دستور الجزائر الجديد: الحراك يثمر ضمانات لاستقلالية القضاء


2021-01-07    |   

دستور الجزائر الجديد: الحراك يثمر ضمانات لاستقلالية القضاء
(الرسم من موقع الجزيرة نت)

أنهت ثورة الجزائر استعمارا دمويا إستمر قرنا ويزيد بكثير من الدماء والتضحيات أثمرت الدولة الوطنية. حماسة التأسيس اقترنت منذ البداية بسطوة لقيم الشرعية الثورية وباصطفاف من جانب بناتها في خانة المعسكر الاشتراكي. كان في إطاره القضاء كما تمت صياغة تشريعاته وصناعة أساليب عمله وظيفة من وظائف الدولة يخضع لتوجهات النظام ويخدم سياسات الدولة.

نهاية الثمانينات، عرفت الحياة السياسية في الجزائر انفراجة ديمقراطية. في هذا الإطار، صدر دستور 1989 والذي كان أول نص يعترف للقضاء بمكانته كسلطة. كما صدر قانون للقضاء يكفل بشكل أفضل مما سبقه من قوانين ضمانات للقضاة في ممارسة مهامهم خصوصا فيما تعلق بوضعهم المهني والاجتماعي. لم يدُمْ هذا التحوّل طويلا إذ أعقبه انكماش بفعل العشرية السوداء بما فيها من دموية وما رافقها من صعوبات اقتصادية واجتماعية غُيب فيه السؤال عن استقلالية القضاء.

تاليا، خلال حقبة استمرت عشرين عاما زاد تأزم الوضع الجزائري بفعل اتجاه الدولة نحو تكريس حكم الفرد وتفشي الفساد المالي في محيط الحاكم. حينها ساد العبث السياسي جميع القطاعات المهمة في المجتمع من قضاء وتعليم وصحة وإقتصاد فتدهور مرفق القضاء كغيره من مرافق الدولة ومؤسساتها. وهنا كان تردي الوضع وغياب الحوكمة الرشيدة السبب في الحراك الشعبي الذي انطلق بتاريخ 22-02-2019 وكان القضاء المستقل من مطالبه كما كان القضاة في صفوفه الأمامية دفاعا عن استقلاليتهم وعن حق المجتمع في العدالة والحرية. وبفضله، فرض الشارع على الجميع إصلاحا سياسيا كان من دعائمه وعي بالحاجة لدستور جديد يقطع مع ما سبقه ويؤسس لقيم ديمقراطية ومنها استقلالية القضاء.

القضاء المستقل حجر زاوية المجتمع الديمقراطي: وعي مبكر

مع طرح فكرة الدستور الجديد وتكوين لجنة فنية عهد لها بمسؤولية صياغة مشروعه، كان القضاء من أهم المسائل التي تم النقاش حولها والتفاعل معها إذ يذكر أن طيفا هاما من الأكاديميين والحقوقيين وأصحاب المهن القانونية وأساتذة الجامعات والأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية تمسّكوا في تدخلاتهم ومقترحاتهم بضرورة بناء قضاء مستقل يحمي الحقوق والحريات. من جهتها، اختارت نقابة القضاة الجزائريين التي اكتسبت بفضل دورها في الحراك مصداقية عالية أن تتقدّم بمقترحات كانت ثمرة دراسات وحوارات قضائية غايتها تدعيم استقلالية القضاء وتطوير ضمانتها.

 

دستور الفاتح من نوفمبر 2020: تطور مؤسساتي هام  

صادق الشعب الجزائري بموجب الاستفتاء الذي تم بتاريخ 3-11-2020 على دستور جديد للجمهورية الجزائرية اختزل في عديد أحكامه ومنها تلك التي تتعلق بالمحاكمة العادلة وإستقلالية القضاء والقضاء الدستوري جانبا من قيم الحراك الشعبي وجب إبرازها.

– مبدأ التناسب والضرورة

خصص الباب الثاني من الدستور “للحقوق والحريات الأساسية”. وفي إطاره، تمّ التنصيص على كون الحريات لا يمكن المسّ من جوهرها وأن تحديدها لا يكون إلا للضرورة وفي حدودها.

مبادئ المحاكمة العادلة

ومن تلك الحريات والحقوق، منع التعذيب والمعاملات القاسية والمهينة المكرس بالمادة 39 وتكريس قرينة البراءة كقرينة دستورية ضمن المادة 40 وشرعية الجرائم والعقوبات بالمادتين 43 و44  وحقوق من يخضعون للتوقيف للنظر والمحبوسين مؤقتا ومنها أساسا تحديد مدة الاحتجاز وفرض الحق في العرض على الفحص الطبي خلالها وبنهايتها.

ويبدو من المهم وزيادة على ما ذكر الإشارة لما تضمنه الدستور من تنصيص على كون القضاء وحده من له إصدار قرار بوقف نشر وتوزيع النشريات أو إيقاف بث القنوات التلفزية والإذاعية والمواقع الإلكترونية وعلى كون حل الأحزاب والجمعيات لا يكون إلا بقرار صادر عنه. وهي مقتضيات تؤكد أن القضاء بات سلطة تضمن الحقوق والحريات بما يستدعي بالضرورة أن تتوفر له للاضطلاع بدوره الضمانات الأساسية للاستقلالية والتي يظهر أن الدستور أولاها عنايته.

ضمانات استقلالية القضاء بالدستور الجديد: تطورات نوعية

تناول الدستور الجزائري الجديد المبادئ والنصوص العامة التي تحكم القضاء في الباب الثالث منه تحت عنوان”تنظيم السلطات والفصل بينها” الفصل الرابع”القضاء”،من المادة 163 إلى المادة 182 منه حيث إفتتح هذا الفصل ببند”القضاء سلطة مستقلة، وأتبعه بأن القاضي مستقل ولا يخضع إلا للقانون وأن القضاء يحمي المجتمع وحريات وحقوق المواطنين طبقا للدستور. ونص الدستور على أن القضاء يقوم على أساس مبادئ الشرعية والمساواة وهو متاح للجميع ويضمن القانون التقاضي على درجتين وتصدر الأحكام القضائية باسم الشعب.

ومن أهم ما جاء به الدستور الجديد في مجال إضفاء الحماية لقاضي الحكم الذي ينتمي إلى هيئة القضاء الجالس تكريسه لمبدأ عدم نقلة القاضي بدون رضاه  إذ نص صراحة  على كونه” لا يجب أن ينقل من مكان عمله وأن حقه في الإستقرار مكفول” وتكريسه لمبدأ عدم قابلية القاضي للعزل إلا بضمانات  إذ ورد به “لا يعزل ولا يمكن إيقافه عن العمل أو إعفاءه أو تسليط عقوبة تأديبية عليه أثناء ممارسة مهامه أو بمناسبتها إلا في الحالات وطبقا للضمانات التي يحددها القانون وبقرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء”، ذاك المجلس الذي أوكل له مهمة إدارة المسار الوظيفي للقضاة ونزع عنه سيطرة السلطة التنفيذية.

المجلس الأعلى للقضاء: إصلاحات كبرى

نصت المادة 180 منه على أن المجلس الأعلى للقضاء هو من يضمن إستقلالية القضاء. ورغم إبقاء رئاسة المجلس موكلة لرئيس الجمهورية  ،فإن ذلك لا يؤثر حسب وجهة نظرنا على إستقلالية عمله خصوصا وأن العرف السائد في عمله انتهى لأن يكون حضور الرئيس لأشغاله عملا بروتوكوليا وشرفيا. ويبدو هنا أن الرئاسة الفعلية وخارج الجلسات الشرفية ستكون حسبما ورد بالفقرة الثالثة من ذات النص الدستوري للرئيس الأول للمحكمة العليا بناء على تكليف يصدر له في الغرض من الرئيس. يعدّ هنا إستبعاد وزير العدل من تشكيلة المجلس تطورا هاما في تصور تركيبته علاوة على كون إعطاء الدستور لأغلبية مريحة لتواجد القضاء داخل المجلس مقابل عدد الأعضاء المعينين يعد دعامة هامة أخرى للتطور الحاصل. ويُذكر هنا أن الدستور أسند للهيكل النقابي الممثل للقضاة تمثيلية بعضوين عنه في تركيبة المجلس. وقد حصل ذلك استجابة لطلب نقابة قضاة الجزائر ونعد هذا مؤشرا على علاقة إيجابية بين المجلس والقضاة مستقبلا. كما يلاحظ أن تركيبة المجلس ضمّت غير القضاة بما يؤكد أن القضاء شأن عام وأن استقلاليته مسؤولية مواطنية.

وهنا نعتبر أن تطور تركيبة المجلس الأعلى للقضاء واستقلاله بنظر المسار المهني للقضاة علاوة على الضمانات الأساسية التي خولت لهم تشكل جميعها خطوات هامة يجب أن تتدعم مستقبلا بقانون أساسي للقضاء يلائم روحيتها ويليق بالجزائر يؤمل أن يصدر عن نواب الشعب تحت رقابة القضاء الدستوري الذي يعدّ مكسبا هاما في سبيل بناء القضاء السلطة.

المحكمة الدستورية: لكي لا يعبث بالدستور مرة أخرى

تم بموجب هذا الدستور بعث المحكمة الدستورية لأول مرة في تاريخ الجزائر ولتحل محل المجلس الدستوري. وهو تطور مهم جدا في إطار تعزيز الرقابة على دستورية القوانين وتوسيع طرق الإخطار بعدم الدستورية إلى عدة جهات علاوة على إثارته من طرف القاضي خلال نظره في القضايا المعروضة عليه. ويؤمل هنا أن تمنع هذه المحكمة مستقبلا أيّ محاولة للتلاعب بالدستور بما سيضمن سيادة الدستور وقيمه.

خاتمة

ما يمكن ملاحظته على نصوص الدستور الجزائري الجديد فيما تعلق بالقضاء والحق في المحاكمة العادلة أنه قدم للمجتمع على مستوى المبادئ إضافة نوعية في طريق بناء الإستقلال الفعلي للقضاء. لكن هذا التطوّر يستدعي ليستحيل واقعا ثورة تشريعية في مجال القوانين العضوية والقوانين العادية المتعلقة بالسلطة القضائية. فالرهان الحقيقي هو ما ينتظر القضاة ومعهم كل من يتوق إلى رؤية القضاء في الجزائر قضاء قويا يستقوي به الضعيف ويأمن له القوي. وهو رهان مليئ بالتحديات المستقبلية إذ يتوجب أن تترجم هذه المبادئ الدستورية على أرض الواقع بقوانين تراعى فيها مبادئ ومعايير المحاكمة العادلة وتضاهي في قيمتها المعايير الدولية لإستقلالية القضاء الصادرة عن الأمم المتحدة.

وكل ذلك ليس ببعيد تحقيقه سواء في الجزائر أو في محيطها من دول الجوار الذين يقاسمونها نفس  الظروف والتجارب، وذلك متى توافرت الإرادة السياسية وأحست مكونات المجتمع ونخبه بأن إستقلالية القضاء هي مسؤولية  تقع على عاتق الجميع وعليهم الدفاع عن قيمها بجهد دائم يتوق دوما نحو مزيد من العدل.

* نائب رئيس النقابة الوطنية للقضاة الجزائريين

 

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، الجزائر ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حرية التعبير ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم دستورية ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *