عائلات شهداء وجرحى الثورة ومطلب “سيب القائمة الرسمية”


2019-04-09    |   

عائلات شهداء وجرحى الثورة ومطلب “سيب القائمة الرسمية”

في 4 أفريل الجاري تجمعت عائلات الشهداء وجرحى الثورة ومناصروهم أمام مقر مجلس نواب الشعب في منطقة باردو قرب العاصمة التونسية رافعين شعار حملتهم “سيّب القائمة الرسمية” (تعني بالعامية التونسية أطلق سراح القائمة الرسمية). هذه الحملة، التي يحمل عنوانها مطلب نشر قائمة شهداء وجرحى الثورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية والمعني بالمطلب، رئيس الحكومة يوسف الشاهد، تزامنت مع وجود هذا الأخير في جلسة استماع، أملا بإمكانية تقديم طلب نشر القائمة مباشرة إليه. الأمر الذي لم يتحقق يومها. إذ شهد هذا اليوم تحركات عديدة خارج وداخل البرلمان النيابي[1].

حملة سيّب القائمة الرسمية

مطلب نشر قائمة شهداء وجرحى الثورة في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ليس بالجديد. بل كان من ضمن مطالب تحرك “للصبر حدود” في 2012 الذي أطلق مناصرة لمرسوم عدد 97 لسنة 2011 المؤرخ في 24 أكتوبر 2011 المتعلق بالتعويض لشهداء ثورة 14 جانفي 2011 ومصابيها. لكنه غاب بعدها في ظل تركيز هذا التحرك على متابعة قضايا الضحايا التي أحيلت على المحاكم العسكرية. ليعود من جديد في 9 أفريل 2016 مع إطلاق حملة “سيّب القائمة الرسمية”. جاء هذا التحرك في إثر رفض رئاسة الجمهورية نشر قائمة الشهداء الرسمية التي تسلمتها من الهيئة العليا للحقوق والحريات الأساسية المكلفة بالعمل على هذا الملف في 17 ديسمبر 2015. بالرغم من أن حجة رئاسة الجمهورية كانت قانونية وقتها. فبحسب قراءتها للأمر عدد 1515 لسنة 2013 المؤرخ في 14 ماي 2013 والمتعلق بضبط طرق سير أعمال لجنة شهداء الثورة ومصابيها، ارتأت أن يتم نشر قائمتي شهداء ومصابي الثورة معا، اعتبرت عائلات الشهداء وجرحى الثورة أن المماطلة بنشر القائمة ما هو إلا مناورة سياسة. الأمر الذي دفعهم للاحتجاج. شرح أ. علي المكي، منسق الحملة، خلال حواره مع “المفكرة”، “أن عائلات الشهداء وجرحى الثورة أرادوا الدفاع عن حقهم بنشر قائمة شهداء وجرحى الثورة لما فيها من بعد رمزي وأهمية وطنية تخلد الثورة التونسي وليس طمعا بالتعويض للضحايا كما أخذ يروج البعض”.

منذ انطلاقتها إلى اليوم، دعت حملة “سيب القائمة الرسمية” إلى العديد من الوقفات الاحتجاجية وأصدرت العديد من البيانات الرسمية التي وجهتها إلى المعنيين والسياسيين من أجل رفع أصوات عائلات الضحايا أملا بتحقيق المناصرة الكافية للضغط على رئاسة الحكومة لنشر قائمتي شهداء ومصابي الثورة. حدثنا “المكي” عن “قافلة سيّب القائمة الرسمية” التي انطلقت من تونس العاصمة باتجاه ولاية القصرين، وهي عاصمة الثورة التونسية لما قدمته من شهداء وجرحى، في منتصف أفريل 2018، أيام بعد تسليم الهيئة العليا للحقوق والحريات لقائمتي شهداء وجرحى الثورة إلى الرؤساء الثلاثة، الجمهورية، الحكومة، والمجلس النيابي. قال “المكي” أنه “كان لهذه القافلة بعد رمزي كبير. حيث استطاعت أن تبين للمنظومة الحاكمة كمية المناصرة والحشد الذي يمكن أن تحققه قائمة شهداء وجرحى الثورة. إذ تجمعت عائلات وجرحى الثورة من كل أنحاء تونس، جنوبها وشمالها في القصرين لمناصرة مطلب “سيّب القائمة الرسمية”.

عائلات الضحايا يثبتون حقهم في النفاذ إلى المعلومة

بعد تسليم الهيئة العليا لقائمتي الشهداء وجرحى الثورة في 2 أفريل 2018 للمعنيين الرسميين، باتت المماطلة السياسية الممنهجة من رئاسة الحكومة لنشر القائمتين واضحة. لذلك قررت حملة “سيب القائمة الرسمية” البحث والتشاور مع عائلات الشهداء وجرحى الثورة في كيفية الوصول لحق نشر القائمتين من خلال الوسائل الدستورية والقانونية. فما كان منهم إلا اللجوء إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة، حيث قدّم لها علي المكي، بصفته منسّقا للحملة، مطلبا للحصول على نسخة ورقية من القائمتين في حقّ الهيئة العليا للحقوق والحريات الأساسية في أفريل 2018. وقد حظي هذا المطلب بالقبول في 26 جويلية 2018. ولكن الهيئة المعنية بتنفيذ القرار اختارت الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية التي لم تحدّد بعد جلسة للنظر في هذا الملف الذي لا يزال في طور التحقيق. قال “المكي” أن الأسباب التي دفعت الحملة لتقديم هذا المطلب هي:

  •  أولا حسم الاستفهام الذي طرح حول من يحق له نشر القائمة قانونا، حيث تبين من خلال قرار هيئة النفاذ للمعلومة أن الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية هي المسؤولة عن النشر..
  • ثانيا، من المفترض أن يضع قرار هيئة النفاذ للمعلومة الحكومة أمام حكم قانوني واضح لا يمكن الفرار منه.
  • ثالثا، “أردنا تحويل قرار هيئة النفاذ إلى معلومة لمادة إعلامية يتم تداولها على نطاق واسع”. أكد “المكي” أن الحملة توجّهت إلى القضاء الإداري بتاريخ 27 نوفمبر المنقضي وقدّمت مطلبا لنشر قائمتي شهداء الثورة وجرحاها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية. من المتوقع أن تصدر نتيجة الحكم قريبا.

في الواقع، من خلال اللجوء إلى حق النفاذ إلى المعلومة تمكنت حملة «سيّب القائمة الرسمية» من تحويل مطلبها بنشر القائمة من مطلب رمزي إلى مطلب حقوقي ومن مطلب يخص عائلات شهداء الثورة وجرحاها إلى مطلب يخص كل مواطن تونسي حيث أنه يمس حقهم بالنفاذ إلى المعلومة. هذا ما أكده “المكي” للمفكرة. حيث حدثنا عن استضافته من قبل منظمة “أنا يقظ”، وهي من أبرز المنظمات التونسية التي تعمل على مكافحة الفساد وحق النفاذ إلى المعلومة، في افتتاحية مؤتمرها السنوي “النزاهة” للحديث عن حق النفاذ للمعلومة التي طالبت به الحملة. الأمر الذي حقق لها مناصرة كبيرة.

ممانعة سياسية؟

بسؤالنا عن أسباب عدم نشر القائمة من قبل الحكومة، تقول يمينة الزغلامي، وهي نائبة في البرلمان التونسي وأحد أبرز الوجوه السياسية المعنية بملف شهداء وجرحى الثورة، “أعتقد أن من أسباب عدم نشر قائمتي شهداء وجرحى الثورة من قبل رئاسة الحكومة هو أنها تعتقد بأن هذه القوائم من الممكن أن تسبب تحركات شعبية واسعة في الجهات التونسية. فعلى سبيل المثال في تالة، وهي مدينة تقع في الوسط الغربي للبلاد التونسية، هناك ما يقارب 30 شهيدا و500 جريحا. من الممكن ألا تشمل القائمة الرسمية النهائية كل هذا العدد. الأمر الذي من المحتمل أن يسبب احتجاجات يتم استغلالها من قبل أطراف تخلق زعزعة إيديولوجية في البلاد وفتنة يقحم فيها الشهداء والجرحى لأغراض سياسية. ردا على كلام “الزغلامي” يقول “المكي” أن أعداد شهداء وجرحى الثورة أقل من أن تسبب أي تحركات. كما قال “نشر القائمة تفتح المجال للمعنيين للطعن بشكل قانوني أمام المحكمة الإدارية، فلماذا سيلجؤون إلى الاحتجاج؟”.

حملة وطنية داعمة للقائمة

اليوم حملة “سيّب القائمة الرسمية” في طور التحضير لإطلاق مبادرة وطنية بالتعاون مع شخصيات سياسية وحقوقية وقانونية بارزة، على غرار مختار الطريفي نائب رئيس المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، لينا بـن مهني مدونة وناشطة حقوقية، ناجي البغوري رئيس نقابة الصحفيين التونسيين، الفة لملوم، مديرة مكتب إنترناشونال ألرت بتونس، وعبد الرحمان الهذيلي، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لرفع مطلب نشر القائمة بشكل وطني جامع. هذه الحملة الوطنية سبقها بيانات عديدة وجهتها منظمات وجمعيات تونسية مرموقة على غرار المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان بتونس، جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية. كان آخر هذه البيانات، دعوة وجهتها 17 منظمة وجمعية وفعاليات المجتمع المدني يوم الأربعاء 9 ماي 2018 للحكومة التونسية والمعنيين السياسيين للإسراع بنشر القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، معبرين عن رفضهم لما اعتبروه “تملصا واضحا” من مختلف مؤسسات الدولة ذات العلاقة بالملف من تحمل مسؤولية نشر قائمة شهداء وجرحى الثورة بالرائد الرسمي، بحسب البيان.

مقالات ذات صلة:

حوار مع ابتهال عبد اللطيف من هيئة الحقيقة والكرامة: النساء الضحايا اللواتي قررن أن يشهدن

حوار مع منسق عام اعتصام المصير: تضخيم عدد الضحايا أدى إلى حجب الضحايا الحقيقيين

حوار مع حسين بوشيبة: ننتظر جبر الضرر لأكثر من 40 ألف ضحية

مقابلة مع النائبة يمينة الزغلامي حول أداء هيئة الحقيقة والكرامة: نجاح في السماعات وفشل في معالجة الملفات

·الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية في تونس: العنوان القلق لمسار محاسبة حكم عليه قبل أن يبدأ بالفشل

·العدالة مشوّشة بصراع الإيديولوجيات في تونس: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

·العدالة الانتقالية في بعدها القضائي في تونس: قراءة من الخارج

·جريمة “الدولة الأمنية”: قضاة وأطباء يتواطؤون لرفع معنويات الجلاد

·قضايا في عهدة الذاكرة

·الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية في تونس: العنوان القلق لمسار محاسبة حكم عليه قبل أن يبدأ بالفشل

ضحايا الاستبداد في الفضاء العام، ولكن..

·السماعات العلنية لضحايا التعذيب: الجلاد حاضر رغم غيابه

·العدالة الانتقالية والمسارات الموازية

·كومكس || جلسات الاستماع العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة

·المكلف العام بنزاعات الدولة وهيئة الحقيقة والكرامة: قطيعة تتهدد مسار العدالة الإنتقالية في تونس

·جلسات الإستماع العلنية بين الحق في الحقيقة وكرامة الضحايا


[1]  كان للعاملين بدار الصباح وإذاعة الزيتونة للقرآن الكريم وقفة احتجاجية أمام البرلمان لمطالبة الحكومة بالإيفاء بتعهداتها مع الهياكل النقابية. كما احتج يومها سواق التاكسي على الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات. أما داخل البرلمان فرفع الأساتذة الجامعيون الباحثون صوتهم بوجه رئيس الحكومة للمطالبة بتوظيفهم داخل مؤسسات التعليم العالي الحكومية وتحسين ظروف عملهم. أمام كل هذا الاحتقان، ما كان من “الشاهد” إلا الانسحاب الفوري قبل بداية الجلسة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية