سعيّد والجمعيات: قُرعت طبول المعركة


2024-02-05    |   

سعيّد والجمعيات: قُرعت طبول المعركة

بينما تتواصل الحرب على غزة مخلّفة الدمار والتّقتيل٬ يخرج قيس سعيّد لإعلان حربه على “الخونة والعملاء” من الجمعيات والمنظّمات مصرّحا بأنّ “صواريخه على منصّاتها” ومشيرا بأنّه سيطلقها في أيّ لحظة ليصيب “أعداء الدولة وعملاءهم بالداخل”. وإن كان الخطاب الحربي والتخويني ليس بجديد على سعيّد، إلاّ أنّ استعماله في سياق الحرب على غزّة يعطيه أثرا مختلفا، خصوصا حين لا يتردّد في استغلال قضيّة تحرّر الشعب الفلسطيني لتبرير قمعه لحريات التونسيّين ولتحشيد المواطنين المنهكين من الأزمة الاقتصادية حول حرب وهمية لا تدخل ضمن أولويّاتهم. ولعلّ خطابات الرئيس الأخيرة، والمساعي التشريعيّة لقبر المرسوم 88 لسنة 2011 والمتعلّق بتنظيم الجمعيات، وأبرزها المشروع الحكومي المسرّب، تؤشّر إلى أنّ “أعداء” هذه المرحلة هم المنظّمات والجمعيات.

خطاب الرئيس: سلاح التخوين وسرديّة “الانفلات”

لئن سبق للرئيس مهاجمة الجمعيات في خطاباته، إلا أنّها تكثّفت في الفترة الماضية بشكل لافت. بدأت الحملة الأخيرة في 24 نوفمبر، خلال لقاء جمعه برئيس الحكومة ووزيرة العدل ووزيرة المالية، حين تحدّث عن جمعيّة “تتلقى المليارات كلّ سنة وتحوّل هذه المليارات بطرق غير شرعية لتمويل أحزاب سياسية”، من دون أن يسمّي أو يقدّم براهين على ذلك. ثمّ، بعد أن فتح قوسين حول القضيّة الفلسطينيّة والنفاق الغربي الرسمي، مرّ مباشرة إلى اتهام الجمعيات بأنّها “امتداد لدوائر استخباراتية بالحجة والبرهان” بما يوجب “وضع حدّ لهذا الانفلات”.

بعد أسبوعين، في لقاء آخر مع وزيرة العدل[1] حول الفساد وملفّ الأموال المصادرة٬ كرّر الرئيس السردية ذاتها لتخوين الجمعيات وشيطنتها، بالاستناد إلى حصول منظمة واحدة من سنة 2017 إلى سنة 2023 على 7 مليون دينار من التمويل الأجنبي، ما اعتبره قرينة كافية على فسادها. ثمّ كرّر اتهامه المبني للمجهول، بأنها (الجمعيات) “استباحت الدولة وكانت امتدادا للأحزاب وحتى للمخابرات الأجنبية”. هكذا يصبح معطى التمويل، الذي لا يشكّل في حدّ ذاته عنصر جريمة، قرينة على “التخابر”.

سيناريو توجيه أصابع الاتهام للجمعيات ومحاولة التضييق عليها تكرّر عدّة مرّات في السنوات السابقة ولكنّ الحرب التي يقودها سعيّد ضدّها هذه المرّة تعدّ الأخطر على الإطلاق، ليس فقط لخطورة منطق التخوين، ولكن أيضا بالنظر إلى سياق الانفراد بالسلطة بقوّة الأجهزة الصلبة وإخضاع القضاء والتضييق على حرية التعبير. فهي خطوة جديدة في التحكّم في الفضاء العامّ وغلق مساحات الحرية.

أمّا سرديّة “الإنفلات” و”الفوضى” و”الفساد”، وهي ليست جديدة، والتي توجب حسب أصحابها تنقيح المرسوم 88، فتصطدم بمعطيات موضوعية وواقعية ذكّر بها كلّ من رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وممثلة منظمة محامون بلا حدود في ندوة صحفيّة[2]. إذ تخضع الجمعيات للإجراءات الرقابية والعقابية المتدرجة من التنبيه إلى تعليق النشاط ومن ثمة إلى الحلّ القضائي والمنصوص عليها بالمرسوم 88. كما تخضع أيضا للنّظم القانونية المتعلّقة بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال ومقاومة الفساد ولكلّ المؤسسات المتدخّلة بها ما ينفي الحاجة لأيّ تدخّل تشريعي لمراقبة عمل الجمعيات. وقد أفضت عمليات الرقابة طيلة السنوات الفارطة إلى تعليق نشاط 182 جمعية وإحالة 176 أخرى على القضاء ثمّ حلّ 69 جمعية منها[3]، وذلك من مجموع قرابة 25 ألف جمعية[4]. أمّا إذا كان هناك إشكال في الرقابة، فهو في حجم الموارد البشرية لإدارة الجمعيات. نستخلص من ذلك ثلاث نقاط مهمّة: أوّلا٬ لا حاجة لتغيير الإطار القانوني للجمعيات فالمراقبة ممكنة إذا توفّرت الإرادة. ثانيا٬ لا تقوم حملات شيطنة الجمعيات على أساس واقعي فنسبة الجمعيات المتورّطة في جرائم ضعيفة حسب أرقام الحكومة نفسها، وهو ما يحيلنا للنقطة الثالثة التي تُشير للهدف الحقيقي من وراء التضييق على الجمعيات ألا وهو غلق الفضاء العام المدني ووضع يد السلطة عليه.

التضييقات التشريعيّة، أو التنافس على الإطاحة بالمرسوم 88

بصفة عامّة، تتحقّق استراتيجية التضييق على حريّة الجمعيات وإخضاعها إلى السلطة التنفيذيّة، عبر وضع اليد على ثلاث مراحل مهمة في مسار كلّ جمعية: أوّلا إخضاع مرحلة التأسيس لقرار السلطة والتحكم في نشأة الجمعيات. ثانيا٬ التدخّل في عمل الجمعية والتضييق على استقلالية نشاطها عبر الهياكل الإدارية المركزية. وثالثا٬ تسهيل إجراءات الحلّ وإطلاق يد السلطة التنفيذية فيها. تكمن أهميّة المرسوم 88 في تجسيده لحريّة التنظّم، فقد كان وليد الزخم الثوري وثمرة لحظة استثنائيّة في موازين القوى في تونس ليُتَرجِم المطالب الشعبية لاسترداد حرية المجتمع وقدراته التنظيمية من خلال تكريسها في المراحل الثلاث المذكورة. فجعل تأسيس الجمعيات يخضع لمبدأ التصريح من قبل مؤسسيها وليس لترخيص من الإدارة، ونظّم حلّها إمّا بطريقة طوعية من قبل أعضائها أو بحكم قضائي من المحكمة. وسهّل عملها بتمكينها من التمويل العمومي والأجنبي طبقا لمعايير محددة وعدم إخضاعها لمراقبة قبليّة على النشاط بل حجّر صراحة على المؤسسات العمومية عرقلة نشاط الجمعيات بصفة مباشرة أو غير مباشرة. كما حصّن حقّها في الحصول على المعلومة وفي تقييم دور مؤسسات الدولة ومراقبتها كإشارة واضحة على تمتّعها بالاستقلالية عن السلطة وبدورها المركزي في الشأن العام. ومن البديهي بأن هذه الركائز تمثّل مداخل ضرب حرية التّنظم فدارت حولها كلّ محاولات التّغيير والتعديل بهدف التضييق.

لن نتوقّف كثيرا عند تفاصيل مقترح القانون الذي تقدّم به مجموعة من النواب بقيادة فاطمة المسدي، الذي يكثّف طرق وإجراءات التضييق على الجمعيات على اختلافها. فقد اعتمد بخصوص التأسيس نظام ترخيص بالكاد يخفي حقيقته المتمثّلة في التضييق على حرية تكوين الجمعيات، بذريعة أنّ المرسوم 88 أدّى إلى “تضخّم غير عادي في عدد الجمعيات بعد إلغاء نظام الترخيص من وزارة الداخلية”[5]، وذلك في حنين صريح للماضي الاستبدادي. كما قدّم مقترح القانون تشكيلات عدّة لتضييق الخناق على عمل الجمعية، مستوحاة من النظام الاستبدادي القديم (قانون 1992)، مثل تصنيفها حسب نشاطها وأهدافها بما يمزّق أوصال النسيج الجمعياتي عبر تقييد نشاط الجمعيات وإخضاعها للرقابة المباشرة للوزارة المعنية في مجال عملها وما يفرضه ذلك من هيمنة وتبعيّة. كما فَرض أن يكون العمل بالجمعيّات عملا تطوّعيا لإضعاف القاعدة الاجتماعية المرتبطة بهذه التنظيمات وأخضع التمويل الأجنبي لموافقة رئاسة الحكومة من دون تحديد شروطها (وهو ما يُستنتج منه بأنها شروط سياسية وليس تقنيّة)، بما يضعف الموارد البشرية والمادية للجمعيات. أمّا على المستوى الثالث والمتعلّق بالحلّ٬ فقد فتح أبواب المبادرة به، بجعل طلب الحلّ بيد أيّ مواطن لا يُعجبه نشاط الجمعية، كما خصّ الجمعيات الأجنبية بخضوعها لرخصة قابلة للسحب في أيّ وقت بقرار حكومي.

أما مسودّة مشروع القانون المعدّة من قبل رئاسة الحكومة والتي تمّ تسريبها، فلا تختلف كثيرا في فلسفتها عن مقترح النواب وإن كانت أقلّ حدّة في بعض الأحكام. فكلا المشروعين يلغيان المرسوم 88 ويعوّضانه بنصّ ينتهك حريّة التنظّم ويضرب العمل المستقلّ للجمعيات وينسف ما تمّ تحقيقه من مكتسبات. يظهر التوجّه الرجعيّ لمشروع رئاسة الحكومة في التجارب المقارنة المقدمة للاستئناس بها عند صناعة هذا الأخير والمتعلقة على سبيل المثال بالتشريعات الجزائرية والمصرية والصينية فيما يتعلّق بالتمويل الأجنبي. ولكنّها بالأخصّ تستنسخ في الكثير من أحكامها ما تمّ تقديمه في النسخة المسرّبة السابقة لتنقيح المرسوم في أوائل 2022، والتي كانت المفكّرة قد علّقت عليها، مع فارق شكلي برمزيّة مهمّة، وهو أنّ النسخة الجديدة هي مسودّة قانون ينسخ ويعوّض كلّيا المرسوم 88، وليست تنقيحا لفصوله. فقد تمّ إخضاع تأسيس الجمعيات أيضا للتّرخيص المقنّع ولكن هذه المرّة بالاستناد على قاعدة بيانات الكترونية توفّر على المؤسسين الاحتكاك المباشر بالإدارة وتوحي بحيادية كاذبة ومغشوشة. بينما أسند للكتابة العامة للحكومة صلاحية إرجاء التأسيس إلى حين تغيير ما اعتبرته إخلالات ونواقص أو رفض تكوين الجمعية إذا ما اعتبرت أنّ الملفّ المقدّم يتنافى مع المبادئ الفضفاضة المضمّنة بالقانون كالدعوة للعنف والتطرّف أو بالأخصّ “تهديد وحدة الدولة”. أمّا المراوغة الأخطر، فهي التنصيص على حقّ الطعن في قرار الرفض لدى المحكمة الإدارية في مادة تجاوز السلطة وسريان الرفض إلى غاية الحصول على قرار قضائي نهائي في إلغائه (وليس قرار إيقاف تنفيذ)، وهو ما يأخذ واقعيا سنوات طويلة. ما يعني سلفا أنّ للادارة اليد العليا في تكوين الجمعيات والتخلّي عن مبدأ التصريح، مضمونيّا، على الرغم من الإبقاء على التنصيص عليه شكلا.

أمّا نشاط الجمعيات، فظهرت إرادة التضييق عليه أساسا من خلال تقييد وسائل العمل، وأساسا التمويل الأجنبي، من جهة، ومن خلال تقييد حقوق الجمعيات من جهة أخرى. فقد تأكّد توجّه السلطة إلى إدخال رقابة قبليّة على التمويل الأجنبي للجمعيات، كما في المسودّة المسرّبة في بداية 2022، ولكن مع اختلاف في الإجراءات. فتمّ التخلّي عن الموافقة المسبقة للجنة الوطنية للتحاليل المالية على كلّ تمويل أجنبيّ، التي نصّت عليها نسخة 2022، والذي يبدو أنّ اللجنة قد رفضته لما يثقل كاهلها بأعمال لا تتناسب مع القانون المنظّم لها ومواردها البشرية. فأناطت النسخة الجديدة هذه المهمّة بهياكل الامتثال بالبريد التونسي التي سيصبح عليها التثبّت من شرعية كلّ تمويل أجنبيّ (تقرير مفصّل في غضون 25 يوما)، مع مضاعفاتها برقابة ثانية للجنة التحاليل المالية (في غضون 20 يوما)، من دون تحديد شروط الشرعية من عدمها، ومن دون حصر رقابة لجنة التحاليل الماليّة، بشكل صريح، بالملفات التي قد يثير فيها البريد التونسي “شبهات”. من شأن ذلك ليس فقط أن يعطّل صرف التمويلات لشهر ونصف، ولكن بالأخصّ أن يسمح بالانتقائية في التعامل أو الابتزاز لفرض التبعية. ويأتي هذا الإجراء المقترح بالتوازي مع إلزام الجمعيات بفتح حساب مالي وحيد بالبريد التونسي، وتحويل كلّ أرصدتها البنكية له. ويمكن أن يفهم هذا المقترح على ضوء امتعاض الرئيس سعيّد من لجنة التحاليل الماليّة، التي لم يتردّد في تسميتها بـ”بلجنة التحيّل المالي”، ومن كونها تابعة للبنك المركزي الذي يتميز باستقلالية لم يُخفِ سعيّد امتعاضه منها، بما يرجّح فرضيّة نقل الرقابة على الأقلّ جزئيا إلى مؤسسة أكثر خضوعا لسلطة هذا الأخير. كما قد يفسّر هذا التحوّل بطبيعة عمل لجنة التحاليل المالية، فهي تتدخل بناء على إشعار من المؤسسات البنكيّة والماليّة، وتنحصر رقابتها في عدد محدود من الملفات التي أثيرت فيها شبهة ما. وربما أيضا بعقاب أو أداة تفاوض مع البنوك، لكي تلعب دورًا أكبر وبشروط أخفّ في تمويل ميزانيّة الدولة، عبر سحب أحد مصادر الربح السهل لديها وهي حسابات الجمعيّات وتمويلاتها بالعملة الصعبة. ولكنّ المرجّح، بالنظر للسياق السياسي العامّ، هو أنّ الرقابة لن تستهدف فقط شرعيّة مصادر التمويل، وهي مؤسسات معروفة جلّها يموّل مشاريع الدولة نفسها، وإنما قد تتحوّل إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي.

تمّ الاستئناس في صياغة المشروع بالتجارب الاستبداديّة المقارنة في الجزائر ومصر والصين

من جهة أخرى، حافظت النسخة الجديدة المسرّبة على ما تضمنته سابقتها من أحكام تضيّق على حقوق الجمعيات، كالحقّ في النفاذ إلى المعلومة الذي يشترط وجود “المصلحة” لدى الجمعيات التي تطلبها، والحقّ في نشر التقارير والمعلومات الذي سيُقيّد بمعايير “النزاهة والحرفيّة”، وجميعها معايير تحدّدها الإدارة وتقبل للتأويل. ولكن الفارق، هو اشتراط جميع حقوق الجمعيات باحترام التشريع الجاري به العمل، وليس “التراتيب” كما في النسخة السابقة. وهو شرط عادي ومقبول، لو لم تكن القوانين أداة طيّعة بين يد السلطة، ولو بقي حدّ أدنى من الاستقلاليّة لدى القضاء.

أمّا فيما يخصّ الحلّ٬ فقد أكّدت النسخة الجديدة خيار التراجع عن مبدأ التدرّج في العقوبات (ألا وهو التنبيه ثمّ تعليق النشاط ثمّ الحلّ) والقفز من التنبيه على الجمعية عبر بريدها الإلكتروني، مباشرة إلى تقديم مطلب للحلّ أمام القضاء الاستعجالي، أي إسقاط تعليق النشاط من سلّم العقوبات كعقوبة تتناسب مع بعض الأخطاء، والمرور مباشرة لإنهاء الجمعية ونشاطها. بل أنّ التدرّج يُلغى تماما فيما يخصّ بعض المخالفات، التي تمّ اعتبارها موجبة للحلّ مباشرة من دون حتّى التنبيه، وهي التي تتعلّق “بتهديد وحدة الدولة ونظامها الجمهوري” حتى وإن كان ذلك على مستوى تصريحات مسيّريها. وهو ما يشكّل معيارا غير موضوعي وقابلا للتأويل والاستغلال من قبل من كانت له الإرادة لاستعماله ضدّ أيّ جمعية، خصوصا حين نرى التأويلات القائمة اليوم “للتآمر على أمن الدولة” التي تشمل أيّ معارضة للسلطة.

ينضاف ذلك إلى إدراج إجراء جديد لم يعتمده المرسوم 88، وقد أُقترح في نسخة 2022 أيضا، وهو “الحلّ الآلي”. إذ مُنحت هذه الصلاحية للكاتب العام للحكومة، حيث سيصبح بإمكانه حلّ أيّ جمعية لم تعقد جلساتها الدورية خلال دورتين متتاليتين أو لم تمارس٬ حسب تقديره، “أنشطتها بما يحقق أهدافها”، وذلك من دون المرور بالمؤسسة القضائية ومن دون المرور عبر اجراءات تضمن حقوق الدفاع لممثلي الجمعيّة. وبذلك يصبح الحلّ خاضعا لقرار الحكومة، مع قابلية الطعن البعدي فيه أمام المحكمة الإدارية. من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام تعسّف الإدارة في تأويل هذا الفصل بغية التخلّص من الجمعيات التي لا تروق أنشطتها لها.

التضييق ممارسة تستبق التشريع القانوني

وسط هذه الإرادة السياسية للمسّ من حقّ التنظّم٬ تتزايد الممارسات الخانقة للجمعيات والمعرقلة لنشاطها. فتتصاعد شهادات النشطاء المدنيّين المندّدة بممارسات إدارة الجمعيات التي تعطّل تأسيس جمعيات جديدة، عبر التدخّل في صياغة أهدافها أو الامتناع عن تسليم مؤسّسيها الإعلام بالبلوغ. هذه الممارسة، التي تحرم الجمعيات من حقّ الوجود القانوني الذي يمنحه لها المرسوم 88، تحدّ كثيرا، في الواقع، من سريان مبدأ التصريح. ويتداول آخرون انطباعاتهم حول محدوديّة التمويل العمومي وعدم استقرار منحه، ممّا يهدّد استمرارية عمل الجمعيات المعنيّة به ويلحق أضرارًا بالمنتفعين من نشاطاتها خصوصا تلك المتعلقة بتقديم خدمات للعديد من المستحقين كالأشخاص الحاملين لإعاقة أو للنساء ضحايا العنف على سبيل المثال. هذا بالإضافة لضيق فرص الظفر بالتمويل الأجنبي الذي أصبح مشروطا من قبل عدة مموّلين بموافقة السلط العمومية خصوصا فيما يتعلّق بالنشاطات المرتبطة بالتنمية. ففي ظلّ تجميد وتعطيل عدة مشاريع جمعياتية من قبل المؤسسات العمومية التي تكون شريكة بها أصبح للمموّلين عدة مخاوف فيما يخصّ مستقبل هذه المشاريع وتمويلاتهم. هذا بالإضافة للتناقض السياسيّ الواضح بين مواقف الجمعيات والممولين في علاقة بالحرب على غزّة وما فرضه من أخذ مسافة وانقطاع للشراكات بينهم وهو ما ينعكس أيضا على موارد الجمعيات واستمرارية عملها. كما انعكس التدهور العامّ في الوضع الحقوقي على عمل الجمعيات، من ذلك حرمانها عنوة من الحقّ في النفاذ إلى المعلومة، الذي لم تعد جلّ مؤسسات الدولة تعترف به، وصولا إلى الاعتداءات والتضييقات البوليسيّة. فحسب ممثلة منظمة محامون بلا حدود٬ تمّ رصد 15 إحالة قضائية لناشطين بالجمعيات على معنى المرسوم 54 و27 حالة هرسلة من قبل أعوان الأمن لجمعيات أثناء أدائها لأنشطتها، وأكثر من 27 جمعية أو ناشط في جمعيّة تعرّضوا لحملات تشويه على وسائل التواصل الاجتماعي من طرف أشخاص موالين للسلطة. ممارسات تخلق بدورها مناخات من التخويف والترهيب يطال كلّ الفاعلين بالمجتمع المدني ويكرّس أهداف التضييق إمّا بتحييد الجمعيات أو بتحقيق تبعيّتها أو بإضعافها والفتك بها. ترهيب يزداد وقعه في ظلّ الخطاب التخويني الذي يستعمله رئيس الدولة ومناصروه وتهديداتهم، وشبح الملاحقات التعسفية الذي يخيّم على كلّ من يخوض في الشأن العامّ، خالقا حالة عامّة من الخوف والرقابة الذاتيّة. مناخ عامّ اختزلته رئيسة الجمعية التونسية للزراعة المستدامة حين قالت: “لقد آنت آجال تغيير تركيبة رئاسة الجمعية ولكن لا أحد يريد الترشّح. كلّ الأعضاء خائفون من ترأّس الجمعية”.

في الآن ذاته٬ لم تفهم السلطة التي تدّعي الثورية ومن خلفها الأجهزة والمؤسسات القديمة المتمرّسة أنّ تقييد الشكل القانوني للتّنظم لا يعني سلب المجتمع المرتبط بالجمعيات قدرته على التّحرّك. فالتاريخ النضالي الحقوقي يزخر بتجارب واستراتيجيات عديدة تكرّس العمل الجماعي على اختلاف أشكاله. كما يبدو أنّها لا تعي أنّ الفضاء العام لا يقتصر على الأحزاب والجمعيات وأنّ تقييم السلطة وآداء مؤسساتها والمساهمة في النقاش العام بصفة عامّة لا يشترط المرور حصريّا بهياكل قانونية. في ظلّ ما تقدّمه الوسائل الجديدة للتواصل وما تمّت مُراكمته من تجارب للحراك الجماعي العفوي٬ قد تخطئ السلطة الظنّ في أنّها قادرة على تقييد عقول المواطنين ومحو قدرتهم على أخذ مسافة منها وانتقادها وسلبهم حرية تنظّمهم وأشكال عملهم الجماعي. فإذا كانت الأنظمة الاستبدادية تتبادل التجارب والسياسات القمعية فيما بينها، فللشّعوب أيضا القدرة في استلهام الإرادة التحررية ومراكمة تجارب النضال والتضحية. ولنا في ثورة الحرية والكرامة وما تلاها من الثورات العربية وما يقدّمه يوميّا الشعب الفلسطيني من دروس في التمسّك بالتحرّر خير دليل.

يعطي المشروع للإدارة اليد العليا في تكوين الجمعيات، في تراجع عن مبدأ التصريح

نشر هذا المقال في مجلة المفكرة القانونية- تونس العدد رقم 28
للاطّلاع على العدد بصيغة PDF


[1] لقاء رئيس الجمهورية مع وزيرة العدل بتاريخ 07 ديسمبر 2023، فيديو منشور على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية التونسية.

[2] ندوة صحفية لعدة جمعيات ومنظمات لتقديم موقفهم من تنقيح المرسوم 88 ولمحاولات التضييق على المجتمع المدني في تاريخ 13 ديسمبر 2023.

[3]إجابة مديرة ديوان رئيس الحكومة سامية الشرفي على أسئلة النواب وملاحظاتهم خلال أشغال الجلسة العامة المخصّصة للنظر في مهمة رئاسة الحكومة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024 وذلك بتاريخ 20 نوفمبر 2023.

[4] مقترحُ تنقيحِ مرسوم الجمعيّات: نحو إتلاف آخر مكاسب التجربة الديمقراطيّة٬ جمعية البوصلة٬ 05 ديسمبر 2023.

[5] وثيقة شرح أسباب مقترح قانون عدد 27 لسنة 2023 متعلّق بتنقيح المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية