شركات الإسمنت تستأنف “نقل الستوك” بقرار من الداخلية وسط مخاوف من إعادة تشغيل المقالع


2023-04-13    |   

شركات الإسمنت تستأنف “نقل الستوك” بقرار من الداخلية وسط مخاوف من إعادة تشغيل المقالع
ما فعلته شركات الاسمنت في الكورة

استفاق أهالي منطقة الكورة في شمال لبنان قبل أيام قليلة على أصوات آليات يعرفونها جيدًا: إنّها آليات شركتي الإسمنت (هولسيم والسبع) العاملتين في نطاق منطقتهم الجغرافية واللتين تسبّبتا على مدى ما يقارب قرن من الزمن (باشرت هولسيم العمل في 1932) (والترابة الوطنية، السبع، في 1961) بوفاة العشرات من سكان بلدات الكورة وشكا بأمراض السرطان والقلب والجهاز التنفسي، عبر انبعاثات شركات تصنيع الترابة أو غبار المقالع والكسارات التي قضمت معظم أراضيهم وخراج قراهم، وهجّرت ناسها ودمرت ينابيعهم وهي تهدد بزوال قرى وأحياء بكاملها.

وعليه، ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الناشطين والمناضلين في الكورة بمناشير الاحتجاج واستنكار قرار السماح للشركات بالعمل بعد توقّفها في 15 شباط 2023، إثر انتهاء المهلة التي كانت ممنوحة لها وفق قرار مجلس الوزراء رقم 5 تاريخ 15 شباط 2022 ولمدة 12 شهرًا، متهمين وزارات البيئة والصناعة والداخلية بالتواطؤ في قتلهم مع أطفالهم وتدمير منطقتهم. وعزّز الناشطون والناشطات مناشيرهم بدراسات علمية تثبت بلوغ الانبعاثات السامّة والمضرّة بصحّتهم في منطقتهم المعدلات المسموح بها وفق معايير منظمة الصحة العالمية. ومنها دراسة قامت بها منظمة “غرينبيس” العالمية بالتعاون مع جامعات لبنانية تؤكد خطورة هذه الانبعاثات. شملت الدراسة بلدتي كفرحزير وفيع المنكوبتين في الكورة. وتعتبر منظمة الصحة العالمية أنّ “تلوّث الهواء مسؤول عن حوالي 11% من الوفيّات في جميع أنحاء العالم سنويًا ، وبالتالي يعتبر أكبر تهديد بيئي لصحة الإنسان” (WHO 2016).

وكانت “المفكرة القانونية” قد وثقت في عدد خاص عن الكورة، حمَل عنوان “الكورة في فم التنين” معاناة أهاليها مع شركات الإسمنت ومقالعها وكساراتها وقضمها لملايين الأمتار المكعبة من أراضيها وتهجير سكانها وتدمير بلداتها وأحياء عديدة وتهديد بلدات بأكملها بالزوال وسط شبكة مصالح وزبائنية وتغطية من عدد كبير من المسؤولين والممسكين بالسلطة.  

ونفى وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين لـ “المفكرة” أن يكون قد أصدر أي قرار يتعلّق باستئناف أيّ نوع من أنواع أعمال شركات الإسمنت حاليًا، مشيرًا إلى أنّ وزارته تعمل على وضع قواعد لكيفية إعادة تأهيل مواقع المقالع، وتم عرضها على مجلس شورى الدولة والمجلس الوطني للمقالع والكسارات، كما تعمل (الوزارة) على تحديد معايير نقل المواد المخزّنة (الستوك) “مع العلم أن هذا الأمر (نقل الستوك) ليس من صلاحيتنا”، وهي بصدد التشاور مع خبراء واختصاصيين لإنجاز هذا الأمر.

وفي التفاصيل التي حصلت عليها “المفكرة”، فإنّ وزير الصناعة جورج بوشيكيان أرسل كتاباً (حصلت “المفكرة” على نسخة منه، مرفقة) إلى وزارة الداخلية، (يحمل الرقم 522 تاريخ 5 نيسان 2023) تحت عنوان “نقل وطحن مخزون المواد الأولية المستخرجة دون القيام بأعمل الحفر”، لـ “أخذ العلم والمتابعة وإبلاغ القطعات والوحدات المعنية به، بالتنسيق مع وزارة الصناعة، لعدم التعرض للشركات (الترابة الوطنية، السبع، وسبلين، وهولسيم) عند استخدام هذه المواد دون الاستخراج، والالتزام بمجرى العمليات التصنيعية بجميع إنشاءاتها التابعة لتلك المصانع من كسارات ومطاحن وغيرها من النشاطات الملحقة بها، والتي تشمل الطحن وغربلة المخزون الموجود باستثناء أعمال الحفر، وذلك لمدة 45 يومًا من تاريخه”.

كتاب وزير الصناعة

ويبرر وزير الصناعة قراره بـ “أنّ الشركات (المذكورة) بحاجة إلى استخدام منتوج الحفر (من دون استخراج) المخزّن لاستكمال أعمالها”. ويتابع في كتابه إلى الداخلية “أنّ استخدام المخزون دون الاستخراج يشكّل بداية عملية التصنيع عبر استعمال المواد الأولية المخزّنة، والمعتبرة مرحلة من مراحل التصنيع المرخص ولا شأن له بالمقالع والاستخراج”.

وفي ما يبدو تغليباً للصناعات المخالفة للقانون والمضرة بالبيئة وصحة الناس، ضمّن بوشكيان كتابه ما يلي: “يهمّ وزارة الصناعة أن تحافظ على استمرار عمل المصانع واستقرار السوق ولا سيّما مادة الترابة الأساسية في قطاع البناء المرتبط به عدد كبير من الصناعات الملحقة والموازية”. وحاولت “المفكرة” الاتّصال بوزير الصناعة من دون جدوى ولم يرد على الاتصالات ولا الرسائل المكتوبة. 

بدوره، ومع توثيقه كتاب وزارة الصناعة كـ “مرجع”، أرسل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال كتابًا (حصلت “المفكرة” على نسخة منه، مرفق) إلى محافظتي جبل لبنان ولبنان الشمالي، تحت عنوان “السماح لشركات إنتاج الترابة في لبنان بنقل وطحن مخزون المواد الأولية المستخرجة دون القيام بأية أعمال حفر جديدة” وحدد مدة السماح بـ 45 يومًا من تاريخ كتابه الصادر في 6 نيسان 2023. وأكدت مصادر الداخلية لـ “المفكرة” أنّ كتاب الوزير المولوي أتى بناء على كتاب وزير الصناعة. والمضحك المبكي في الموضوع أنّ كتاب الداخلية يشترط في تنفيذ قراره “التقيد بقانون السير بالنسبة لاحترام القدرة القصوى لحمولة الشاحنات والتغطية، والتقيد بساعات الدوام الرسمي وعدم العمل يومي السبت والأحد من كل أسبوع وكذلك العطل الرسمية”.

كتاب وزير الداخلية

ولا نجد في كتابي الصناعة والداخلية أيًا من التوجيهات أو الأوامر أو الإجراءات التي يجب على القوى الأمنية والمحافطين اتخاذها للتأكد من عدم استغلال الشركات لمهلة نقل المواد المخزنة للقيام بأعمال حفر جديدة في مقالعها، مع العلم أنّ الطحن يعني تشغيل الكسارات التي تعتبر مسببًا رئيسيًا أيضًا للغبار والانبعاثات التي تضرب صحة الناس.

وأشار عدد من أهالي الكورة لـ “المفكرة” إلى سماعهم أصوات أعمال في مقالع وكسارات الشركات توحي بعدم الالتزام بفحوى القرارين ولكن لم يتسنّ لنا التأكد من هذا الأمر.

وأكد رئيس جمعية “وصية الأرض” المهندس فارس ناصيف لـ “المفكرة” أنّ “لا أحد في الجمهورية اللبنانية يحقّ له الإذن بنقل الستوك منذ انتهاء المهلة المعطاة من قبل مجلس الوزراء لوزير الداخلية مع حلول 30 حزيران 2022، وأن هذه المهلة لم تجدّد في حين انتقلت الحكومة إلى تصريف الأعمال”.

ويأتي كتابا الصناعة والداخلية بعد 50 يومًا من انتهاء المهلة التي منحها مجلس الوزراء للشركات وفق القرار الرقم 5 بتاريخ 15 شباط 2022 والذي سمح بموجبه لشركات الإسمنت، (وبناء على عرض وزارتي البيئة والصناعة وطلبهما)، بالعمل لمدة 12 شهرًا (انتهت في 15/2/2023) و”تقديم ملف كامل يبيّن كميات المواد الأولية المستخرجة عن سنوات الاستثمار ابتداء العام 2004 ولغاية تاريخه عملا بأحكام المادة 61 من القانون الرقم 144 /2019″، (الموازنة العامة والموازنات اللاحقة لعام 2019).

وكان مجلس شورى الدولة قد أصدر بتاريخ 19/1/2022 قرارين قضائيين بإبطال قرارات إدارية بالترخيص لشركات الإسمنت بمواصلة أعمالها في المقالع. القراران صدرا عن الغرفة الثانية: الأول في الدعوى التي رفعها اتّحاد بلديات الكورة بالتعاون مع “المفكرة القانونية” ضدّ قرار حكومة الحريري في 10/8/2019 بمنح مهلة ثلاثة أشهر لمواصلة استثمار المقالع كافّة، والثانية في الدعوى التي رفعتها جمعية وصية الأرض (جمعية بيئية) أيضًا بالتعاون مع “المفكرة” ضدّ القرار الصادر عن وزير الداخلية السابق محمد فهمي بمنح مهلة لمواصلة استثمار مقالع شركات الإسمنت في تاريخ 19/3/2021.

انشر المقال



متوفر من خلال:

سلطات إدارية ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية