عن المقارعة العلميّة التي أثبتت عدم جدوى سدّ بسري وتدميره للمرج


2020-09-07    |   

عن المقارعة العلميّة التي أثبتت عدم جدوى سدّ بسري وتدميره للمرج
بسري من جهة المعبور الرّوماني أسفل مزرعة الشوف

أنتج إبلاغ البنك الدولي الحكومة اللبنانية إلغاء الجزء المتبقّي من القرض المخصّص لتمويل مشروع سدّ بسري، وبالتالي توقف السدّ، ثلاثة مشاهد أساسية في لبنان: أوّلها توظيف مناصري التيار الوطني الحر، حامل لواء السدّ وراعيه، ما حصل في خانة الكيديّة السياسية، وإصرارهم على أنّ حزبَي التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية هما اللذان أوقفا المشروع ومنعا المياه عن بيروت والضاحية وجزء من ساحل جبل لبنان (مع العلم أن الاشتراكي والقوات التحقا برُكب المعارضين بعد أشهر من اقتحام الثوار للمرج وتحريره من آليات المتعهد). المشهد الثاني تلخّص بحلقات النقاش التي عقدها بعض ثوّار انتفاضة 17 تشرين في مرج بسري لتقييم تجربة معارضة السد لاستخلاص الدروس في قضايا أخرى. أما المشهد الثالث فقد صنعه الناس الذين تهافتوا مبتهجين ليحتفلوا باسترداد المرج وبالأمل النادر اليوم في مرحلة تعتبر من الأصعب في تاريخ البلاد.

فقد بدا بوضوح أنّ مؤيّدي السدّ وخصوصاً التيار الوطني الحر أرادوا وضع معركة معارضة سد بسري في إطار سياسي وكيدي ليصوّروا أنّ الحياة السياسية ما زال يختزلها التخاصم بين هذه القوى من دون أن يكون للناس وانتفاضة 17 تشرين أيّ دور فيها. وفيما غرّد رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل أنّ لبنان سيضطر أمام حاجة بيروت والضاحية للمياه إلى العودة لتنفيذ السدّ وبكلفة أعلى، ذهب نائب كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار إلى التصريح أنّ “إرادة الشرّ انتصرت مؤخراً في قطع مياه الشفة والخدمة عن مليوني إنسان في لبنان”.

وفيما انتشرت حلقات الدبكة والرقص على وقع الأغاني الثورية في بسري ووفود المواطنين بالمئات للاحتفال باسترداد مرج بسري، عقد منتفضون من 17 تشرين، وخصوصاً من الذين دخلوا المرج وحرروه شعبياً في 9 تشرين الثاني، حلقات نقاش في المرج في اليوم الثاني لإلغاء السدّ مباشرة، لوضع تقييم أوّلي سريع لتجربة معارضة المشروع. وشدّد هؤلاء على خاصّية حملة المعارضة لسدّ بسري وتميّزها، وخصوصاً تشكيل المقارعة العلمية التي اعتُمدت في مواجهة الحجج التي ساقتها وزارة الطاقة ومجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي لتنفيذ السدّ كحجر الأساس في رفض المشروع. ومع المعطيات العلمية التي انبرى لتقديمها علماء في الزلازل والجيولوجيا والزراعة والإقتصاد وتلوّث المياه وجودة المشاريع، استندت المعارضة إلى نضال أهالي منطقة حوض بسري وناشطين وناشطات من كلّ لبنان وجمعيات بيئية وحقوقيّة عدّة، نجحت في تحويل حماية مرج بسري إلى قضية وطنية بامتياز. وكان لافتاً توافُق جميع هؤلاء، على اختلاف مشاربهم، على جعل قضية بسري في رأس أولويّات القضايا المطروحة.

ومع تهويل رئيس التيار الوطني الحر ومناصريه، والنائب علي عمار، ممثلاً كتلة الوفاء للمقاومة، إضافة إلى مؤيّدين للسدّ، حول عطش نحو “مليوني شخص” كما قالوا في بيروت والضاحية وبعض ساحل جبل لبنان، طرح البعض تساؤلات حول أسباب رفض السدّ وبالتالي وقفه، وعن البدائل المتاحة للتزوّد بالمياه.

وكانت ثلّة من الخبراء والاختصاصيين في علم الزلازل (د. طوني نمر) والجيولوجيا (د. سمير زعاطيطي) والإقتصاد المائي (د. رولان رياشي) والموارد الطبيعية (د. ميرنا الهبر) وخبير الجودة (رجا نجيم) قد وضعوا دراسات تفنّد مخاطر وأضرار السدّ كلّ وفق اختصاصه، فيما وضع الناشط، وأحد مؤسسي حملة الحفاظ على مرج بسري المهندس رولان نصور تقريراً حول البدائل المتاحة عن السدّ، مستنداً إلى دراسة أجراها المعهد الفيدرالي الألماني (PGR). وقدمت معطيات الخبراء سلّة من الأسباب العلمية التي تجعل من معركة منع السدّ معركة وطنية بامتياز.

الخطر الزلزالي

تحدّد دراسة الاختصاصي في علم الزلازل في الجامعة الأميركية د. طوني نمر مخاطر السدّ الزلزالية بـ”وقوعه (وقوع السد) في منطقة فالقي روم وبسري الزلزاليين والمرتبطين ببعضهما البعض، وهي منطقة خطرة للغاية كون بحيرة السدّ ستغطي فالق بسري. ويمكنها (أي البحيرة) أن تحفّز الزلازل وتؤدّي إلى زلزال كبير. وأكّد دكتور نمر أنّ هناك إمكانية هائلة  لتسلّل الماء إلى باطن الأرض من خلال فالق بسري،  وحدوث الزلازل الناجمة عن الخزان (البحيرة)، وأنّ تحرّك فالق بسري يطلق الضغط على فالق روم بنشاط زلزالي خطير.

وادي الصخور الهابطة لا يجمع المياه

عاد الاختصاصي في علوم المياه الجوفية د. سمير زعاطيطي إلى دراسة الفرنسيين جيولوجية مرج بسري في إطار دراستهم لمنطقة جزين حيث وصفوا وادي نهر الأوّلي الذي يشكّل مرج بسري جزءاً منه، بالوادي الانخسافي-الانهدامي.

يقول د. زعاطيطي أنّ ” المياه الجوفية حفرت عبر التاريخ تحت منطقة وادي الأوّلي، وبسري ضمناً، مسارب وأنفاقاً مائية داخل صخور العصر الجوراسي (قبل 56 مليون سنة)، وبيّنت الآبار التي حُفرت في المنطقة في التسعينيّات هذا الانخساف حيث خسف أحدها في بنواتي (قضاء جزين) بعد اختراق فراغات كبيرة في صخور الجوراسيك الكربوناتية. كما حُفر حديثاً في بسري بئر خاص وخُسف أيضاً نتيجة وجود فراغات في صخور الجوراسيك الأعلى، وهي تقع على عمق يراوح بين 120 إلى 150 متراً، حيث وقعت الحفارة كلها، وخسفت الأرض من حولها بقطر لا يقل عن عشرين متراً. نتجت هذه الفراغات تاريخياً عن جريان وتذويب المادة الكلسية عبر المياه الجوفية الجارية في الأرض مما خلق، ويخلق فراغات كبيرة سببت وتسبب الإنخسافات المتتابعة للصخور التي تعلوها. وهذه التركيبة الجيولوجية لصخور بسري لا تسمح بتجميع المياه”.

ومع حصول انخساف للمنطقة، وفق زعاطيطي، بــين جزّين والشوف،  انجــرف الصّخر القاسي الذي كان السطح يتشكّل منه وكشف تحته الصخور الرملية الهشة، المعروفة بحجر رمل الأساس الذي يمثل قاعدة صخور العصر الطبشوري، وهو ما يشكّل بيئة مناسبة لنموّ الصّنوبر الذي تشتهر به المنطقة،  حرج بكاسين على سبيل المثال. ويتميّز هذا الصّخـر الرّملي بتمريره للمياه ويحتـوي على مقاطع صلصالية (أيّ مادة فخارية) تنتفخ مع تعرّضها للمياه، ثم تنزلق ممّا يــؤدّي إلى الانهيارات التي تشهدها المنطقة تباعاً. ويرى د. زعاطيطي أنّ “الصنوبر يمسك بتربة المنطقة بسبب جذوره الضاربة في العمــق بأمتار مما يؤدّي إلى تماسك التربة السطحية، ويمنع انهيارها الكامل باتّجاه النهر، وبالتالي في حال نزع الأشجار، زوال تلك التلال والهضاب في المرج حيث تتمركز أكثر من بلدة في قضاء جزين تحديداً”.

يقول د زعاطيطي “نحن لدينا منطقة بطبيعتهــا انهداميــة صخريــة تاريخياً وســوف نــأتي لنضــع عليهــا ثقــل الســدّ الرّكامــي بالإضافــة إلى ثقــل ميــاه البحيــرة التي من المفترض أن تجمع الميــاه. هــذه الأوزان ســوف تثقل على منطقة يمكــن تشــبيهها بالكعك الهـشّ الــذي تتخلّلــه فراغــات ستنســحق تحــت الــوزن وتنخســف في بعــض الأماكـن”.

ويؤدّي انخساف المنطقة حيث ثقل هذه الأوزان، وفــق زعاطيطي، إلى “إغـلاق المجاري المائية الجوفيــة، وبالتلي تؤدي إلى احتقان في المسارب الآتية مــن الشــرق، مــن ناحيــة مرتفعــات البــاروك، وســيؤدّي هــذا الاحتقــان إلى تفجّر هذه المياه على السّطح وجرفها لكلّ المنشآت الباطونيــة التــي تقــف في طريقهـا”. ويرى أنّ هــذا عمــل الطبيعــة منــذ الأزل، وأنّ إنشاء السـد في هــذه المنطقــة بطبيعتهــا التــي تحدثنا عنها يشكل تحدّياً وإعاقــة للمسار الطبيعي الجيولوجي والمنظومة البيئيــة في المنطقــة، وعناصرهــا مــن مــاء وشــجر وصخــر”.

سدّ بسري وإعدام الزراعة في قرى جزين والشوف

استملكت الدولة 570 هكتاراً في منطقة مرج بسري من أجل مشروع السدّ. 57% من هذه الأراضي زراعية. تقول اختصاصية الموارد الطبيعية د. ميرنا الهبر أنّ السدّ لم يكن ليطيح بالأراضي الزراعية التي تمتد عليها بحيرته (نحو 6 مليون متر مكعّب) فقط بل سيهدّد معظم الزراعات والمنظومة البيئية والمناخية في كامل منطقة حوض بسري ومعها الخضار والأشجار المثمرة والحرجية والمائية. وتردّ الهبر السبب إلى 10 أطنان من الرطوبة ستنبعث من البحيرة سنوياً في وادٍ مغلق ومزنّر بالجبال ومفتوح فقط على البحر عند مصبّ نهر الأوّلي. وتشكّل هذه الرطوبة بيئة مناسبة للأمراض الفطرية التي ستنتشر بكثافة وتقتل نحو 20 نوعاً من الأشجار المثمرة الموجودة في بسري وحوضه. كما ستغيّر هذه النسبة العالية من الرطوبة من خاصّية المنطقة المناخية وتنشر الأمراض الصدرية والتنفسية بين سكانها.

لا مياه كافية لجرّها إلى بيروت

إضافة إلى المخاطر الزلزالية يعلّق خبير الجودة رجا نجيم على تعهّد مجلس الانماء والإعمار بتخزين 125 مليون متر مكعّب في بحيرة سدّ بسري، مؤكّداً أنّ لا كمية مياه كافية من سدّ بسري طالما أنّ التغذية السنوية هي بحدود 50 مليون متر مكعّب سنوياً وما دون. ويستند نجيم في معطياته على معدلات تصريف نهر بسري.

ويفصّل نجيم أيضاً في خسارة المياه المخزّنة في بحيرة السدّ عبر التخزين الإلزامي لحماية حوض البحيرة (11 مليون متر مكعّب) وكمّية المياه الخاصّة بإقليم الخروب (4.5 مليون متر مكعّب) والتسرّب الطبيعي إلى جوف الأرض (9.5 مليون متر مكعّب) والتبخّر الطبيعي للمياه من جرّاء التخزين السّطحي المكشوف (10 ملايين متر مكعّب) إضافة إلى الكمية المحافظ عليها لصالح جريان نهر الأوّلي (15 مليون متر مكعّب).

وكذلك وفق مخطّط مشروع سدّ بسري يتعهّدون بتأمين المياه إلى بيروت والضاحية وفق الحسابات التالية:

  • 100  مليون متر مكعّب من نهر بسري بينما المعدّل العام لتصريفه يراوح بين 26 و87 مليون متر مكعّب سنوياً وفق مصلحة الليطاني،
  • 50  مليون متر مكعّب من بحيرة القرعون وهي ملوّثة بالسيانوبكتيريا القاتلة ومجموع المياه الوافدة إليها لا تصل إلى 510 ملايين متر مكعّب وهو الشرط الموضوع لضمّها إلى المشروع،
  • من 14 إلى 41 مليون متر مكعّب من عين الزرقا بينما تؤكّد مصلحة الليطاني أنّ مياه عين الزرقا تغذّي 35 بلدة في البقاع الغربي وراشيا ولا مياه منها للمشروع.
  • 5 إلى 17 مليون متر مكعّب من ينابيع جزين: هذه المياه تلبّي حاجّة بلدات وقرى جزين جرداً ووسطاً وساحلاً.

مياه مسرطنة لبيروت والضاحية

تؤكّد المعطيات ودراسات الخبراء ومن بينهم الاختصاصي في تلوث المياه الدكتور كمال سليم أنّ 50 مليون متر مكعّب ينوون جرها من بحيرة القرعون إلى محطة الوردانية وخلطها مع مياه بسري هي ملوثة  بالسيانوبكتيريا المسرطنة غير القابلة للعلاج، وأنّ مياه نهر بسري مخلوطة بمجارير 33 بلدة في جزين والشوف تسلّط مياهها الآسنة إلى النهر، إضافة إلى ثبوت تسرّب عصارة مكبّ الناعمة السامة إلى نفق جرّ المياه إلى الضاحية وبيروت. وهذه كلّها مياه غير صالحة للاستخدام وطبعا تأمين مياه الشفة لبيروت والضاحية.

بدائل نظيفة لتأمين المياه إلى بيروت

وفق البدائل التي أدرجها المهندس رولان نصّور مستنداً إلى دراسة المعهد الألماني الفيدرالي، يمكن تأمين مياه إلى بيروت الكبرى عبر إصلاح مكامن الهدر في نبعَي جعيتا والقشقوش البالغة 600 ألف متر مكعّب في اليوم أيّ أكثر مما يؤمّنه سدّ بسري يومياً، واستثمار فائض المياه الجوفية البالغ 2.1 مليار إلى 4.7 مليار متر مكعّب في السنة، وإصلاح شبكة المياه التي تهدر 48% في لبنان عامّة و40% في بيروت (حوالي 42 مليون متر مكعّب/سنة)، واستثمار مياه الأمطار في بيروت (825 ملم) معالجة 50 مليون متر مكعّب سنوياً من الصّرف الصحّي للاستخدام وليس للشفة، واستثمار 81 مليون متر مكعّب من نهر بيروت سنوياً.

لبنان بلد السّدود الفاشلة

يمكن لجردة سريعة على بعض السدود في لبنان أن تثبت فشل السياسة المائية التي تعتمد على السدود ومنها سدّي بلعة وبريصا على سبيل المثال وليس الحصر.

بدأ العمل بسدّ بلعة في 2014، فيما حضر فريق من وزارة الطاقة أواخر 2017 لإجراء دراسة الأثر البيئي للمشروع (يجب إجراءها قبل تقرير المشروع). كانت تكلفته نحو 18 مليون دولار وهي لامست الآن 70 مليون دولار ولم ينته السد. فوجئت” وزارة الطاقة بوجود نحو 25 بالوعاً في أرض البحيرة المزعومة فحقنتها بآلاف الأطنان من الإسمنت والصخور من دون جدوى. خرّب المشروع جزءاً كبيراً من أراضي المنطقة من ضمنها الأراضي التي يفترض أن يرويها.

أما سدّ بريصا الذي لم يجمع المياه حتى اليوم، فقد استدانت الحكومة اللبنانية 8 ملايين دولار في أيلول 2019  لترقيع أرضيته بعدما كان من المفترض إنهاؤه في 2003. قرض 2019 هو ثالث قرض لسدّ بريصا ولترفيع أرضيّته، ومع ذلك لم يجمع نقطة ماء واحدة بسبب طبيعة الأرض الكارستية كما أرض بسري. علّقت وزيرة الطاقة السابقة ندى بستاني على النقاش المحتدم حول بريصا بالقول: “لا يمكننا معرفة طبيعة الأرض قبل تنفيذ المشروع”، رغم أنّ هذه إحدى الدراسات الأساسية التي تسبق إقرار بناء سد من عدمه. قفزت كلفة سد بريصا على مدى 20 عاماً من 10 ملايبن دولار إلى 30 مليون دولار ولم ينتهِ بعد.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *