ضحايا الدكتاتورية، ضحايا مفهوم العدالة الانتقالية أيضا


2013-05-09    |   

ضحايا الدكتاتورية، ضحايا مفهوم العدالة الانتقالية أيضا

لازال أكثر من ألف ومائتي سجينا سياسيا تونسيا سابقا يصرون على مواصلة اعتصامهم الذي انطلق بمشاركة ستة آلاف وثلاثمائة شخصا منذ 17 جانفي 2013 بساحة الحكومة التونسية بالقصبة. ويرفع المعتصمون شعار تفعيل العفو التشريعي العام كمطلب لتحركهم. ويقصد بتفعيل العفو التشريعي العام المطالبة بالتطبيق الكامل  للمرسوم المؤرخ في 19 فيفري 2011 والذي تم سنه مباشرة في اثر الثورة بغاية رفع المظالم التي لحقت بالمساجين السياسيين خلال الحقبة الاستبدادية بما يسمح برجوعهم لعملهم وترميم مساراتهم المهنية والشروع في التعويض لهم لغاية إنهاء حالة الإقصاء الاجتماعي التي تعرضوا لها في سياق بداية اعتراف رسمي لهم بفضلهم في مقاومة الديكتاتورية وإقرار بمسؤولية الدولة عن الضرر الذي لحق بهم وبعائلاتهم.
وجد المساجين السياسيون أنفسهم سنة بعد الثورة في خانة التهميش بعد أن تحول ملفهم إلى موضوع صراع سياسي. فقد تمسكت عديد الحساسيات الاجتماعية والسياسية برفض التعويض لهم في الفترة الراهنة بحجة أن غالبيتهم تنتمي لحزب حركة النهضة الحاكمة وأن موازنة الدولة التي تعاني من صعوبات هامة بسبب ما أعقب الثورة من ركود اقتصادي تعجز عن صرف التعويضات. ورضخت السلطة للضغط الحاصل واكتفت بتمتيع من كان منهم يشتغل بمؤسسات الدولة من الرجوع لسالف عمله دون إصلاح لمساره المهني ومكنت عائلة كل سجين من حق تشغيل يشمل فردا منها.
حاولت الطبقة السياسية والحقوقية في بداية الاعتصام تجاهله بدعوى أنه تحرك سياسي من أنصار الحزب الحاكم غايته إيجاد غطاء سياسي يمكنه من صرف التعويضات رغم الاعتراضات الحاصلة. وتمسكت كل الأطراف بما في ذلك الحكومة بضرورة إرجاء ملف المعتصمين لما بعد سن قانون العدالة الانتقالية بدعوى أن تلك العدالة وحدها الكفيلة بحل المشكل.
 دفع  إصرار المعتصمين على مواصلة تحركهم ورفضهم التعاطي معهم كظاهرة اجتماعية تجلب الشفقة عديد الأطراف وخاصة منها الحقوقية الى الإعلان لاحقا باستحياء عن مساندتها لتحركهم. وأضحى الطرف الحكومي يجد حرجا في التعامل مع المعتصمين بعد أن فشلت محاولات تقديم حلول تتمثل في معالجة بعض الوضعيات الاجتماعية رفضا من المحتجين. وأنذرت محاولة أحد المعتصمين يوم 27 أفريل 2013 الانتحار بسكب البنزين على جسده بخطورة الوضع وبينت درجة الإحباط التي وصل لها قدماء المساجين السياسيين .
لم تفلح وعود العدالة الانتقالية في نزع فتيل الأزمة. وعلى نقيض ذلك كشف الاعتصام أن مقولة العدالة الانتقالية في تونس مفهوم يعيش أزمة. كانت تونس طوال السنتين الماضيتين مزارا لخبراء العدالة الانتقالية وتأسست عديد الجمعيات التي تهتم بالموضوع وبعثت الحكومة وزارة كاملة للعدالة الانتقالية. وبعد صراع من الأطراف المتعددة حول من يمتلك الحق في بناء تلك العدالة ويحتكر خبرة الحديث فيها،  اتفق الجميع على عقد ندوات وملتقيات وجلسات عمل مشتركة لغاية سن مشروع متكامل للعدالة الانتقالية، وانتهى الأمر إلى صياغة مشروع قانون قدم للمجلس الوطني التأسيسي عدته الأطراف التي شاركت في صياغته رائدا على اعتبار أنه كان ثمرة تعاون الخبراء في العدالة الانتقالية والذين يفقهون كنهها.
تحولت العدالة الانتقالية بفعل سطوة النخب إلى حديث صالونات وموضوع ندوات تعقد بالنزل الفاخرة وتحظى بتغطية إعلامية واسعة ومشروع مؤسسات تتكفل بالبحث والتقصي لتحدد التعويض والعقاب ينتظر الجميع تأسيسها ليتنافسوا على المشاركة في هياكلها. وفي هذا السياق، وعلى هامشه أتى اعتصام الصمود ليكشف أن الحديث المطول عن العدالة الانتقالية وآلياتها أدى الى تواصل معاناة من تتحدث باسمهم ودفعهم للانتفاضة. لم يلتفت معتصمو الصمود لحديث رجال القانون عن مشروع قانونهم للعدالة الانتقالية وكان موقفهم مبررا على اعتبار أن استمرار معاناتهم ومعاناة أسرهم بعد الثورة التي ساهموا بنضالهم في تحقيقها بدا لهم أمرا لا يمكن بحال أن يبرر.
حوّل المفهوم المعلب للعدالة الانتقالية كل تدخل يهدف لإنهاء تواصل المظالم التي نجمت عن أخطاء الدولة التي تعسفت إلى عمل مدان لكونه يشكل سطوا على اختصاصات العدالة الانتقالية وانتهى الأمر بإقرار جماعي يقضي بوجوب تواصل الضرر في انتظار حلول كبرى. وضع  اعتصام الصمود الطرح المؤسساتي في أزمة يوم كان أنصاره يحتفلون بنجاحهم في بناء نظامه القانوني. طالب المعتصمون بتفعيل قانون سنته أول حكومة أعقبت الثورة وشارك عدد منهم في الاعتصام الذي أدى لسقوطها بعد أن قدروا أن الثورة لا تتحقق استحقاقاتها إلا برحيلها ورفضوا أن ينتظروا القانون الذي تبنته الحكومة التي يوالونها سياسيا و ساهموا بنضالهم في نجاحها السياسي. فكان طلبهم أن تتعدد مسارات العدالة الانتقالية وألا تختزل في مؤسسات قد يستغرق إرساؤها سنوات متعددة يفوت بعدها أجل الجبر الفعلي لضررهم.
كان بالإمكان أن تتحقق العدالة الانتقالية التي يتحدث عنها الجميع بسرعة أكبر لو أن تعويض وجبر ضرر ضحايا الاستبداد حظي بأولوية في التشريع والتصورات بعيدا عن المقاربات والأطروحات النظرية  بما يزيل الاحتقان ويسمح بالمصالحة الوطنية في إطار من العفو يصنعه الضحايا بعد أن طيبت المجموعة الوطنية خاطرهم وحدت من معاناتهم وكشفت لهم عن احترامها لدورهم التاريخي وثقتها في دورهم المستقبلي في بناء الدولة العادلة. غير أن البحث عن الحلول الجامعة عمّق مأساة الضحايا فجعلهم يشعرون بتجدد الظلم ضدهم وهم يشاهدون من ظلموهم ومن لم تكن لهم شجاعتهم في التصدي للاستبداد يمرون يوميا من أمام مقر اعتصامهم إلى أعمالهم في وقت يطلب فيه منهم أن يواصلوا اجترار مأساتهم في عهد ثورة صنعوها بشبابهم إلى حين تحقيق محاسبة قد لا تأتي وتعويض قد تسبقهم المنية قبل توصلهم به.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية