللغة، ناقلة الحدث بلحظته، لتقدّم تغطية شاملة، كانت وفق ما أخبرت رفاقها، محطة مفصلية في تطوّرها المهني وأثبتت نفسها خلالها كمراسلة تنافس الصف الأوّل.

فَرَحْ ابنة الأرض بتاريخها وإرثها وشجرها وبشرها

ومن لا يعرف فَرَحْ، فهي ابنة قرية من الطراز الأصيل. فلم تخطف بيروت قلب فَرَحْ المجبول بالقرية وعاداتها، فحفظنا نحن زوايا مشغرة من الصور التي تنشرها على صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وحفظت هي تقاليد مشغرة من أهلها وأجدادها، حيث تنتقل إليها في كل عطلة، وتجد نفسها في الجمعات العائلية الموسّعة، ولا تفوّت سهرات مشغرة وأعراسها. تتقن الزغردة، وتقابل كلّ من تلتقيه بضحكة، ضحكة جعلتها تستحق لقب “قمر مشغرة” الآتي من أغاني فيروز والضيعة، بجدارة.

وهي كابنة مشغرة حملت قضية تلوّث الليطاني، جار قريتها، في تقاريرها، وظلّت تبحث في كلّ قرية عمّا يكمن في حاراتها وبيوتها من تراث وثقافة، فحضرت مكتبة بعقلين في تقاريرها، وكان آخر تقاريرها عن صمود أهل القرى الجنوبية في بيوتهم، جلست في أرض أحد البيوت و”رقّت” العجين مع الناس وحضّرت الخبز المرقوق، بمهارة.

وهوَت فَرَحْ قطاف الزيتون، فكان الموسم عيدها السنوي، حيث يجتمع أفراد العائلة والأرض تعطي خيراتها، وكان لفَرَحْ شجرة في مشغرة زرعتها بنفسها، ورعتها وكبّرتها. لاحقًا، أخذتها مهنتها إلى حديقة منزل في طير حرفا في الجنوب، أدّت منها رسالتها الصحافيّة الأخيرة، فكانت الأرض التي هوى جسدها عليها، والتراب الذي ارتاح رأسها عليه، والزيتون الذي فاء على جثمانها، شواهد تخبرنا أنّها مضت بسلام تستحقّه.

زيتون مشغرة في صورة نشرتها فَرَحْ على إنستغرام

ومن الأرض، من مشغرة، عرفت فَرَحْ إسرائيل للمرة الأولى، وقفت وجهًا لوجه مع جرائمها خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006، حين استهدف منزل أسرتها، وهي طفلة ذات 8 سنوات، فاحتمى بها شقيقها، فهزمت العدوان بإرادة التمسّك بالحياة. ومشغرة كانت محتلّة، احتلها الإسرائيليون، ونكّلوا بأهلها، وظلّوا حتى العام 2000 يقصفونها مخلفين المجازر، ويدخلونها ويعتقلون من رجالها ونسائها وحتى أطفالها. ومشغرة تحمل أيضًا إرثًا طويلًا من الصمود بوجه الاعتداءات الإسرائيليّة وتحدّيها، وكانت مقاومتها متنوّعة المشارب والتوجّهات الفكريّة. ولعائلة فَرَحْ شهداء ومعتقلون سابقون لدى الاحتلال الإسرائيليّ، منهم والدها الذي أمضى عامًا في زنازينه تحت التعذيب. ونساء مشغرة معروفات بمقاومتهنّ، ومن عائلة فَرَحْ سيّدات يحكين عن مواجهتهنّ للاحتلال، وأخريات يحكين عن أطفال وأشقاء وشقيقات قضوا في مجازر. كانت فَرَحْ إذًا تعي تمامًا يوم الثلاثاء 21 تشرين الثاني، أيّ قوّة تتحدّى حينما تصرّ على إكمال تغطية وتوثيق جرائم حربها. وقد وثقت فَرَحْ مجزرة الطفلات الثلاثة وجدّتهنّ، اللواتي قضين على الطريق بين عيترون وعيناثا يوم 5 تشرين الثاني 2023، وقابلت والدتهن وأبلغتها تضامن الناس معها، ليصبح هذا اللقاء مادة يستعيدها أهل فَرَحْ ورفاقها اليوم، وتوثيقًا إنسانيًّا لبشاعة إجرام الاحتلال وجمال روح متحدّيه.

 فَرَحْ والكلية والرفاق

مضت فَرَحْ شهيدة الصحافة، وهي في الأساس، لم تحتَر في اختيار تخصّصها، فطالبة علوم الحياة الحائزة على درجة جيد جدًا، كانت تعرف شغفها: مجال الإعلام الذي أقسمت بعد حصولها على الإجازة ألّا تعمل في غيره. دخلت فَرَحْ كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية في أيلول 2016، وتخرّجت عام 2019، وبين العامين، ستة فصول طوتها بتفوق مواظبة على حضور المحاضرات، وعضوة في مجلس الطلاب تساعد زملاءها فتأخذ بيد الطلاب الجدد وتذلّل العقبات أمام من يواجه مشكلة مع مادة أو أستاذ. وكانت فَرَحْ بعقلها الذي لا تحدّه انتماءات سياسية، جسر تواصل بين الجميع، وكانت بشخصيتها القوية، وقلبها الحنون، وابتسامتها الدائمة، تعالج المشاكل، وتجمع المتخاصمين، تكسر التوترات بابتسامة، وتعطي الأولوية للمصلحة الطلابية والأكاديمية. ولفَرَحْ نزعة إنسانية كنّا نراها في كلّ أعمالها التطبيقية خلال مرحلة الجامعة، فهي لا تستسهل في اختيار مواضيع المشاريع وتنفيذها، بل تبحث عن الجدير بالحديث عنه صحافيًا، والمهم حقوقيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، وكان مشروع تخرّجها فيلم وثائقي نجمه شخص من ذوي الإعاقة، حكى لنا -عبر فَرَحْ- عن حقوقه واحتياجاته والتحديات التي تواجهه، ليكون هذا الفيلم تعبيرًا عن المسار الذي ستسلكه الصحافية الصغيرة لاحقًا، مدافعة عن إنسان مجتمعها، وحاملة لهمومه.

وتابعت فَرَحْ دراستها لتحصيل شهادة الماجستير بين العامين 2020 و2022، ليبقى لها تقديم الرسالة للحصول على الشهادة. يوم الثلاثاء، 21 تشرين الثاني 2023، كانت أوراق تسجيلها لتقديم رسالة الماجستير في طريقها من كلية الإعلام والتوثيق في الأونيسكو إلى العمادة في الطيونة، حين كبس مجرم على الطرف الآخر من الحدود زر إطلاق الصاروخ على فَرَحْ، لتسقط شهيدة على أرض طير حرفا، وبين أشجار الزيتون، التي هوتها.

حمل الخرّيجون من رفاق فَرَحْ صورها في كلّيّة الإعلام حيث تجمّعوا قبل التوجّه إلى تشييعها

في تشييع فَرَحْ، بكى الرفاق كثيرًا، الصحافيون الجدد، أبناء جيلها ورفاق الدراسة، هم منذ تلك اللحظة مفجوعون بفداحة المصاب، يتجمعون حول بعضهم، يضيئون الشموع يوم استشهادها، ثم ينتقلون إلى التشييع، يسيرون خلف الجثمان، يحملونه على أكفهم، ويودعونها عند الدفن، ثم يترددون على القبر، يحدثونها كأنّها معهم، يشكون لها ما يزعجهم، ويبكونها حتى تجف دموعهم، ثم يعودون إلى منزل أهلها، ورسالتهم أننا سنبقى معكم ولو رحلت فَرَحْ. ولفَرَحْ أصدقاء كثر، لكن علاقتها بأصدقاء الكلية كانت مميّزة، وبات بعضهم وكأنهم أفراد في أسرتها، يعرفهم أهلها، وتحفظهم درجات بيتها.

يذكرها الرفاق بحرصها عليهم في كافة أمورهم، ومتابعتها لمشاكلهم وأمورهم الشخصية، ووصلها الدائم لهم، يذكرونها في الخروجات وحديثها عن حماستها لتقدّمها في تعلّم اللغة الإسبانية، وحب اكتشاف أصناف الطعام المختلفة. قبل ساعات من استشهادها، كانت فَرَحْ قد وعدت إبراهيم الزيّات، الزميل الصحافي والصديق المقرّب لفَرَحْ، بتلبية دعوته ووالدته لتناول الغداء في صور، وعدته فَرَحْ، وتعهّدت له بالكثير من الخروجات القادمة بعد أن تنتهي هذه الفترة الضاغطة من العمل. وإبراهيم صديق لفَرَحْ منذ “7 سنوات وشهرين و25 يومًا، وسأبقى أعدّ الأيام”. يقول إبراهيم لفَرَحْ اليوم، وفي عيونه لمعة نرى فيها وجه فَرَحْ، إنّ “إبراهيم الصديق لا يزال مفجوعًا، بين التصديق وعدمه، وستظلّين في قلبي وعائلتك هي عائلتي واستشهادك قضيتي”. أمّا “إبراهيم الزميل” فيقول لها: “فخور بمسيرتك، والشاشة خسرت قمرًا، وستكونين قضيتي في مسيرتي المهنية والدافع الأكبر لي ولكلّ رفاقك ولكل صحافي جديد للاستمرار في طريق الصحافة”.

فرح خلال تغطيتها تظاهرة في بيروت

العدالة لفَرَحْ

يؤكد إبراهيم في حديثه لـ “المفكرة القانونية”: “سنحمل اسم فَرَحْ ونلاحق إسرائيل به”، ويتابع: “لن نهدأ في مسار إدانة إسرائيل على جريمتها في كل العالم، ليبقى اسمها حاضرًا ويظلّ دمها يلاحق قاتلها”. ولفَرَحْ مسار قادم يطلب العدالة ويكافح من أجل منع إفلات المجرم بجريمته، ففي 21 تشرين الثاني 2023، قتلت إسرائيل فَرَحْ عمر، في مكان مكشوف، بعيد نسبيًّا عن الحدود، بعد دقائق من ظهورها المباشر مرتدية زيّها الصحافي، وهي سجّلت قبل لحظات من استشهادها مقطع فيديو يوثّق هدوء المنطقة وأنّ لا اشتباكات كانت تحصل فيها. كان الصاروخ يعرف هدفه، وكان المجرم يعرف حجم جريمته، وليس اغتيال فَرَحْ عمر وقتل الصحافيين الممنهج جريمة عادية، هي جرائم حرب موصوفة، ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية. وفي المسار القانوني والحقوقي في القضية، محطات عدة، يكون أوّلها توثيق الجريمة وظروفها وأدوات تنفيذها، وهو ما بدأ مع التحقيق الجنائي الذي يجريه الجيش اللبناني، وكذلك التحقيق الذي يجب أن تجريه اليونيفيل، وفق الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القرار الدولي 1701/2006، إضافة إلى التحقيقات المستقلة التي تحققت “المفكرة” من أنّ منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمة مراسلون بلا حدود قد بدأتها بالفعل، وستنشر نتائجها فور انتهائها. فضلًا عن ضرورة توظيف آليات مجلس حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة من أجل تحقيق مستقل، وصولًا إلى إمكانيّة أن يقرّر لبنان الرسميّ منح المحكمة الجنائية الدولية اختصاصًا بموجب المادة 12 من نظام روما، لملاحقة إسرائيل على جرائم الحرب المرتكبة في لبنان.

ورغم قدم المعركة، إلّا أنّ الإنسانية أقدم، وهي منذ بزوغها، وقبل ظهور الصحافة بمفهومها الحديث، كانت تدين الغدر والخديعة، باستهداف الواقفين دون سلاح، وكانت تتهيّب المسّ بالذين يكون دورهم نقل المعلومات وإبلاغ الرسائل، فيكون استهداف رسل الأقوام وكاتبي سجلات الأحداث، أمر جلل وعار كبير. وقتل فَرَحْ عمر، ورفيقها المصوّر الصحافي ربيع معماري، وقبلهم المصوّر الصحافيّ عصام عبدالله ومعهم 70 صحافيًا في غزة، جريمة ضد الإنسانية، لأنّ الأمم المتحدة حينما وضعت القوانين الدوليّة قبل قرن من الزمن، وحددت قواعد الحروب، منحت الصحافيين وعدًا بالحصانة مقابل أن يكونوا سمع الإنسانية وبصرها في مناطق الحروب، ولكي ينقلوا لها الحقائق والمعلومات، ولكي يسجّلوا التاريخ وهو يتكشّف.

فَرَحْ تتحضّر لرسالة مباشرة خلال تغطية الانتخابات في تركيا

الوداع الأخير: “عانقوا من تحبّون فالحياة لن تدوم”

طوال أيّام العدوان على لبنان، كانت فَرَحْ تطل من قرى الجنوب، وفي كلّ تقرير رسالة تحدٍّ، وابتسامة أمل. وكانت تقاريرها قويّة وكان لكلماتها صدى في عقول الذين يعاينون العدوان الإسرائيلي على بلدهم للمرة الأولى، من أبناء جيلها، فيما يُستهدف زملاؤها وفي قلبها صورة المصوّر الصحافي الشهيد عصام عبدالله.

وفي وقوف فَرَحْ في طير حرفا صباح 21 تشرين الأول، كانت الإنسانية تقف لتقول إنّ الترهيب لا يجب أن يكتم الصوت. فرغت فَرَحْ من رسالتها، وجلست لترتاح، فكان الردّ الإسرائيليّ واضحًا. صاروخ أسكت فَرَحْ، فتناثر شعرها على التراب، وانغرست يدها في الأرض. هوت الفارسة، بطلة الصورة والكلمة، وقعت أرضًا، ووقعت معها قلوب من أحبّوها، ومن زاملوها ومن رافقوها، ومن سمعوا صوتها وعرفوا وجهها.

كان لفَرَحْ في يوم تشييعها عرس ووداع. فَرَحْ رحلت عروسًا يتناثر فوق جثمانها الورد والأرز، مشينا يومها مع مجرى نبع الضيعة من ساحة مشغرة نزولًا نحو جبّانتها (مقبرتها)، وكلمات فَرَحْ الأخيرة في بالنا: “عانقوا من تحبّون فالحياة لن تدوم”. وهناك قرب المثوى الأخير وفيما كانت الشمس تدنو من المغيب الذي تحبّه فرح، كان الندى يتجمّع فوق تراب القبر، وبتلات الورود المتناثرة عليه تتألق. دفنت فَرَحْ، وجاور قبرها شهيدتان من قريتها: مريم يوسف (1967-1988) وليلى عمار (1964-1988)، قضيتا في غارة إسرائيلية على مستوصف الهيئة الإسلامية في مشغرة، وفقًا لما تقوله شاهدتا قبريهما. وفي هذه القبور الثلاثة المتراصّة في جبّانة مشغرة، شهادة على أنّ القتل على هذه الأرض قديم، والجرائم هنا عتيقة، ومتتابعة، وضمن هجمة واحدة، هجمة ضدّ الإنسانية.

مشغرة ودّعت فَرَحْ بالورود والأرز وعلى وقع الزغاريد
أطفأت فَرَحْ شمعة سنتها الـ25 في 16 حزيران الماضي
انشر المقال

متوفر من خلال:

إعلام ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية