رابطة القضاة (1): عندما انتصر القضاة في معركة إقرار أول دستور بالمغرب


2015-07-02    |   

رابطة القضاة (1): عندما انتصر القضاة في معركة إقرار أول دستور بالمغرب

نظرا لأهمية الرابطة في تاريخ القضاء المغربي، تنشر المفكرة القانونية سلسلة من المقالات حولها للقاضي أنس سعدون. المقال الأول الذي ننشره هنا هو حول مشاركة القضاة في وضع الدستور المغربي (المحرّر).
 
عرف المغرب في السنوات الأولى لحصوله على استقلاله تأسيس القضاة لرابطتهم كإطار ينتظمون من خلاله لتقديم مطالبهم التي تنوعت بين المطالب المهنية والاجتماعية، وقد تولت الرابطة الدفاع على الملف المطلبي للقضاة في توقيت دقيق مرت به الدولة المغربية وهي مرحلة الاستقلال، ووضع أول دستور في البلاد والشروع في بناء مؤسسات الدولة.

وكان لافتا في تحركات رابطة القضاة[1] أنها حظيت بإشراف واهتمام السلطة العليا في البلاد حيث استطاع قضاة الرابطة ايصال أصواتهم إلى القصر وانتزاع العديد من الحقوق التي دافعوا عليها في مواجهة باقي السلطتين التشريعية والتنفيذية، الشيء الذي ظهر في صدور قوانين جسدت ارادة القضاة، وقد تبلورت بشكل واضح في المقتضيات التي تضمنها أول دستور يصدر بالمغرب سنة 1961.

أولى معارك الاستقلال : اقرار مبدأ فصل السلط

حصل المغرب على استقلاله، بشكل جزئي إذ اعترفت فرنسا باستقلال المنطقة التي كانت تابعة لها، وبعد أشهر اعترفت اسبانيا باستقلال الجزء الشمالي الذي كان تحت وصايتها، قبل أن يتم الاعتراف الرسمي باستقلال مدينة طنجة التي كانت مدينة دولية. واستمر المغرب في المطالبة باستقلال باقي المناطق الواقعة في الجنوب. وبشكل متواز مع معركة اتمام الوحدة الترابية، انخرطت البلاد في عملية وضع التشريعات واقرار المؤسسات. وفي هذا الصدد برزت أول أشكال التجاذب التي كادت أن تؤدي إلى اصطدام بين القضاة وممثلي السلطة التنفيذية. فمرحلة الحماية أورثت المغرب مشهدا قضائيا مُبلقنا:

فمن جهة، القضاء الشرعي الذي يُعتبر ممثلوه من بين خرّيجي جامع القرويين أقدم جامعة في العالم الاسلامي،
والقضاء العصري وقضاته أجانب إلى جانب بعض القضاة المغاربة خريجي كليات الحقوق الذين تلقوا تكوينا قانونيا صرفا،
والقضاء العبري المختص في البت في قضايا الأحوال الشخصية للمغاربة اليهود.

وكان ثمة اختصاص واسع يعود للباشوات والقياد يشكل أحد مظاهر تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي حيث كان ممثلو السلطة التنفيذية يمارسون مهمة القضاء والفصل في بعض النزاعات خاصة بالأرياف. وكان هؤلاء يستمدون صلاحيتهم من مرسوم صادر سنة 1954 ينص على أنه: "بإمكان خلفاء الدوائر أن يقوموا داخل نطاق اختصاصهم بتفويض من الباشا بالسلطات القضائية المخولة لهم فيما يخص القضايا التأديبية".
 
اجراءات أولية لإقرار مبدأ فصل السلط سحب الاختصاصات القضائية من ممثلي السلطة التنفيذية

بمجرد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، تم اتخاذ مجموعة من الاجراءات الأولية في مجال اصلاح القضاء على رأسها اقرار مبدأ استقلاله عن السلطة التنفيذية. فقد صدر ظهير 7 مارس 1956 الذي سحب الاختصاصات القضائية من الخلفاء والباشوات من ممثلي السلطة التنفيذية وألغى بذلك مرسوم 8 يوليوز 1954 الذي كان يسمح لهم بممارسة القضاء في المجال الجنحي. وصدر ظهير 19 مارس 1956 الذي ألغى كل رقابة على تدبير شؤون العدل. وصدر ظهير 4 أبريل 1956 القاضي بإحداث المحاكم العادية وإلغاء اختصاصات الباشوات والقياد من الأماكن التي كانت توجد بها هذه المحاكم، وإلغاء جميع المحاكم الأجنبية، سواء تلك التي كانت موجودة في المناطق التابعة للنفوذ الفرنسي أو الاسباني أو للمنطقة الدولية بطنجة. وقال الملك محمد الخامس مخاطبا ممثلي السلطة التنفيذية في الأقاليم والولايات: "..وضمانا لاستقلال القضاء ومن أجل تفرغ المسؤولين الاداريين لمهامهم، شرعنا في تحقيق مبدأ تفريق السلطات، حيث أصبح لكل سلطة رجالها القاصرون عليها"[2]. وعاد محمد الخامس ليؤكد على فكرة استقلال القضاء في حفل تدشين الدورة القضائية لمحكمة الاستئناف العصرية بتاريخ 02 أكتوبر 1956 حيث قال :"ونحن نسلك لهذا الاصلاح المبادئ التي تمليها العدالة نفسها وأهمها مغربة[3] القضاء كله، واستقلاله وفصله عما سواه من السلط". الشيء الذي يؤكد وجود هاجس قوي كان طاغيا عند حصول المغرب على استقلاله تجسد في التجاذب الذي وقع بين السلطات ومحاولة السلطة التنفيذية الحصول على نفوذ ومواقع قوى على حساب السلطة القضائية، امتدادا لما كان عليه الأمر خلال فترة الحماية الفرنسية والأجنبية.

لكن الانتصار الكبير الذي تحقق على أرض الميدان تجسد في صدور النظام الأساسي لرجال القضاء في 30 دجنبر 1958 الذي نص في فصله 19 على أن التسميات في مختلف درجات ووظائف مجموع هيئة القضاء تصدر عن الملك بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء باقتراح من هذا المجلس. وكان المجلس يضم في تشكيلته ثلاثة مدراء من وزراء العدل، وقضاة معينين بحكم مناصبهم، وقضاة معينين بمقتضى ظهير باقتراح من وزير العدل. وقد تمّ الحرص على ضمان تمثيلية كبيرة للقضاة في هذا المجلس الذي وُضع أساسا لحماية استقلالهم رغم الصلاحيات الواسعة المخولة لوزير العدل. وقد ساهم تواجد عدد من القضاة في أعلى هيئة تشرف على الشأن القضائي وقربهم من المؤسسة الملكية التي كانت تتولى الرئاسة الفعلية لأشغال المجلس، في بداية تشكيل أول تجسيد لفكرة تكتل القضاة على مستوى أعلى هرم في المؤسسة القضائية.
 
أولى بوادر الاصطدام بالمجلس الأعلى للقضاء.. هيمنة ممثلي وزارة العدل على التعيينات القضائية

رغم الخطوات التي تم اقرارها لتكريس مبدأ الفصل بين السلطات غداة استقلال المغرب، ظهرت بعض التصرفات من طرف بعض رجال الإدارة والسياسيين. وشعر القضاة باستعمال بعض النصوص الغامضة ضد مصالحهم، ورأوا أنهم مضطرّون للتكتل في اطار رابطة تجمع صفوفهم وتوحّد أهدافهم وتحقّق مطامحهم. وهكذا تأسست رابطة القضاة في شهر مايو 1961[4]في إطار ظهيــر الجمعيات لسنة 1958، وتلخصت أهدافها التي حددها قانونها الأساسي في:

أ‌-          توثيق أواصر الصداقة بين قضاة المملكة.
ب‌-     العمل على ضمان حقوق أعضائها ومصالحهم والسهر على احترام كرامتهم كأعضاء في مؤسسة عليا في البلاد.
ت‌-     نشر المثل العليا التي تتمسك بها الرابطة وهي العدل، النزاهة، نكران الذات، والكرامةالإنسانية.
ث‌-     توسيع النمو الثقافي" .

ويبدو من خلال تحليل مضمون هذه الأهداف أن مؤسسي الرابطة لم يريدوا من هذا الإطار أن يكون مجرد أداة لتصريف النشاط الثقافي للقضاة، وإنما كان الهدف الأساسي منه توحيد صفوفهم للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم المهنية والسهر على احترام كرامتهم ليتبوؤوا المكانة اللائقة بهم في مغرب العهد الجديد. فالأمر يتعلق بجمعية مهنية قضائية من حيث الشكل، وبإطار نقابي من حيث المضمون والنشاط وأساليب الاشتغال[5].ومما ساعد على الانتشار الواسع للرابطة سيادة اعتقاد داخل الجسم القضائي بوجود أخطار تهدد القضاة بسبب تغول السلطة التنفيذية من جهة، ووجود تمييز يشعر به القضاة المغاربة ازاء القضاة الأجانب، وأيضا القضاة المغاربة فيما بينهم، وتحديدا بين خريجي جامعة القرويين الذين تلقوا تعليما شرعيا عثيقا، والقضاة خريجي كليات القانون. ناهيك عن ظروف الاشتغال المزرية التي كانوا يعملون فيها وتردي أوضاعهم الاجتماعية .

ولم يتأخر الرد على أول حراك يقرره القضاة. فبعد 4 أشهر من ميلاد الرابطة، ظهرت حركة انتقالات القضاة وترقياتهم في أكتوبر 1961 دون استشارة القضاة الأعضاء بالمجلس الأعلى للقضاء، حيث انفرد وزير العدل ومعه مدراء الوزارة بإعادة تشكيل الخريطة القضائية والبت في ملف الانتقالات والتعيينات. وهو ما أثار حفيظة القضاة الذين اعتبروا أن مبدأ استقلال القضاء ما يزال مهددا من طرف الادارة وبعض السياسيين فلجأوا إلى الملك لتقديم تظلمهم، في اطار الرابطة.
 
دستور 1961 وانتصار أول حراك للقضاة

تزامن هذا التحرك الأول للقضاة الذي يقع بعد استقلال المغرب مع مرحلة وضع أول دستور للبلاد. فقد جاء الرد الملكي سريعا، وتم تبني مطالب القضاة على مستوى النص الدستوري الذي أقر مقتضيات جديدة لتدعيم استقلال القضاء[6] أهمها:

1-  القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية؛
2-  يعين القضاة بمرسوم ملكي باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء؛
3-  المجلس الأعلى للقضاء يرأسه الملك ويتألف بالإضافة إلى الرئيس من : وزير العدل نائبا عن الرئيس، رئيس المجلس الأعلى[7]، النائب العام للمجلس الأعلى، رئيس الغرفة الأولى بالمجلس الأعلى، نائبين ينتخبهما قضاة محاكم الاستئناف من بينهم، نائبين ينتخبهما قضاة المحاكم الاقليمية من بينهم ، نائبين ينتخبهما قضاة محاكم السدد من بينهم.
4-  يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبيهم.

إن هذه المقتضيات الجديدة كرست لبداية تحول في المشهد القضائي في اتجاه تقوية الطابع التداولي لمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء. "فالقاضي الذي يملك الوزير وحده حق نقله، لا يعتبر نفسه في نجاة من سلطانه، وقد يضطره ذلك إلى مسايرته، والانحراف عن حياده ليظفر بعطفه وينال المكان الذي يطمع فيه"[8]. وبعد كل هذه التراكمات أقر الدستور الجديد لتشكيلة جديدة للمجلس الأعلى للقضاء تضمن تمثيلية أكبر للقضاة من خلال هذه المؤسسة وتحدّ من نفوذ وزير العدل، الذي أصبح من الناحية الدستورية مجرد رقم يدخل ضمن تشكيلة المجلس من بين أعضائه التسعة من القضاة. وبعدما كانت القرارات تتخذ بشكل منفرد من طرف الملك أو باقتراح من وزيره في العدل، أضحت هذه القرارات تتخذ بناء على مداولات المجلس .
ولعل هذه الحصانة التي خولها الدستور للقضاء المغربي من شأنها أن تجعل القضاة قادرين على تلبية واجبهم في حرية ونزاهة وحزم، ومن شأنها أن تخفف من التدخلات الخارجية، وتبعدهم عن تأثيرات التيارات السياسية و الحزبية[9].
 
يتبع
 



[1]-حول رابطة القضاة، أنظر :
-مجلة رابطة القضاة، التي كانت تصدر بالمغرب عن الرابطة بشكل شهري، ابتداء من يناير 1964.
-مراد العمرتي: حينما أنشأ القضاة رابطتهم لاستعادة السيادة الوطنية على المحاكم، مقال منشور بموقع المفكرة القانونية.
-عمر بنيعيش:الجمعيات المهنية للقضاة بالمغرب سياق النشأة والتطور من رابطة القضاة الى نادي قضاة المغرب، مقال منشور بالموقع الرسمي لنادي قضاة المغرب.
[2]-خطاب الملك محمد الخامس في أول اجتماع عقده مع رؤساء العمالات بتاريخ 12/07/1956.
[3]-يقصد بمغربة القضاء احلال قضاة وموظفين مغاربة من المواطنين عوض القضاة والموظفين الأجانب.
[4]-تكونت هياكل رابطـة القضاة من مؤتمـر ومكتب وطني ورئيس منتخب من المؤتمر، وعقدت خمس مؤتمرات منتظمــة سنوية في مدن مختلفة بين سنوات 1961 و1965، في حين عقدت بعد ذلك أربع مؤتمرات فقط: سنة 1967 بالرباط، سنة 1971 بفاس، سنة 1979 بالرباط والأخير سنة 1980 بالرباط.
وكان للرابطة مجلة شهرية بنفس الاسم إلا أن صدورها لم يكن منتظما صدر منها 22 عددا، تناولت الأعداد الستة الأولى ما بين سنة 1964 و1966 إضافة إلى المواضيع القانونية، الشؤون المهنية المختلفة ونشرت نبذة عن المؤتمرات الخمسة الأوائل. ثم توقفت بعد ذلك عن الصدور إلى أن استأنفت سنة 1981 مستمرة إلى سنة 1987. لكن لم تنشر في هذه الأعداد الأخيرة أية مواضيع تهم الشأن المهني، كما لم تتضمن أي إشارة الى المطالب المهنية أو الى مؤتمرات 1967 وما بعدها.
-مراد العمرتي: حينما أنشأ القضاة رابطتهم لاستعادة السيادة الوطنية على المحاكم، مرجع سابق.
[5]-يلاحظ أن دستور 1961 على غرار كاقة الدساتير التي عرفها المغرب كان يمنع على القضاة تأسيس نقابات، وهو المنع الذي كرسه النظام الأساسي لرجال القضاء.
 
[6]-أنظر الفصول 82-84-85-86-87 من دستور المغرب لسنة 1961.
[7]-المقصود من المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا.
[8]-المحاضرة التي ألقاها رئيس رابطة القضاة (المحامي العام بالمجلس الأعلى ذ حمادي العراقي)، بكلية الآداب بالرباط ضمن موسم محاضرات رابطة القضاة، بتاريخ 11/12/1963، منشورة بمجلة رابطة القضاة، العدد الأول، السنة الأولى ، يناير 1964.
[9]-حماد العراقي، نفس المرجع السابق.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، المغرب ، مقالات



لتعليقاتكم