شعبويَة سعيَد: نهاية السياسة والقانون


2023-07-07    |   

شعبويَة سعيَد: نهاية السياسة والقانون

في كل مرّة يحصل فيها خرق للحقوق أو الإجراءات أو المؤسسات منذ 25 جويلية 2021، تؤكد بعض الأصوات على أنّه من غير “العقلاني” سياسيا تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية ما يحصل. ويؤكّد أصحاب هذه القراءة على ضرورة الانتباه إلى أن هناك قوى أخرى تستفيد من هذه الخروقات. وإذ يبرّرون “مسك العصا من الوسط” بمصلحة الوطن ومصلحة الشعب، يفوتهم أنّ قراءة مماثلة متهافتة من الداخل، وليس فيها من الصحة سوى توظيف معطى عن الصراعات الموجودة التي لا يمكن إنكارها. غير أنّ هذا الصراع لا يقدّم فيه الرئيس دليلا يسمح بالقول أنه قادر على إنهائه أو تغيير توازناتِه. ذلك أن تصوّر وتمثّل الرئيس نفسه للمصلحة وللشغب يطرح إشكالا جدّيا. فهي مقدّمة لحالة شعبوية عامّة لها نتائجها، وأهمّها أنّ القانون والمؤسسات تتحوّل في ظلها إلى تقنيات يسهل توظيفها سواء من الزعيم الشعبوي أو من غيره. فعندما يفتح الشعبوي الباب “لتسييل” القانون والمؤسسات، بحجة تجاوز الشكلانيّات، حتى تجري كما يتصور طبقا لارادة الشعب، لن يكون قادرا على ضبطها. وهي الحال تقريبا في كل التجارب المقارنة. فكما يوظفها الزعيم الشعبوي تظهر طبقة جديدة من الوصوليين يستفيدون من السياق الموجود. وتصبح الظروف ملائمة للفوضى والتوتر. في المقابل، ينتهي التعويل على التقدير الإيجابي لشخصه في فهم ما يحصل وتبريره بملاحظة أنه جزء من منظومة كاملة لا تحسم فيها النوايا شيئا. بل على العكس يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف كبيرة جدا. وفي تفسير ذلك ثمة ما يقال من الناحية السياسية والقانونية بتتبع أثر الخطاب الشعبوي في لعبة الفعل والسلطة السياسييْن.

عندما تتسرّب الشعبويّة إلى الفضاء السياسي تسحب منه استقلاليته لصالح تصوراتها الخاصة. ثمة مستوى “ميتا-بوليتيك” خارج السياسة يُهندسها ويُحدّد طبيعة العلاقات داخلها. وفي نفس الوقت يرتبط بهذا التحول الباثولوجي ظهور مستوى ميتا- قانوني يؤثّر على الأدوات القانونية العزيزة على رئيس الجمهورية. ضمن هذا المستوى الخارج على السياسة والقانون، نحن إزاء تصوّرات هلامية تُعوّل على العواطف والرمزيات والتمثلات التي تثير المتلقي، في حلّ من المعهود من ضوابط المفاهيم والإجراءات والهياكل في الدولة. بالتوازي مع ذلك، الأخيرة، تحت وصاية الزعيم الشعبوي الخطابية، تكتسب مضامين مُغايرة تؤثر على الفضاء السياسي.  بكليْهما لا يمكن الحديث عن سياسة وقانون بمرجعية واضحة متفق عليها حتى يتم التداول والصراع حولها بين أطراف عدّة. بل نتحدث عن سياسة وقانون حلّ في جوهرهما طابع شعبوي غيّر من طبيعتهما ومن دلالتهما. يلعب مفهوم الشعب في ذلك، وفق التصور الشعبوي، دورا محوريا وأساسيا. فشعب الشعبوي يخلق ميتا-سياسة ينفرد بها الزعيم للتحكم في الصراع السياسي، وصولا إلى ميتا-قانون اجتمع اليوم من الأدلة ما يكفي للتأكيد على خطره على المجتمع والدولة. ما يعني أن محاولة مسك العصا من الوسط في خضم الشعبوية لن يؤدي إلا للرقص على إيقاع الهيمنة الشعبوية أو على إيقاع غيرها من المستفيدين منها. بينما يبدو الأجدر محاولة العودة إلى مربع سياسي وقانوني له ضوابطه الصارمة يسمح باستعادة عصا القوة والهيمنة في أفق شرعية ومشروعية تؤطرها الديمقراطية قبل الوقوع ضحية لها. لعله بذلك يمكن تجاوز هنّات السياسة والقانون التي لم تكن الشعبوية إلا دليلا عليها.

شعب الشعبوي: من الميتا-سياسي إلى التسلطية

بمجرد أن نشير إلى الميتا-سياسي يحضر غرامشي بوصفه من أعطى لهذا المفهوم العمق اللازم عندما أعاد موضعة الهيمنة في مستواها الثقافي والأيديولوجي قبل المستوى السياسي بالمعنى الضيّق. لكن يجدر في البداية، قبل الخوض في شعبويّة سعيّد، الإشارة إلى الميتا-سياسي كما استعملته شعبويات أخرى في العالم. فماريون ماريشال لوبان على سبيل المثال تؤكد دائما على أن المعركة الثقافية -الميتا-بوليتيك- هي الأولوية الكبرى بالنسبة لها. جاء ذلك في إعلانها عن تأسيس أكاديمية للقيادات. والهدف هو صناعة طبقة سياسية مُتشبعة “بالثقافة والمعرفة والقيم الحضارية الفرنسية” قادرة على الفوز بالانتخابات.[1] إنّ المثير في هذا التمشي أنّه يتموضع في نفس المربع الشعبوي لكنه يأتي ضمن استراتيجية متكاملة توظف اللعبة الديمقراطية والخريطة الأيديولوجية لصناعة الشعب الذي تروم الدفاع عنه. في مثل هذه التجربة السياسية يمكن ملاحظة قدرة الشعبويّة على اختراق اللعبة السياسية من دون أن تتحول إلى أيديولوجيا متكاملة، تأكيدا لطرح كاس مود (Cas Mudde) عن أنها إيديولوجيا “رقيقة” (Thin Ideology)،[2] مع استغلال المعطى الثقافي. فماريون ماريشال لا تطرح على نفسها مهمة الصراع الطبقي في لعبة الهمينة ولا هي تعيد تكريس التصورات الليبرالية بقدر ما تراهن على إعادة حشد الفرنسيين من أجل شعبها الخاص، شعبها الفرنسي بالذات. لعله هنا تبرز لعبة الخروج على السياسة للعودة إليها والهيمنة عليها.

لا تعادي الشعبوية الديمقراطية لكنها تستغلها عبر إعادة هندسة مجالها. تبدأ لذلك بسيادة الشعب، ذلك الكيان المتعالي والنقيّ والعصيّ على الانقسام والفاعل السياسيّ الوحيد. فهو الكلّ المتجانس ضد النخب، كبديل عن تضاد الأحزاب والمنظمات الوسيطة في عملية تمثيله. فيما تُصبح ثنائية الأغلبية والأقلية وحدة كليَة مانعة وجامعة.[3] على هذا الأساس، تنسحب قيم التعدّد والتنوّع والاختلاف لصالح الانسجام والوحدة عبر تصوّر الإرادة الشعبية كجوهر تامّ لا كنتاج فعل سياسي مفتوح. فعليا تحدد الشعبوية جوهر السياسة مسبقا بتحديد سيادة الشعب، أما دور الزعيم فهو تنفيذ هذه السياسة.

يمثل إعلان 25 جويلية إعلان ولادة السياسة في شعبوية قيس سعيَد. فهو لا يخرج على ما تمّ بسطه أعلاه، من جوهرانية الشعب والتحديد المسبق لإرادته. ليمثل تركيز المسار سياسيا دليل انغلاق السياسة الشعبوية على نفسها. فلم يكن طابع الانفتاح والحوار الشكليين، عبر اللجان أو الاستشارة أو الاستفتاء،[4]  إلا تأكيدا على أنّ السياسة الممارسة محدّدة النتائج مسبقا لا يمكن التداول في شأنها بقدر ما هي تُنفّذ الإعلان الشعبوي عن جوهرها. لذلك كان لرئيس الجمهورية أن يختار خلافا لنتائج الاستشارة الوطنية وضع دستور جديد بدل تعديل الدستور القديم على سبيل المثال.

وبين الميتا-سياسة وسياسة التنفيذ ثمة لعبة ميتا-لغوية تتحكم فيها مرجعيات الخطاب السياسي للرئيس قيس سعيد. فـ”الشعب يريد” يُهيكل الخطاب مسبقا ولا يقوم الخطاب الرئاسي إلا بتقديمه لغويا بطرق مختلفة. وهذا ما يذكرنا بتبرّم الفاعلين السياسيين من كثرة التكرار الذي يشوب خطابات الرئيس. إلا أنّ التكرار في الحقيقة ضرورة ملحّة حيث أن التعبير عن جوهر الشعب “مهمة هيمنة سيزيفية” لا تنتهي لتضمين هذا الجوهر في تمثلات سياسية جديدة لا يمكن لها حصر الواقع، كأيّ تمثل آخر، خصوصا  وأنها تحاول إعادة بناء المجتمع حسب رؤيتها الخاصة.[5]

ضمن هذه الاستراتيجية، تسطو الشعبويّة على الديمقراطية وكلّ المفاهيم الحافة بها، خصوصا العدالة والمساواة في بعديْها الاقتصادي والاجتماعي بحجّة امتلاكها لمضمونها الحقيقي. تحتاج لذلك أن تنفرد بالسياسة ومؤسساتها كفاعل وحيد وحصري. ما يعني أن السياسة تنغلق على نفسها وتضيق أكثر فأكثر على غير الفاعل الشعبوي. كما توظّف كل المؤسسات السياسية لتضرب فرص الفاعلين الآخرين للدخول إليها، بل تحرص على إقامة “قداس تطهير” يشمل كلّ من يخالفها باسم “ميتافيزيقا الشعب” لطردهم منها، إلى أن يصبح كل حضورهم لا ضرورة له ويمتنع على المتلقي قبوله. لا يفاجئنا لذلك حرصها في الوقت ذاته على كلّ هذه الإيقافات الممنهجة أو الاعتباطية، والتضييق على جميع الناشطين في كلّ المجالات. إضافة إلى هيمنة سياسة التعيين حسب الولاء وتوظيف الأجهزة الصلبة في الدولة واحتوائها في محاولة لضمان ولائها.[6] فذلك من تبعات الميتا-سياسة التي تنحلّ فيها السياسة بمعناها المفتوح والمدني لصالح سياسة تنفيذ بطعم وصاية الزعيم الشعبوي الحريص على دمج كل شيء وتوحيده تحت يديْه. وبالتوازي مع ما سبق ستنتج سياسة الجوهرانية الشعبوية لعبتها القانونية الخاصة. فليس أفضل من القانون أداة للهيمنة والتسلط.

شعب الشعبوي: من الميتا-قانون إلى الأداتية القانونية

ليس غريبا أنّ الرئيس قيس سعيد قد حرص في خطابه على استعمال مدونة أدبيّة وتاريخية متعددة ومتنوعة. فهو يلتقي في هذا مع بوادر الشعبوية في الأدب الروسي والفرنسي خلال بدايات القرن العشرين. وذلك باعتبار أن الأدب هو الفضاء الأنسب لتجديد المعنى في العبارة عبر التقاط ما هو جديد في الواقع. حيث أنّ الأدب الشعبوي التقط “الجدد” في المجتمع الفرنسي على سبيل المثال ممّن لا يعرفهم الآخرون، وهم العمال والأجراء والفقراء الذين أصبحوا يمثلون أغلبية المجتمع الصناعي.[7] أي أنّ الأدب سمح برسم ملامح هؤلاء المغيبين في اللغة السياسية في محاولة لفرضهم على أجندة الحكم. ما يتشابه مع خطاب الرئيس الذي يريد تقديم معنى خاص ومختلف للواقع. وكما اخترق الأدب الشعبوي الذائقة والعاطفة والمُتخيل اخترقت مدونة الرئيس نفس هذه العناصر لدى المتلقي. فتواترت لديه الإحالة على المهمّشين والمفقرين أو الشعب كضحية تحتاج لأدوات قانونية جديدة لتجسيد إرادته.

من المفترض أن هذه الفورة الأدبية ستتحوّل إلى مفاهيم وإجراءات ومؤسسات تعكس ما يعتمل شعبويا في التصور والرؤية للواقع. غير أنّ الشعبوي أديب سيء في الحقيقة، حيث أنّ التعبير عن الشعب ليس إلاّ صورة عاطفية ومغرقة في الوهم، حيث تفترض أنها تتخلص من العالم القديم فيما هي تُغطي على واقعه. لذلك لاحظ بعض المختصّين في الأدب الشعبويّ مثلا أن تجارب الأدباء الشعبويين تطوّرت تدريجيا من الواقعية إلى اكتساب طابع أخلاقي. وهو ما يستقيم في الأدب لجهة أن السجلّ لا زال في مستوى مُتخيل عن المُثل والقيم والأفكار. ما يعني أن الأدب الجيد لا يتحوّل إلى خطاب قانوني في نهاية الأمر. فيما تحافظ الشعبويات على طابعها الأدبي الرومانسي وتنفصل تدريجيا عن الزمان والمكان[8]، للحفاظ على الصلة بجوهر الشعب المُتخيَل.

وكمثال على ما سبق يمكن تناول النص الدستوري. فقد حفل بدوره باستعمال ركيك وغير موفّق للّغة الأدبية على حساب صرامة المفاهيم والمصطلحات القانونية. خصوصا وأنّ اللغة الأدبية هي الأفضل للحفاظ على الصلة بالشعب كجوهر ميتا-قانوني. ويمكن تفسير سوء صياغة النص الدستوري بصعوبة الانتقال من سجلّ لغوي إلى آخر. فالانتقال من رحابة الأدب مع عدم التمكن منه إلى السجل القانوني الذي له ضوابطه المعرفية عسيرٌ جدا، يقتضي التمكن من كليهما دون اختراق أحدهما للآخر، رغم صعوبة ذلك أيضا بالنظر إلى ارتباطهما. فاللغة القانونية “صنعة” معرفية دقيقة وحساسة ترتبط بها رهانات نظرية وبراغماتية في الدولة والمجتمع[9]. وتتطلب تهذيبا يُسقط ممكنات الالتباس والغموض.

إلاّ أنّ الفارق في الشعبوية القيسيّة هو الحفاظ على الفورة الأدبية المجردة وانتقالها إلى المستوى القانوني. طبعا بدأ الأمر بخطاب ساد طويلا خلال المراحل الأولى لـ”مسار 25 جويلية” يؤكد تشابهه مع غيره من الشعبويات عبر التأكيد على رفض الشكلانية. الأخير يتستّر على رؤية تحطّ من القانون (طبعا القديم) إلى مستوى التقنية الفاسدة والتي يجب تغييرها بكل الطرق الممكنة تجسيدا لإرادة الشعب. فهي القانون الأصلي والتأسيسي. وبما أنّ الشعب تحول إلى جوهر ميتا-قانوني مجرد كسلطة تأسيسية متعالية فالجوهر أولى ويتقدم على الشكل. ما يُفسر مثلا أن يحكم الرئيس في فترة أولى بأجزاء من دستور 2014 والمراسيم وصولا إلى الأمر الترتيبي عدد 117 لسنة 2021. فعليا كانت جميعها هي الدستور الظاهري لباطن وجوهر الشعب الواحد. وطالما كانت، وفق المنطق الشعبوي، إرادة الشعب هي الحاكمة، فلا غضاضة في تجاوز الشكليّات والإجراءات والمؤسسات. ولا غضاضة أيضا في أن يكتب الرئيس وحده دستورا على مرّتين بنسختين. وما الأخطاء التي تسربت إليه سوى انعكاس للمرور من جوهر الشعب غير القابل للحصر إلى النصّ القانوني. وما دور الرئيس أيضا إلاّ تحقيق وتفعيل تفويض الشعب له ليؤسّس باسمه دائما. إنه يمارس بتفويض السلطة التأسيسية الدائمة للشعب.[10]

هنا أيضا يبرز “إعلان 25 جويلية” مرة أخرى كإعلان قانوني-دستوري في الهندسة الشعبوية للمنظومة القانونية. فهو عبارة على إعلان تأسيسي يجسد إرادة الشعب التأسيسية الدائمة. ما يفسر آليا محورية الزعيم الشعبوي في تجسيد هذه الإرادة. جاءت التوطئة للتأكيد على هذا المعطى: فمن “موقع الشعور العميق بالمسؤولية التاريخية”…”كان لا بدّ”..” من تصحيح مسار الثّورة، بل ومن تصحيح مسار التاريخ، وهو ما تمّ يوم 25 من شهر جويلية من سنة 2021، تاريخ ذكرى إعلان الجمهوريّة.”[11] ما يعني أن إعلان 25 جويلية هو بمثابة التأسيس الذي يعيد الربط بين إرادة الشعب وواقعها.

وباسم التفويض الشعبي في إعلان 25 جويلية يتم شرعنة الإجراءات التي تمّ اتخاذها. ومنها كتابة الدستور بصورة منفردة باعتبار أنّه تقنيا شكل يجب أن يعكس الجوهر الشعبي. لذلك غابت المفاهيم المعهودة في الدساتير. لعل أهمها الفصل بين السلطات التي تحولت إلى وظائف. وانعكست على دور الحكومة الذي ينحصر في تنفيذ سياسات يرسمها صاحب الإعلان التأسيسي عن إرادة الشعب.[12] من دون أن ننسى استتباع الوظيفة القضائية، الضحية المفضلة للشعبويات،[13] ضمن نظام رئاسوي.

تبدو لنا على هذا الأساس أن الطبيعة الإلزامية للقاعدة الدستورية قد انزاحت منها نحو الإعلان التأسيسي في 25 جويلية المتصل بجوهر الشعب الميتا-قانوني. ما يسمح بالقول أننا إزاء وثيقة تنفيذية كغيرها من النصوص في سلم القواعد القانونية. ما يطرح سؤالا جديا حول تأويل النص الدستوري.

أولا، من حيث خلفية كتابة النص الدستوري بمرجعية ميتا-قانونية شعبوية، لن تكون دلالة النصّ مرتبطة به في ذاته خصوصا مع سوء الصياغة والغموض الذي يكتنفه. بل ستكون حصرا في إرادة المفوَّض له الرئيسي باسم الشعب والذي جسّد الإعلان التأسيسي في 25 جويلية. وهو ما يتماشى ثانيا مع الإطار الدستوري الموضوع للمحكمة الدستورية. فهي هيئة يُعيّن رئيس الجمهورية أعضاءها من القضاة وله أن يعزلهم وهي خالية من المختصين في القانون الدستوري والأكاديميَين.[14] تنغلق بذلك الدائرة الدستورية على إرادة رئيس الجمهورية وحده في تناسق مع المنطق الشعبوي الذي يصوغ القانون من خارجه تبعا للشعب المُتخيًل.

إن كانت الشعبوية في التجارب الديمقراطية العريقة تُعتبر نتاجا لأزمتها، حيث يتسرب ضحايا الهيمنة الثقافية والايديولوجية للطبقة الحاكمة من ثغرات التمثيل بالدفع بممثلين لهم من خارج النمط السائد، فما الذي يجعلها تحضر بقوة في دولة ومجتمع تاريخ الديمقراطية فيها هو تاريخ الفشل في الانتقال إليها؟ كأنّ الضحايا، وهم لم يستفيدوا من الديمقراطية ولا عاشوها بما يكفي، مرّوا مباشرة إلى غيرها. لعله يمكن تفسير ذلك مرحليا بفشل الانتقال نفسه في تحقيق الارتباط المتوازن والصحي بين السياسي وبين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بحيث يصبح كل تغيير في أحدهما مُتغيّرا فاعلا في إحداث تغيير مقابل في الجهة الآخرى. لكن الشعبوية، وإن أعادت طرح نفس السؤال، لكنها بتعاليها بالشعب تمهد لوقوعه بشدّة. فالتعلق بالجوهر لا يصمد طويلا أمام حركية الواقع وتعقيده واختلافه. تلك الفرضية التي لا يمكن مجابهتها إلا بسياسة وقانون تجدد روافدها من واقع الشعب نفسه لتسمح له بالتجدّد، ولتسمح له بالحكم بنفسه وعبر أدواته لا عبر صورته في مرآة الرئيس الشعبوي.


[1] Charlotte Belaïch, «Métapolitique», notion magique de la frontiste, Libération, 30 mai 2018, consulté le 22/06/2023. Lien: https://shorturl.at/coqAO

[2] حوار مع الباحث المغربي الدكتور سعيد الصديقي: لا يمكن الحديث عن حركة شعبوية قوية خارج السياق الديمقراطي، مؤمنون بلا حدود، 20 أوت 2021، تاريخ الإطلاع 04/07/2023. الرابط: https://shorturl.at/zAEN1

[3] Paul Blaukker, Populist Constitutionnalism, in Routledge Handbook of global populism, edited by Carlos de la Torre, Routledge, 2019, pp. 194-196.

[4] تونس.. قيس سعيد يعلن تشكيل لجنة لصياغة دستور “جمهورية جديدة”، موقع الجزيرة، 02/05/2022، تاريخ الإطلاع: 05/07/2023. الرابط: https://shorturl.at/qsCY7

[5] Yannis Stavrakakis, Populism and hegemony, in the Oxford handbook of populism, 2017. DOI: 10.1093/oxfordhb/9780198803560.013.26

[6] عدنان منصر، “تطهير الإدارة”…حول بعض مآزق الشعبوية في تونس اليوم، إلترا تونس، 06/06/2023، تاريخ الإطلاع: 29/06/202. الرابط: https://shorturl.at/rtKW5

[7] Banks Athalie, Populisme et moralisme dans l’oeuvre d’Henri Troyat de 1935 à 1945, Thesis submitted to the faculty of graduate studies and research, McGill University, 1972, p11.

[8] Yannis Stavrakakis, Populism and hegemony, in the Oxford handbook of populism, p195, 2017. DOI: 10.1093/oxfordhb/9780198803560.013.26

[9] Jerzy Wroblewski, Les langages juridiques : une typologie, in Le discours juridique. Langage, signification et valeurs, Droit et Société, n° 8, 1988, pp. 13-27.

[10] غيث الشاوش، المعرفات الدستورية والقانونية للشعبوية، مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي، تونس، 17 جوان 2023.

[11] دستور الجهورية التونسية لسنة 2022، تاريخ الإطلاع 25/06/2023. الرابط:https://shorturl.at/hpyJ8

[12] غيث الشاوش، المعرفات الدستورية والقانونية للشعبوية، مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي، تونس، 17 جوان 2023.

[13] Paul Blaukker, Populist Constitutionnalism, in Routledge Handbook of global populism, edited by Carlos de la Torre, Routledge, 2019, pp194-196.

[14] انظر الباب الخامس من “دستور 2022″، تاريخ الإطلاع 25/06/2023. الرابط: https://shorturl.at/hpyJ8

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية