دروس دامية في قوانين الحرب من غزة (3): ما نشاهده هو إبادة جماعية


2023-12-05    |   

دروس دامية في قوانين الحرب من غزة (3): ما نشاهده هو إبادة جماعية
المصدر: الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

“الطائرات تقصف. دمار، دمار. لإبادة حاملي الصليب المعقوف. بعد عام من الآن، لن يبقى  شيء هناك. (…) خلال عام، سنبيد الجميع. لن نصمت، سنُظهر للعالم كيف ندمّر عدونا اليوم”.


هذه الكلمات المقتطعة من أغنية يؤدّيها 7 أولاد إسرائيليين، تتكثف فيها عبارات تتقاطع مع التصريحات الإجرامية التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون والتي يستشفّ منها وجود نيّة واضحة بتدمير مدينة غزّة وقتل سكانها وتهجيرهم باسم حق الدفاع عن النفس. بل اللافت أنّ الأغنية تتضمّن عبارة “سنُبيد الجميع” التي تأتي بمثابة إعلان تمرّد على اتّفاقية مناهضة ومعاقبة الإبادة الجماعية (1948)[1] أي “التدمير الكلّي أو الجزئيّ لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه”[2]. من هذه الزاوية، يصحّ فيها تمامًا القول الشعبي: “خذوا [إجرامهم] من صغارهم”.

وجريمة الإبادة هي بالضبط الجريمة التي يحبس العالم (أو الأصح بعض العالم) أنفاسُه تحسّبًا من ارتكابها. وهذا ما حذّر منه أكثر من 800 باحث وأكاديمي متمرّس في القانون الدولي من مختلف أنحاء العالم[3] وكذلك عدد من الخبراء الأمميّين المستقلّين وكذلك أكاديميون ومنظمات مجتمع مدني. وقد جاء التحذير الأخير في رسالة مفتوحة[4] وجّهها هؤلاء إلى مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كريم خان داعين إيّاه إلى التدخّل لردع التحريض على ارتكاب جريمة الإبادة في غزّة. حتى أنّ مركز الحقوق الدستورية (نيويورك) ذهب أبعد من ذلك إلى نشر ملفّ كامل تحت عنوان: “انكشاف” جريمة الإبادة التي تقترفها إسرائيل بمشاركة أميركيّة. وهذا أيضًا ما ادّعت به ثلاث منظمات حقوقية فلسطينية[5] أمام المحكمة الجنائية الدولية طالبةً أن يشمل التحقيق الجاري لديها والمتعلّق بفلسطين جريمة الإبادة الجماعية[6].

وإذا كان من المتوقّع منطقيًّا وإنسانيًّا أن تكون قليلة الحكومات “الشيطانية” التي تلجأ إلى الإبادة وأن تكون أقلّ الحكومات التي تتباهى بإعلان نواياها بالإبادة الجماعية[7]، فقد جسّدت إسرائيل – عبر حكومتها الحالية – هذه الوقاحة “الشيطانية” التي لا تتردّد  في تنفيذها ممّا وفّر إثباتات قلّما تتوفر في حالات أخرى. وهذا ما استندت عليه المرجعيات العلمية والحقوقية المشار إليها أعلاه. وهذا ما حدا بمدير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في نيويورك، كريغ مخيبر، إلى توصيف ما يحصل في غزّة بأنّه حالة نموذجية للإبادة الجماعية.

وهذه الأريحية لدى الحكومة الإسرائيلية في إعلان نواياها الإبادية تجد تفسيرها ليس فقط في شعور إسرائيل أنّها فوق أيّ محاسبة، إنّما أيضًا في أساس المشروع الصهيوني؛ هذا المشروع الذي يقوم على نظرية الشعب المختار وعلى استيلاء هذا “الشعب” (الذي لا أرض له) على أرض يراد تصويرها على أنّها “من دون شعب” ممّا يفرض بالواقع تحويلها إلى أرض من دون شعب، تمامًا كما حصل في نكبة 1948[8]. وقد تأكّد ذلك في البروباغندا الإسرائيلية المعتمدة منذ ذلك الحين وفي ما تقوم عليه من تشويه للحقائق ومحاولة طمس ذاكرة الفلسطينيين وهويتهم، وصولًا إلى إنكار صفتهم الإنسانية. وعليه وتمامًا كما حصل من قتل وتهجير في 1948، تشير التصريحات والأفعال لدى السلطات الإسرائيلية إلى وجود نية واضحة لـ”مسح غزّة” لتهجير شعبها، كلّ ذلك وسط تفاخر بنيّة إحداث ما يشبه النكبة “الثانية” للشعب الفلسطيني[9]. وعليه، يصبح التهجير جزءًا من الإبادة  في حال ترافق مع سياق يعكس إرادة في تدمير الشعب. هذه هي الخطة السياسية التي قام عليها الكيان الإسرائيلي، تفكيك وحدة فلسطين السياسية وتدمير وحدة الشعب الفلسطيني في حال لم يستطِع تدميره المادي الفعلي الكامل. ومن هذه الزاوية، فإنّ استدعاء نكبة 1948 التي كانت عاملًا أساسيًا في تأسيس إسرائيل من قبل المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم إنّما تهدف إلى ضمان قبول اجتماعي لما يتهيّأ له هؤلاء في شنّ عدوانهم على غزة. فالإبادة قلّما  تحصل بقرار سياسي وعسكري فقط، بل غالبًا ما تقوم على انخراط قوى اجتماعيّة فيها، تبعًا لتصوير ارتكابها بمثابة هدف وطني يستحق التفاخر. بمعنى أنه شعب يدمر شعبًا آخر بصفته شعبًا[10]، ما “يصدم بالتالي الوجدان البشري”[11]. بالنتيجة، تجلّى هذا الانخراط بوضوح كلّي في عدد من السلوكيات والأفعال المرتكبة من مواطنين إسرائيليين بحقّ الفلسطينيّين والتي انتشرتْ بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي من دون حياء أو حيطة. ومن أبرزها، فيديوهات لجنود ومستوطنين ومطربين يهلّلون لارتكاب أعمال تعذيب بحق مواطنين فلسطينيين أو بتجويع غزة وقصف أطفالها أو أيضًا العريضة الموقعة من قرابة مائة طبيب إسرائيلي والداعية إلى قصف مستشفيات غزة[12].

ورغم وضوح هذه النوايا التي ترافقت مع حرب وحشية استهدفت بشكل خاص المدنيين، علت بعض الأصوات التي تشير إلى عدم “اكتمال” عناصر الإبادة الجماعية بحجّة أنّه لم يتمّ بعد تخطّي “العتبة العالية المطلوبة”. هذا ما ذهب إليه مدير برنامج إبادة الخمير في جامعةييلبن كيرنان وأيضا مجلة The Economist البريطانية التي أسهبت في التنديد بـ “كيف يساء استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” في الحرب بين إسرائيل وحماس”[13]. يفهم من أصحاب هذا الرأي أنّ قتل ما يفوق عشرة آلاف فلسطيني وإن كان فعلًا “خاطئًا”، إلّا أنّه لا يقارن بقتل 6 ملايين يهودي (من قبل النازيين)، 500 ألف توتسي (في رواندا)، أو 300 ألف شخص في دارفور. بمعنى أنّ أفعال الكيان الاسرائيلي “خاطئة” لكنّها “لم تتجاوز عتبة الإبادة الجماعية”. وعليه، وفيما يردّد الفلسطينيون وهم ينتظرون الموت أنّهم “ليسوا أرقامًا” ويكتبون عن أنفسهم وعن أحلامهم التي يهدّدها الاحتلال، يعود أصحاب هذا الرأي ليشدّدوا على أنّ الجريمة المرتكبة ضدّهم لا تعدو كونها مجرّد عملية حسابية. فكأنّما المنتظر أن يصبح “عدد” الضحايا “كافيًا” لكي نتجاوز عتبة الإبادة الجماعية ونتمكّن “علميًّا” وقانونًا أن نتحدّث عنها. أما أننا لم نصل وفق رأيهم إلى هذه العتبة، فإنّ أقصى ما يمكن التحدّث عنه برأيهم هو جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، مستبعدين “احتمال الإبادة”. هو نفسه احتمال الموت الذي يشعر به الفلسطينيون في غزة، مع سماعهم صاروخًا أو قذيفة تمرّ فوق رؤوسهم. هم يسمعون “احتمال موتهم” ويطمئِنون أولادهم قائلين “الصاروخ الذي نسمع صوته ليس الصاروخ الذي يقتلنا”[14].

وفي الواقع، لا تقلّل هذه الادعاءات “الحسابية” أبدًا من تطبيق اتفاقية 1948 التي تعاقب ليس فقط فعل الإبادة “المكتمل”، إنّما أيضًا “محاولة ارتكاب الإبادة” ومختلف أشكال “الاشتراك في الإبادة الجماعيّة”[15] وضمنًا عدم قيام المجتمع الدولي بما يلزم لتجنّب حصولها. وهذا ما كانت شدّدت عليه القاضية نافانيثيم بيلاي[16] في سياق نظرها في جريمة إبادة التوتسي في رواندا، حيث أوضحتْ أنّ الدّيناميات التي من شأنها أن تؤدّي إلى الإبادة الجماعيّة ظهرت خلال عامي 1991 و1992، وأنّ المجتمع الدولي لم يأخذْ بعين الاعتبار “مجموعة من القرائن التي كان ينبغي أن تنبّهه”[17]. ويفهم من ذلك أن مجرّد وجود قرائن وديناميات على احتمال حصول إبادة جماعية يفرض على المجتمع الدولي بذل جهود كبرى لتجنّبها، وأنّ أيّ تلكّؤ أو تسويف في بذل هذه الجهود بحجّة عدم بلوغ “العتبة العالية المطلوبة” إنّما يؤدي عمليًا إلى منح فترة سماح لإسرائيل قد تخوّلها إنجاز مهمّتها أي الإبادة من دون أيّ رادع ويشكل تاليًا إخلالًا بالاتفاقية الدولية. وما يعزّز ذلك هو أنّ الجهات المشكّكة في انطباق جريمة الإبادة على العدوان الإسرائيلي على خلفيّة “عدم بلوغ العتبة المطلوبة” تجد بالواقع نفسها عاجزة عن نفي الطابع جدّ الخطير لمجمل الجرائم المرتكبة في سياق عدوان غزة والتي على فرض أنها لم تبلغ عتبة “الإبادة”، فإنها تشكل مؤكدا على أقل تقدير جرائم تطهير عرقيّ أو ضدّ الإنسانية أو جرائم حرب.

بعد أن استعرضنا في المقالين السابقين كذبة حق الكيان الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه ومخالفته كامل مبادئ القانون الدولي الإنساني، نهدف في هذا المقال إلى إثبات نيّة الإبادة من خلال تصريحات المسؤولين الإسرائيليين كما الأفعال الحربية المكوّنة للإبادة أو التي يستشفّ منها خطر ارتكابها فعليًّا، من دون أن ننسى الإشارة إلى  خطورة هذه الأفعال بحدّ ذاتها. 

إعلان نيّة تدمير الشعب الفلسطيني  

لا تكتمل جريمة الإبادة الجماعية إلّا في حال ثبوت وجود نيّة في تدمير الجماعة المعنية بها، بمعنى أنّه لا يكفي إثبات قتل عدد كبير من هذه الجماعة من دون تمييز بين مدنيّ وعسكريّ، بل يقتضي أيضًا إثبات وجود نوايا إباديّة واضحة. وإذ شكّل إثبات هذه النية تحدّيًا كبيرًا في أيّ تحقيق حول حصول إبادة جماعية (مثلما حصل في التحقيق في جرائم دارفور)، فإنّها تكاد تقفز إلى الأعين في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّة نظرًا لوضوح التصريحات الإسرائيلية كما سبق بيانه. وفي هذا الإطار، ضمّن مركز الحقوق الدستوريّة (نيويورك) تقريره حول الإبادة الجماعية، سلسلة طويلة من التصريحات العائدة لمسؤولين إسرائيليين والتي يُستشفّ منها وجود نيّة إباديّة، على ضوء الأنماط التي تم توثيقها في إبادات جماعية حصلت من قبل[18].

أولى العبارات التي تمّ رصدها في هذا المجال هي العبارات التي تحاول تجريد الفلسطينيّين من إنسانيّتهم، على نحو يقوّض مشاعر التعاطف معهم ويمهّد لأسوأ الجرائم ضدّهم. وكان أبرزها تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الذي وصف الفلسطينيين بـ “الحيوانات البشرية”، وذلك في سياق إعلان الحصار الشامل على غزة. ومنها أيضًا وصف سفير إسرائيل في برلين، رون بروسور، مقاتلي المقاومة بأنهم “حيوانات متعطّشة للدماء”، بما يستعيد أحد التشابيه الأكثر استخدامًا عند ارتكاب الإبادات.

كما أشار المؤرّخ اليهودي راز سيغال إلى توجّه آخر لإنكار إنسانية الفلسطينيين يقوم على تشبيههم بالنازيّين. وإذ يتوجّه هذا التشبيه بشكل خاصّ إلى الرأي العام الأوروبي حيث ترمز النازية إلى الشرّ المطلق،  فإنّه يهدف إلى تحرير إسرائيل من أيّ ضوابط قانونية وأخلاقية في سياق الأعمال الحربية. في الاتجاه نفسه، نقرأ ما ورد على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه الذي لم يكتفِ بتشبيه “حماس” بـ “النازية” أو “البربرية” أو “داعش”، إنما ذهب إلى حدّ توصيف العدوان الإسرائيلي على غزة بأنّه صراع بين “أبناء النور وأبناء الظلام، بين “الإنسانية وشريعة الغاب”، بين “الحضارة والبربرية” أو أيضًا بين الشعب المختار والعماليق وذلك في سياق دعوته لتنفيذ نبوءة أشعيا، وهذا ما سنعود إليه أدناه. 

وإلى جانب هذه التصريحات الآيلة إلى تجريد الفلسطينيين من الصفة الإنسانية، تأتي سلسلة تصريحات تحمّل الفلسطينيين المسؤولية الجماعيّة عن هجوم 7 أكتوبر. ومن أبرزها، تصريح الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ الذي جاء فيه: “هناك أمّة بأكملها مسؤولة. ليست صحيحة هذه الخطابات التي تزعم عدم وعي المدنيين وعدم مشاركتهم”، أو النائبة الإسرائيلية في الكنيست ميراف بن آري التي أصرّت أنّ “أطفال غزة هم الذين جنوا على أنفسهم”.

يضاف إلى ذلك إعلانات ووعود صريحة بتدمير غزّة وشعبها. ففي تاريخ 12 تشرين الأوّل، وإذ أعلنت القوات الاسرائيلية أنّها ألقت حوالي 6000 قنبلة على قطاع غزة منذ بداية الحرب، سارع  نتنياهو إلى إعلان التفاخر بذلك مصرّحًا أنّها “البداية فقط”. وفي اليوم نفسه، أمر وزير الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلي إسرائيل كاتس جميع السكان المدنيّين في غزة بالمغادرة فورًا، متوّعدًا إياهم بأنّه “لن تصلهم قطرة ماء ولا بطارية واحدة حتى يرحلوا عن الدنيا”. كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت أنّ غزة لن تعود إلى ما كانت عليه، قائلًا: “سوف نقضي على كلّ شيء”، كمّا أعرب بوضوح أنّ “التركيز الآن ليس على الدقة، إنّما على إلحاق الأضرار”. أمّا السياسي موشيه فيجلين[19]، فدعا إلى “عاصفة من النار على غزة بأكملها” وطالب بـ “عدم ترك حجر على حجر حتى تكون هذه المعركة نهاية النهايات”. هذا الشعار الأخير هو “العلامة الفارقة” التي لازمت كل الإبادات الجماعية عبر التاريخ: حيث اعتبر هتلر أفعاله حلًا نهائيًا للمسألة اليهودية، وفي رواندا، اعتبر المسؤولون الهوتو أنّهم يرسمون “نهاية مسألة التوتسي”، وكذلك نهاية المسألة الأرمنية بالنسبة للعثمانيين.
وما فاقم من خطورة هذه التصريحات أنّ نتنياهو ذهب إلى حدّ اعتبار “الإبادة” الموعودة بمثابة فرض ديني. وهذا ما نستشفّه من التدقيق في النبوءة التي أشار إليها كما تناولها سفر صموئيل حيث جاء حرفيًا: “فالآن اذهب واضرب (شعب) عماليق، واحرموا كلّ ما له ولا تعفّ عنهم بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، جملًا وحمارًا”؛ ليصبح مشروع الإبادة أبعد من مشروع “سياسي” وإجراميّ ويتحوّل إلى واجب ديني وأمر إلهي، مع ما يتيحه ذلك من انخراط اجتماعي واسع في تنفيذه.

أخيرًا نجد مواقف تقبل أو تشجّع على الأذى الذي يلحق بالفلسطينيين. حيث صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس أنّه: “لن نسمح بدخول أي شيء إلى قطاع غزة يدعم القدرة القتالية لحماس. إذا كان الأمر يتعلق بثمن الإزعاج للسكان، فليكن”. كما دعت المستشارة المقربة ومديرة مكتب زوجة رئيس الوزراء نتنياهو تسيبي نافون، علنًا إلى تعذيب الفلسطينيين في غزة، فبحسبها، لا يكفي “السطو على غزة”، بل “يجب القبض على سكان غزة وتعذيبهم واحدًا تلو الآخر” عن طريق “قلع أظافرهم وسلخهم أحياءً”، كما يجب “قطع الأعضاء التناسلية للرجال وقلعها وإطعامها للأسرى”.

وإذ أعطى خبراء في القانون الدولي أو أمميون هذه التصريحات وصفها الحقيقي على أنّها إعلانات نوايا إباديّة تمهّد لاتهام إسرائيل والدول الداعمة لها بجريمة الإبادة الجماعية، طالب نتنياهو في تصريحات تلفزيونية “وزراء حكومته بعدم التفوّه بأيّ تصريحات قد تسبب ضررًا لإسرائيل”، أو بأي كلمة لا يعرفون تأثيرها، معتبرًا أنّ “لكلّ كلمة وزنها على صعيد الموقف الإعلامي لإسرائيل في العالم”. وكان نتنياهو قد استبعد قبل ذلك بأيّام وزير “التراث” الإسرائيلي عميحاي إلياهو من الحكومة بسبب تصريحه حول احتمال استخدام قنبلة نووية في غزة لقتل الجميع هناك كونها “الطريقة الوحيدة” للتعامل مع التهديد الذي تشكله “حماس”، وحول نفيه وجود “مدنيين غير مقاتلين في غزّة”. ويرجّح أنّ تصريح نتنياهو جاء ليس فقط من باب الحدّ من تنامي التعاطف العالمي مع شعب غزة ولكن أيضًا من باب الحدّ من الحرج الذي أصاب مسؤولي الدول الداعمة لإسرائيل في عدوانها هذا. 

بقي أن نشير إلى أنّ محكمة العدل الدوليّة كانت اعتبرت أنّ إثبات قصد التدمير يحتّم “العودة إلى قراءة الظروف لفهم ما إذا كان هناك “مسارٌ” في الممارسة لا يمكن تفسيره وفهمُه إلّا من خلال وجود نيّة بالإبادة”[20]. ومن هنا، تأتي أهمية ربط هذه التصريحات بتاريخ تأسيس إسرائيل الذي حصل تبعًا للنكبة والاحتلال الذي يدوم منذ 1948 والحصار على غزة الذي يدوم منذ 2006 والحروب المدمرة التي ما فتئت إسرائيل تشنها على القطاع في إطار تدابير العقاب الجماعي على جميع أهله. 

تدمير وحشيّ للشعب الفلسطيني ولمقوّمات صموده

في وصفه لأحداث رواندا، اعتبر الطبيب جان هيرفي برادول أنّ المجازر كانت مخطّطة، و”لم تكن أناركية ولا فوضوية”[21]. على نحو مماثل، فإنّ ما تفعله إسرائيل ليس عشوائيًا ولا فوضويًا. لا تقتصر الإبادة على تحقيق النتيجة النهائية المرجوّة، ولا تحصل في لحظة واحدة محدّدة، إنّما تكمن في ديناميّة العنف والخطاب التي يستشفّ منها التدمير الكلّي أو الجزئي للجماعة المستهدفة. هذه الدينامية الجليّة في الخطاب الإسرائيلي تتجلّى أيضًا في كلّ أفعاله التي تندرج ضمن الأفعال الجرمية المنصوص عنها في اتفاقية تجريم الإبادة الجماعية[22]. فقد استهدف الاحتلال المدنيين في جميع أماكن تواجدهم، إلى حدّ يشبه المطاردة من دون أن يترك لهم أيّ مجال للهروب من القتل. وقد نفّذ الاحتلال مشروعه الإبادي عبر تلازم تامّ بين القصف الجوي مطاردًا الفلسطينيين من كل الجهات وبين فرض حصار شامل، متعمّدًا ضرب كلّ مقوّمات الحياة عبر قصف كلّ البنى التحتية الحيوية المتبقية داخل القطاع. فكأنّما هدف الاحتلال ألّا ينجو أحد من نيرانه ولا من حصاره. ومن المهم هنا تعداد الأفعال التي من شأنها أن تكوّن مجتمعة فعل الإبادة. 

الحصار الشامل ونسف المنشآت والموارد الحيوية: شبح الموت والتجويع

منذ أوّل أيام الحرب، أعلن وزير “الدفاع” الاسرائيلي يوآف غالانت قطع “المياه والكهرباء والوقود والغذاء كلّيًا عن سكان قطاع غزة”. وهذا ما وجد ترجمته على أرض الواقع منذ 9 تشرين الأوّل. وعليه، بعدما كان الكيان الإسرائيلي يُطبّق خلال العقديْن السّابقيْن استراتيجية مرنة ومتغيّرة تهدف إلى السيطرة الدائمة على إمكانيات حياة السّكان جاعلًا إياهم تحت رحمة قراراته السياسية، انتقلت إسرائيل إلى سياسة تجويع وخنق كاملين. هذا يعني أنّ هدفها في الحصار السابق لم يكن التجويع بحد ذاته ولا القضاء على الغزّيين بضربة واحدة. على العكس، كانت تتساهل حينًا وتتشدد حينًا آخر من دون مبرّرات واضحة[23]، وتفرض “تحوّلات مصطنعة وتغييرات (…) تُبقي إمكانيّات حياة الفلسطينيين، دائمًا، رهينةً لرضوخهم السياسي”[24].

في 9 تشرين الأوّل، تبدّل الهدف من الحصار. أغلقت إسرائيل معبريْ بيت حانون وكرم سالم الخاضعين لسيطرتها المباشرة وضغطت سياسيًا وقصفت معبر رفح لكي يبقى مغلقا[25]ً. وبعد تعالي المطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية وبعد قصف المستشفى المعمداني، قبلت إسرائيل شكليًا فتح معبر رفح في 21 تشرين الأوّل، ولكن بطريقة محدودة وتحت مراقبة الأمم المتحدة[26]. عمليًّا، عرقلتْ إسرائيل دخول الشّاحنات التي اقتصرت حمولاتها على الماء والغذاء وبعض الدواء. طبعًا، هذه المساعدات لم تخفّف من وطأة الجريمة. فمثلًا كميات الماء التي دخلتْ يوميًّا تكفي للحصّة اليومية لـ13 ألف شخص، فيما يقطن غزة أكثر من مليوني شخص. ومع مرور أكثر من خمسين يومًا، تظهر آثار هذا الحصار القاتلة  ويبدو مع الأسف أنّ أقصى ما تستطيع المنظمات الأممية فعله بات التحذير من المخاطر المتعدّدة التي باتت تهدّد الفلسطينيين في كل مجال. وعليه، حذّر برنامج الأغذية العالمي في تاريخ 16 تشرين الثاني من أنّ نسبة الإمدادات الغذائية الضرورية إلى قطاع غزة لم تتعدَّ 10% فقط من حاجات السكان، معتبرًا أنّ “القطاع يواجه الآن أزمة جوع هائلة”. ومع فرض الهدنة المؤقتة، عادت بعض المساعدات بالدخول والوصول إلى شمال القطاع، لكنّها بقيتْ غير كافية نهائيًا، ولا توازي ما كان يدخل في اليوم الواحد قبل العدوان، هذا مع العلم أنّ هذه الهدنة لم تدمْ أكثر من أيام معدودة.

ولكي يأتي الحصار بكامل مفاعيله، تعمّد الاحتلال عدم ترك أي وسيلة “تنفّس” لسكّان القطاع. فتعمّد قصف المنشآت الحيوية ولم تسمح إسرائيل البتة بإدخال الوقود وهي المادة الضرورية لتشغيلها[27]. كما استهدف الاحتلال الممتلكات والأدوات والموارد المتوفرة الضرورية لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية ومرافق ومخزونات مياه الشرب، ومنشآت الريّ[28]. كما قصفت إسرائيل عددًا كبيرًا من الأفران والمخابز، حتى أُغلق آخر مخبز في تاريخ 16 تشرين الثاني. وقد حذّر برنامج الغذاء العالمي لدى الأمم المتحدة أنّ “الخبز اي الغذاء الرئيسي لسكان غزة أصبح نادرًا أو غير موجود”[29]. كما اعتبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة[30] أنّ الأمن الغذائي مهدّد بسبب غياب الأمان للوصول إلى المزارع والماشية وصيد الأسماك وسائر وسائل كسب المعيشة الأخرى وبسبب انقطاع استيراد العلف. تعمّد الاحتلال أيضًا قصف موارد الطاقة البديلة التي ما كان ما يزال يتمتّع بها سكان القطاع حيث دمّر عمدًا مولِّدات الكهرباء والألواح الشمسية في مستشفى الوفاء، وألواح الطاقة الشمسية في الوحدات السكنية وعددًا من الآبار المائية. وقد أدّى غياب مقوّمات الحياة ونقص المياه النظيفة وتعطّل نظام الصرف الصحي – بالنظر إلى اكتظاظ الأماكن التي ينزحون إليها – إلى انتشار الأوبئة، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي الحادة والإسهال، مما يثير المخاوف البيئية والصحية بحسب منظمة الصحة العالمية.

مخبز النصيرات الذي دمّره القصف الإسرائيلي

آلة القتل الإسرائيلية العسكرية

منذ الأسبوع الأوّل للعدوان، طالت وتيرة القتل الإسرائيلية 14 فلسطينيًا كل ساعة. ولم تتراجع وحشية هذه الوتيرة بعد شهر ونصف من العدوان. وعاد الإسرائيليون إلى الوتيرة نفسها مع استئناف العدوان بعدما رفضوا تمديد الهدنة. وقد سطّر هذا العدوان فعليًا مستوى “غير مسبوق وغير موازٍ” من القتلى المدنيين، مقارنة بأي صراع آخر منذ العام 2017 كما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. وقد فاق عدد الشهداء الذين قتلهم القصف الإسرائيلي بعد أكثر من خمسين يومًا 15 ألفًا بحسب وزارة الصحة في غزة، علمًا أنّ هذا التقدير يشمل الأشخاص الذين قتلوا مباشرة بنيران الاحتلال ولا يأخذ بعين الاعتبار الأشخاص الذين توفوا نتيجة نقص المواد الأساسية تبعًا للحصار. يُضاف إلى هؤلاء أكثر من خمسة آلاف شخص اعتبروا في عداد المفقودين، علمًا أنّ الأطفال والنساء يشكّلون أكثر من ثلثي الضحايا.

الدمار في موقع مجزرة جباليا التي سقط فيها أكثر من 100 شهيد (وكالة وفا)

اخترنا أن نخوض في تفاصيل هذه الإبادة انطلاقًا من شهادات فلسطينية:

“كنّا نسأل عن عدد الشهداء اليوم، صرنا نسأل عن عدد المجازر اليوم”

الكاتب الفلسطيني مجد كيال[31]

يحترف الاحتلال صنع “الصدمة” و”التضليل” لفرض التطبيع مع مجازره. فيرتكب مجزرة كبيرة، ويتحضّر لاستيعاب الغضب لبضع ساعات أو أيام عبر الدخول في متاهات تبرير الهدف العسكري المحقق أو الإنكار بحجج و”قرائن” واهية. فينشغل العالم بتفكيك سرديّته وكشفها مع أنّ الأشلاء والجثث لا تزال على الأرض كدليل قاطع على إجرامه. ويعاود فورًا تكرار الجريمة بخطورة مضاعفة من دون أن تثير هذه المرة “إحراجًا” له.

على هذا النحو، ارتكب الاحتلال مجازره ودمّر تقريبًا نصف المساكن في غزة مستهدفًا مرارًا الأبراج السكنية ذات الكثافة السكانية العالية، والمخيمات في كامل أنحاء القطاع وكل الأماكن التي تحوّلت بفعل العدوان إلى ملاجئ لآلاف الفلسطينيين مثل المستشفيات ومحيطها أو دور العبادة أو المدارس. ولم تسلم من القصف سيارات الإسعاف، ولا منشآت ومراكز الأمم المتحدة. كما استهدف طريق صلاح الدين “الآمن” الذي فرضه للنزوح، وشمل القصف جنوب القطاع “الآمن”. فلم يترك القصف أي احتمال نجاة للفلسطينيين في غزة من مشروعه التدميري.

“في أكثر من هيك وجع؟ (…) وجعي مرئي”.

الأسيرة الفلسطينية المحرّرة إسراء الجعابيص[32]

هذا هو الوجع الذي تمتهن إسرائيل فرضه على الفلسطينيين، وسكان غزة تحديدًا في هذا العدوان الذي يشكّل فعلًا إباديًا، لأنّ مفاعليه تتعدّى فترة العدوان العسكريّ ويؤدّي إلى تغيير في القدرات الذهنيّة للشعب المستهدف لتحول دون إعادة تشكيله وتدمّره بطريقة غير مباشرة. وعلى الرغم من تجاوز عدد الجرحى  35،000 من ضمنهم حالات خطيرة، ومن شهادات الأطباء حول عمليات اضطروا إلى إجرائها من دون مخدّر ولا معدّات ضرورية، وعلى الرغم من التقديرات التي تشير إلى وجود بين 700 و900 طفل مبتور الأطراف، وإلى تيتيم آلاف الأطفال ليس فقط من آبائهم بل أحيانًا من عائلاتهم بأكملها، لا يمكن قياس حجم الأذى الذي يخلّفه العدوان الإسرائيلي على شعب غزة. ففي عام 2009، وبعد 5 أشهر من توقّف العمليّات العسكرية في القطاع، ثبّتت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق “الآثار المدمرة للعمليات على السكان كانت واضحة بشكل لا لبس فيه”. وركّزت على آثار الصدمة التي عانى منها سكان غزة والتي تمتدّ في الزمن وإن تأخرت معالمها ونتائجها لتظهر وتتّضح[33].

يحذّر الطبيب غسان أبو ستة الذي عايش الإبادة من داخل مستشفيات غزة، من أنّ إسرائيل تفعل كل ما بوسعها لتستمرّ في مشروعها بعد نهاية العدوان – كي لا تكون غزة مكانًا قابلًا للعيش، كي لا يكون الفلسطينيون قادرين على إعادة بناء حياتهم فيها. في هذا الإطار – يفهم استخدام  الفسفور الأبيض المحرّم دوليًا[34]، الذي يمكن أن يكون قاتلًا حتى لو تعرّض له 10% فقط من جسم الإنسان، كما أنّه يسبب تشوّهات خلقية للأجيال القادمة. وعليه، يشكل استخدام الكيان الإسرائيلي لهذا السلاح مؤشرًا إضافيًّا إلى فعل الإبادة، لأنّه يؤثّر على الأجيال المستقبلية.

“مات أطفال لم يستخدموا أسماءهم بعد!”

الكاتبة الفلسطينية الشهيدة هبة أبو ندى

لم يغب عن ذهن الإسرائيليين حين فرضوا “عقابهم الجماعي” على سكان غزة أنّ أكثر من نصف سكانه من الأطفال. لا بل يظهر أنّ أطفال غزّة هم أحد الأهداف الرئيسية في هذه الحرب. فقد قتل الاحتلال الأطفال في غزة المقتصرة مساحتها على 365 كيلومترًا وفي غضون سبعة أسابيع فقط ما يفوق إجمالي حصيلة الأطفال الذين قتلوا في مناطق النزاع في جميع أنحاء العالم منذ عام 2019. حتّى أنّ أكثر فئة عمرية استشهد “أفرادها”، هي فئة الأطفال البالغين من العمر فقط خمس سنوات.  حتّى المستشفيات في غزة تحوّلت إلى “مقبرة للأطفال” حيث وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تحلل أجساد خمسة أطفال فلسطينيين حديثي الولادة تركوا وحيدين لمدة ثلاثة أسابيع بعد إجبار القوات الإسرائيلية الطواقم الطبية على إخلاء مستشفى النصر في غزة.

“شجر العائلات يتساقط كاملًا لا أفراد ولا فروعًا، تهوي الشجرة بكل من فيها بشكل مفجع وغزة تتحوّل إلى مقبرة مفتوحة ممتدّة من عتبة الجامعة العربية حتى منبر الأمم المتحدة”[35]

الكاتبة الفلسطينية الشهيدة هبة أبو ندى

مسحت 55 عائلة بالكامل من السجلّ المدني من جرّاء القصف الإسرائيلي خلال الأسبوع الأوّل فقط. وتتالت بعد ذلك الأنباء عن إبادة عائلات بأجيالها الثلاثة بفعل القصف الجويّ. وعليه، تمّت فعليًّا إبادة هذه العائلات وهي عائلات لن تتمكّن من إعادة تشكيل نفسها. وكانت المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة الضابط الصربي راديسلاف كرستيتش قد أدانت المذبحة التي ذهب ضحيتها 7000 رجل معتبرةً أنّ وجود هؤلاء الرجال ضروري لبقاء الجماعة، وبالتالي يشكّل قتلهم تدميرًا لها لأنّها لن تستطيع بفعل ذلك إعادة تشكيل نفسها[36].


الشاعرة الشهيدة هبة أبو الندى

“قُتِل أبقراط في غزّة.

استبدله أطباء يردّدون القَسَم الطبيّ الغزيّ مثل تعويذة: دون كهرباء، بحلكة الظلام، دون تخدير، دون معدّات، دون أسرّة، دون أدوية، تحت الغارات، تحت الدمار، يقاتلون على كلّ نبضة قلب، كل نَفَسٍ إضافيّ، يتمسّكون كل بؤبؤ عينٍ يتحرّك، يسبحون في الموت، يصدّون أمواجه. كل لحظة. كل ثانية. دون توقّف. وبعد أن هددت إسرائيل كل مستشفيات غزّة دون استثناء، بعد أن أمرتهم بالرحيل، بعد أن قصفتهم في المعمدانيّ والقدس والشفاء وناصر – زادوا على القَسَم عبارة واحدة، تتردّد كأنها ضغطات إنعاش على صدر العالم المتهالك: لن نرحل… لن نرحل… لن نرحل…”

الكاتب الفلسطيني مجد كيال[37]

انتقلت إسرائيل من إنكار مسؤوليّتها في قصف مستشفى المعمداني في تاريخ 18 تشرين الأوّل إلى تركيز استهدافها للمستشفيات في عدوانها البري أيضًا، بأسلوب أدّى إلى إثارة “فزع” المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس[38]. هكذا لم يكتفِ الإسرائيليون بفرض الحصار على المعدات الطبية والوقود الذي أدّى إلى توقف معظم مستشفيات القطاع في نصف تشرين الثاني، وتوقّف المستشفى الوحيد الخاص بعلاج السرطان في القطاع[39] وهدّد الأطفال الخدّج والمرضى المتواجدين في العناية الفائقة، وحرم أكثر من 50 ألف امرأة حامل من الخدمات الصحية الأساسية؛ بل فرضوا أيضا حصارًا عسكريًا بريًا مباشرًا على المستشفيات في الشمال وأمروا بإخلائها، مصدّرين حكم إعدام بحق كلّ المرضى الذين لا يستطيعون تنفيذ الأمر. فانتشرت صور استشهاد الأطفال ومرضى العناية المركّزة بمن فيهم الأطفال الذين أجبر أهلهم على تركهم. وتثبت منظمة الصحة العالمية وشهادات الأطباء الذين خيّروا بين الموت والتخلّي عن مرضاهم، أنّ حتى من أخلى المستشفيات لم يسلم من نيران القوات الإسرائيلية. حتى أنّ المشافي تحوّلت إلى ثكنات عسكرية، بعدما دمّر الجنود المعدّات الطبية و”محطّات الأوكسجين وخطوط المياه ومخازن الأدوية بالمستشفى” وفق ما أوضحه مدير مستشفى الشفاء.
وبالرغم من الحملات الإعلامية والفيديوهات والتصريحات التي نشرها جيش الاحتلال لتبرير هذه الهجمات بوصف المشافي “غرف عمليات لحماس” و”أماكن لاحتجاز الرهائن”، إلّا أنّه لم يستطع إثبات أي من ادعاءاته. كما لم يثبت الاحتلال تحقيق أيّ هدف عسكري من خلال استهداف المراكز الطبية. وهذه ليست المرة الأولى التي يتصرّف الاحتلال فيها بهذه الطريقة.حيث أنّ بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق كانت أدانت في عامي 2009 و2015، هجوم القوات المسلحة الإسرائيلية المباشر والعمدي على المستشفيات ولم تجد أي دليل يدعم الادعاءات بأن المؤسسات الطبية استخدمت من قبل المجموعات الفلسطينية لأنشطة عسكرية[40]. فلا هدف في هذه الحرب، بوصفها إبادة، إلّا الشعب الفلسطيني، كاملًا.

التطهير العرقي والإبادة: جريمتان متكاملتان لتحقيق هدف تدمير الشعب الفلسطيني

“هذه طفلة تخرج الآن من سيارة الإسعاف ويبدو عليها الإرهاق والتعب ويبدو أنّهم مصابون الآن… من الواضح أنّه استهداف في أحد المخيمات أو الأماكن… استهداف نازحين. في أي منطقة؟ … إذًا هو استهداف لنازحين فلسطينيين عبر شارع صلاح الدين الذين كانوا يتنقلون من المناطق الشمالية إلى المناطق الجنوبية وتم إطلاق النار عليهم وهؤلاء أطفال”

الصحافية الفلسطينية خولا الخالدي[41]

لإسرائيل همّ دائم يعرف بـ “القضية الديمغرافية” التي يخشى الكيان أن تهدّد “الطابع اليهودي” لإسرائيل بحكم التفاوت في مستويات النمو بين الفلسطينيين واليهود. هذا “الهمّ الديمغرافي” اقتضى ليس فقط العمل على اجتذاب مزيد من اليهود إلى فلسطين (وهو أمر لم يعد متاحا بأعداد كببرة وربما نشهد اتجاهًا معاكسًا) إنما تحوّل في الآن نفسه إلى هاجس حول كيفية التقليل من أعداد الفلسطينيين. وإذ اعتمدت لهذه الغاية في غزة كما في القدس الشرقية والضفة سياسات تصعّب من شروط الحياة في اتجاه دفع الفلسطينيّين إلى الهجرة، تردد بشكل متزايد من فينة إلى أخرى الحديث عن ترانسفير جماعي أي طرد الفلسطينيين جماعيا إلى الدول العربية المحيطة، بما يشكّل جريمة تطهير عرقي (أو تهجير قسري) لطرد الفلسطينيين في استعادة لسيناريو نكبة 1948. وما كان يتردّد من فينة وأخرى بصورة منعزلة، بلغ أوجه مع بداية العدوان الجديد على غزة، في ظلّ الحديث عن النكبة الثانية بل في ظلّ تأكيد مسؤولين إسرائيليين عدة أنّ تهجير غزة من أهلها إنما بات شرطًا لأمن إسرائيل واجتثاث “حماس”. لا بل أن التطهير العرقي لأهالي غزة بات يشكّل هدفا معلنا بوضوح في بعض الوثائق الإسرائيلية الرسمية. ففي تاريخ 17 تشرين الأوّل، نشر معهد مسغاف للأمن القومي والإستراتيجية الصهيونية تقريرًا[42] يروّج لـ “الفرصة الفريدة والنادرة” لـ “إعادة التوطين والتوطين النهائي لجميع سكان غزة”، متّكلًا على الأزمة المالية/السكنية في مصر ما قد يدفعها إلى قبول العرض الإسرائيلي بنقل الفلسطينيين إلى مصر. كما تكثر التصريحات الاسرائيلية التي تعزز الخيال حول إعادة احتلال واسترجاع غزة، وتنادي بصغر حجم القطاع عند نهاية الحرب، والتي تدعو دول العالم أجمع إلى “تحمّل مسؤوليّاتها” لاستقبال أعداد من الغزاويين في نهاية الحرب.
وتنفيذًا لهذه المشاريع التي قد تتمّ تدريجيًا على مراحل، تكررت محاولات الاحتلال لإفراغ شمال القطاع في مرحلة أولى. بعد قصف كثيف ومتواصل على مدى أيام وأسابيع على كامل القطاع، قام الجيش الإسرائيلي بإلقاء مناشير على شمال قطاع غزة تأمر بـ “إخلاء” السكان على الفور باعتبار شمال القطاع كله هدفًا عسكريًا. وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية نداء بالرجوع عن أمر الإخلاء، واعتبر المتحدّث الرسميّ باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أنّه لا يمكن تهجير أكثر من مليون شخص “من دون آثار إنسانية مدمرة”. لم يكتفِ الإسرائيليون بالتحذير بوجوب الإخلاء، إنما عمدوا بشكل منتظم إلى ضرب كل الأماكن التي شكلت أو كان يفترض أنها تشكل مأوى آمنًا لأهالي غزة، مثل قصف المستشفى والكنائس والمساجد، بعد الادّعاء أنّها كلّها تشكل أهدافًا عسكرية. فكأنّما لا يراد أن يبقى مكان آمن لأحد في شمال غزة في فترة أولى. وهذا ما انتهى إلى تهجير مئات آلاف الغزاويين ممن كانوا يرفضون الرحيل رغم كل التضييق من قبل. 

وفيما حاول الإسرائيليون ترويج نداءاتهم بالإخلاء كتطبيق للقانون الدولي الإنساني، إلّا أنّها فعليًا عملية تطهير عرقي مثلما جاء في موقف  المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز الذي كان الأوضح في توصيفه. ومع انتهاء الهدنة، عاود الاحتلال هجومه مركزًّا بشكل خاص على جنوب القطاع وعاود تنفيذ مخطط التهجير داعيًا الفلسطينيين – أكثر من مليون ونصف شخص – إلى التوجّه نحو رفح. وفيما كانت تقترف قوّات الجيش الاسرائيلي الإبادة والتهجير جوًا وبرًا بحق الفلسطينيين في غزّة، أشرك وزير الأمن الإسرائيلي ايتمار بن غفير المستوطنين في المهمة في الضفة. حيث سلّمهم شخصيًا أسلحة[43]، مطلقًا على الميليشيات اسم “الفرق الأمنية” التي ستتمركز حول “حدود” إسرائيل والمستوطنات. لا يسعنا إلّا لحظ تشابه النمط المعتمد بالإبادة الروندية، حيث تمّ اتّباع خطة لـ “الدفاع عن النفس من قبل المدنيين”، وتمّ تدريب الميليشيات من قبل “الشرطة المجتمعية”. إلّا أنّه وبينما كانت الإبادة في رواندا مصحوبة بسرّية ولم يتم اكتشاف هذا المخطط في منزل ضابط عسكري إلّا بعد الحدث[44]، فإنّ الخطة الإسرائيلية وضعت موضع التنفيذ علنًا وكردّ على هجوم 7 أكتوبر.

غالبًا ما تكون مبررات التطهير العرقي والإبادة متلازمة ما أدّى إلى تباين في مواقف المحاكم واللجان الدولية في نتائجها لتوصيف الجرمين. مثلًا، لم تفصل محكمة العدل الدولية بين التطهير العرقي وبين الإبادة الجماعية بشكل تام، بل اعتبرت أنّه من الممكن أن يؤدّي التطهير العرقي إلى إبادة جماعية، حين لا يمكن تحقيق الهدف الأوّل (جعل مساحة جغرافية متناسقة عرقيًا) من دون اللجوء إلى إبادة أعضاء المجموعة المنوي “تطهير” البقعة منها[45]. أمّا المدّعي العام فقد استنبط نية التدمير والطبيعة “الإبادية” في قضيته ضد راديسلاف كرستيتش من خلال أفعال التهجير[46] معتبرًا أنّ “الترحيل القسري وسيلة أخرى لتحقيق التدمير الجسدي للمجتمع المسلم في سريبرينيتسا” لأنّ عملية إجلاء جميع المسلمين “حرمت المجتمع المسلم في المنطقة من أي إمكانية متبقية لإعادة تشكيل نفسه[47]“.

إنّ تطبيق كل الاجتهادات السابقة يصبّ في النتيجة عينها: لا ينفصل مشروع التطهير العرقي عن مشروع الإبادة في غزة. ففي غزة، لا مكان آمنًا. وطرق الإخلاء نفسها تقصف. بمعنى أنّ الإسرائيليين يحاولون جاهدين تدمير ما يمكن تدميره وتهجير من يمكن تهجيره تحضيرًا لما بعد الحرب. وقد تعزز المنحى التهجيري حين عمد الجيش الإسرائيلي إلى تقنيص المهجّرين جنوبًا الراغبين في العودة إلى الشمال خلال الهدنة وذلك حفاظا على مكسبه في تهجير كل هؤلاء.

ارتكاب الإبادة بتواطؤ دولي

“السويد والاتحاد الأوروبي يقفان متّحدين مع إسرائيل في حقها في الإبادة الجما… – الدفاع عن النفس!”

رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون

إنّ تنظيم وتسهيل الإبادة الجماعية لا يقلّ أهمية عن تنفيذها. وكما اعتبرتْ محكمة العدل أنّه لم يكن من الممكن ارتكاب “الفظائع في سريبرينيتسا” لولا سياسة دعم ومساندة ومساعدة من قبل جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية لصالح المرتكبين[48]، لا يمكن للإسرائيليين ارتكاب إبادتهم لو لم يحظوا بدعم وتسليح وتمويل (والأهم فترة سماح للاستمرار في عدوانهم) يتيح لهم ارتكاب الإبادة.

ونظرًا لخطورة الإبادة،  كانت اتفاقية 1948 فرضت على الدول موجب ردعها، بخاصة حين يكون للدولة ولأجهزتها سلطة فعلية وقدرة على التأثير على الجاني، سواء كان الجاني فردًا أو دولة. وهذا يعني أنّه على كل دولة واجب القيام بـ “تقييم ما إذا كانت هناك إبادة جماعية أو خطر جدي للإبادة الجماعية”[49]. وفي تفسيرها لاتفاقية 1948، وسّعت محكمة العدل الدولية موجبات الدول فحظرت عليها المشاركة بالأفعال التي تلازم جرم الإبادة المنصوص عنها في الاتفاقية[50]. ولا يشترط لتجريم أفعال المشاركة إثبات نية الإبادة لدى المشاركين، بل يكفي إثبات علم المشارك بوجود نية الإبادة لدى الجاني الأساسي. أمّا أشكال التواطؤ فمختلفة، و”تشمل توفير الوسائل التي تمكن أو تسهل ارتكاب الجريمة”.

بعد عملية طوفان الأقصى، قدّم الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية على وجه التحديد[51] والولايات المتحدة وبريطانيا الدعم لاسرائيل منذ اليوم الأوّل تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، دعمًا يريدونه ثابتًا أو حتى “غير مشروط”. وسارع عدد واسع من رؤساء الدول إلى زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي لتقديم “الدعم” لإسرائيل، وكان المشهد أشبه بتقديم فرض الطاعة. فاستقبل نتنياهو الرئيس تلو الآخر، وثبّت مزاعمه في وقوف جميعهم إلى جانبه في حربه على “البربرية والإرهاب والوحشية”. ومع أنّ اسرائيل تتلقى الدعم العسكري من عدد واسع من الدول، إلّا أنّ حربها على غزة دفعت بعض الدول – مثل إيطاليا – إلى تعليق تصدير الأسلحة إلى اسرائيل[52]. أمّا الضبابية التي تحيط بتجارة الأسلحة، فقد دفعت منظمات فلسطينية  في بداية تشرين الثاني إلى رفع دعوى أمام القضاء الأسترالي ضدّ دولة أستراليا بهدف الحصول على جميع التصاريح التي تسمح بتصدير الأسلحة إلى إسرائيل والتي منحها وزير الدفاع منذ 7 تشرين الأول 2023.

لكنّ دولًا أخرى أعربت بوضوح استعدادها لتقديم الدعم المادي (عسكريًا أو مخابراتيًا) إلى إسرائيل، وهي تتشارك بالتالي في المسؤولية مع الإسرائيليين. حيث أعرب رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في تاريخ 9 تشرين الأول التزام المملكة المتحدة بتقديم الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي والأمني لإسرائيل حسب ما تقتضيه الحاجة. وفي 12 تشرين الأول، أعلن عن تقديم هذا الدعم العملي لإسرائيل، فتم نشر سفينتين تابعتين للبحرية الملكية وطائرات مراقبة في شرق البحر الأبيض المتوسط[53]. من جهته، شدد المستشار الألماني أولاف شولتز، أمام البرلمان الألماني في تشرين الأول على التزام ألمانيا الثابت بالوقوف إلى جانب إسرائيل، مستشهدًا بالمسؤولية التاريخية الناشئة عن المحرقة. وقد وافقت الحكومة الألمانية، اعتبارًا من 2 تشرين الثاني، على زيادة كبيرة في صادرات المعدات الدفاعية إلى إسرائيل، بقيمة إجمالية تزيد عشرة أضعاف عمّا كانت تزوده ألمانيا لإسرائيل في عام 2022، ومعظم هذه الزيادة والموافقات حصلت بعد عملية طوفان الأقصى.

طبعًا، تؤدي الولايات المتحدة الدور الأخطر في هذه الإبادة. حيث أنّه منذ بداية العدوان الإسرائيلي، أظهر المسؤولون الأميركيون تأييدًا ودعمًأ كاملًا للحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. فزوّدت الولايات المتحدة إسرائيل بالذخائر والمعدات العسكرية والطائرات وأرسلت قوات الجيش الأميركي لمساندة إسرائيل “تكتيكيًّا” في عملية الغزو البرية. وقد تقدّم مركز الحقوق الدستورية بدعوى أمام القضاة الأميركيين ضد الرئيس جو بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن لفشلهم في “منع تجنّب الإبادة الجماعية”. وقد أوضح المركز مسار المسؤولية الأميركية، مركّزًا على علاقة الولايات المتحدة الوثيقة تاريخيًا مع إسرائيل وتأثيرها عليها، وعلى الدور الأميركي في رفض وممانعة الهدنة التي نادى بها العالم، واستخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد قرارات “الهدنة الإنسانية”. لا بل كثّف المسؤولون الأميركيون تنسيقهم للهجوم الإسرائيلي على غزة وحافظوا على الدعم العسكري غير المشروط، ورفضوا حتى مراقبة استخدام الأسلحة الأميركية في الإبادة الجماعية التي تتكشف في غزة. وقد طلبت إدارة بايدن من الكونغرس 14.3مبلغ  مليار دولار لمساندة إسرائيل[54].

قنابل مضيئة في سماء خانيونس

الإعلام في ظل الإبادة: بين جريمة الترويج لها ومواجهة الموت لفضحها

“إن وسائل الإعلام الغربية (…) تجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم ​​​​بشكل مستمر لتسهيل الإبادة الجماعية، وتبث دعاية للحرب والدعوة إلى الكراهية”

كريغ مخيبر، مدير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان المستقيل

غالبًا ما تبتدع الأنظمة كذبة تخضّ الوجدان العالمي قبل شنّ أشنع الحروب وأفظعها فلا يعود هجومها مستهجنًا. على نحو مماثل، أتت الأكاذيب والمبالغة من قبل الاسرائيليين بشأن أحداث عملية طوفان الأقصى فكان خبر الأربعين طفلًا مقطوعي الرؤوس العنوان الرئيسي المتناقل في الإعلام عالميًا، بخاصة بعد ما زعم الرئيس الأميركي جو بايدن رؤيته لهذه الصور، قبل أن ينفي البيت الأبيض صحة الخبر ويعترف الإسرائيليون أنفسهم بغياب الأدلة الكافية عليه. ومع مرور الوقت، ظهرت شهادات مستوطنين وجنود إسرائيليين يقرّون أنّ عددًا واسعًا (قد يكون الغالبية) من ضحايا 7 تشرين الاوّل قتلوا بنيران الجيش الإسرائيلي نفسه. لكنّ انكشاف الحقيقة المتأخّر لم يعد يجدي، فقد بدأت مطحنة الإبادة بحدل الفلسطينيين في غزة بعدما استطاعت عبر أكاذيبها انتزاع “شرعية” أو قبول واسع. في كل حرب، يؤدي الإعلام دورًا بالغ الأهمية ويتحمّل مسؤولية أخلاقية ومهنية في نقلها. ولكن في ظلّ الإبادة، إنّ المسؤولية الإعلامية ترتقي إلى مسؤولية قانونية جزائية، تمامًا مثل ما حصل في الإبادة الرواندية حيث أدين صحافيون وراديو “ميل كولين” بجرم التحريض على الإبادة الجماعية لمساعدتهم في “خلق مناخ يسمح لآلاف الأشخاص إسكات غرائزهم الأخلاقية الأساسية والمشاركة في المذابح المنهجية بحق الآخرين”[55].

اغتيال الصحافيين الفلسطينيين والعرب

يحاول الاحتلال ارتكاب إبادته في عتمة وعزل تام. هما العتمة والعزل نفسيهما اللذين يفرضهما على سكان القطاع، فلا يضيء سماء القطاع إلّا شعاع نيران القصف المستمر أو القنابل المضيئة، ويجد الغزّيون صعوبة في التواصل فيما بينهم ومع خارج القطاع في ظل تعمد الاحتلال إلى قطع سبل الاتصال بشكل متكرر. لقد وصفت هذه الحرب بالأكثر دموية بالنسبة للصحافيين منذ عام 1992، حيث أظهرت التحقيقات الأولية مقتل 61 صحافيًا وإعلاميًا على الأقل من القصف الإسرائيلي. واغتالت إسرائيل الصحافيين الفلسطينيين وعائلاتهم بشكل مباشر “ضمن سياسة ممنهجة وبقرار رسمي لإرهاب الصحافيين لمنع نقل الجرائم الإسرائيلية للعالم”[56]. لم يبق في غزة إلّا الصحافيون الفلسطينيون بعد ما سحبت الوكالات الأجنبية مراسليها لأن الجيش الإسرائيلي أنذرها بعدم  ضمانة سلامتهم.

صورة مركّبة للصحافيين الشهداء في غزة حتى الآن

المسؤولية الجنائية للصحافيين الإسرائيليين

أدانت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا راديو “ميل كولين” لاّنه ساهم في تحفيز السكان وإثارة حالة من الكراهية والعنف داخلهم، ولأنّه وصل إلى حدّ بث أسماء أشخاص معينين ومعارضين للنظام وأشخاصًا مشيرًا إلى أنّهم “يستحقون الموت”. هذا هو بالضبط ما يفعله الإعلام الاسرائيلي، الذي يعمّم ويتبنّى كل الخطاب الرسمي الاسرائيلي الذي يجرّد الفلسطينيين من الصفة الإنسانية ويشرّع إبادتهم. ولكنّه تحديدًا يؤدي هذا الدور تجاه الصحافيين الفلسطينيين الذين يلاقون متابعة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي  حيث نشر صور صحافيين ممّا يعرّضهم للخطر بشكل علني ومشككًا في نزاهتهم. ووصلت الادعاءات الإسرائيلية إلى حدّ اعتبار أنّ الصحافيين العاملين في غزة كانوا على علم مسبق بهجوم “حماس” في 7 أكتوبر.

تواطؤ الإعلام الغربي

بشكل عام، أسقطت هذه الحرب أوهام “الحيادية” و”المهنية” عن الكثير من وسائل الإعلام الغربية التي تحوّلت إلى أدوات لنقل البروباغندا الإسرائيلية الكاذبة من دون أي مساءلة ومن دون التحقق منها، لا بل شاركت أحيانًا في تلفيق هذه الأكاذيب. وأبرز مثل على ذلك كان انتشار فيديوهات “ممسرحة” للصحافيين الموكلين تغطية الميدان يتظاهرون بتعرّضهم لخطر مفرط في إسرائيل بينما يظهر واضحًا سير الأمور بشكل “طبيعي” في الخلفية. ساهم الإعلام الغربي إلى حد كبير في تبرير الإبادة الوحشية معتمدًا على توازن بين الدفاع عن العدوان الاسرائيلي والتخفيف من مشهدية المأساة في غزّة. وقد وصل الأمر بالبعض أحيانًا إلى التحريض المباشر  لاستمرار الإبادة ورفض الهدنة. ونشير أدناه إلى جزء بسيط من الأساليب المعتمدة.

أوّلًا، تم تصوير الكيان الإسرائيلي كالضحية الوحيدة والأبدية وتم التركيز المكثّف على عملية طوفان الأقصى من دون أي ذكر للسياق السياسي أو لتاريخ الاحتلال. السردية واضحة، وحدهم الاسرائيليون هم الضحايا ويمتلكون “حصرية الإنسانية”. فصّل الإعلام أسماء وصور وقصص الرهائن الإسرائيليين، فيما لم يتعامل مع الفلسطينيين إلّا كـ”أضرار جانبية” تقع في كل حرب. فغدا آلاف الضحايا الفلسطينيين – شهداء وجرحى – مجرّد إحصائية من دون حتّى أن يُسمح بلحظ ضخامة الرقم، فشكك الإعلام في صحة أرقام الضحايا الصادرة عن وزارة الصحة في غزة تحت حجّة غياب الثقة بـ “حماس”، متغاضيًا عمدًا عن ذكر سبب غياب منظمات دولية أو خارجية للتثبت من هذه الأرقام الكامن في العدوان الإسرائيلي نفسه. كما أنّه تبنّى المفردات الإسرائيلية نفسها لوصف الفلسطينيين مثل البربرية والإرهاب. هكذا، وفي تماهٍ مع الأهداف الإسرائيلية شارك الإعلام في تجريد الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين.

ثانيًا، وأيضًا في تماهٍ تام مع بروباغندا الاحتلال، استخدمت أساليب تحوير قواعد القانون الدولي نفسها لتبرير كل عمل عدواني. في كل مرة قُصفت مستشفى أو مدرسة أو مخيم، اعتمد الإعلام حجة “الدروع البشرية“. وفي انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي وخلافًا لتوصيف العديد من الخبراء، ركّزت وسائل الإعلام على أوامر الإخلاء باعتبارها إجراءات احترازية كافية مروّجة لصورة الجيش الإسرائيلي “الأخلاقية”. بالتالي، ألقيت مسؤولية قتل الفلسطينيين على الضحايا أنفسهم، لأنهم رفضوا الامتثال لهذه الأوامر فيما ذهب البعض إلى تكريس الأكاذيب الإسرائيلية القائلة بأن مقاتلي حماس منعوا الناس من الإخلاء.  

وكأنّ تبنّي البروباغندا الإسرائيلية الرسمية غير كافٍ، حتى أذعنت الوكالات الأميركية إلى شرط القوات الإسرائيلية موافقتها على “جميع المواد والقطات”  الصادرة من غزة قبل نشرها، لتؤكد بطريقة أوضح أنّ إسرائيل هي التي ترسم السردية، وجزء من الإعلام الغربي يختار التواطؤ.


[1]على الرغم من كون هذه الجريمة قد ارتكبت في تاريخ البشرية مرارًا وتكرارًا، إلّا أنّ  دخول الجريمة حيّز الخطاب الرسمي مع سلسلة قرارات اتخذتها الجمعية العامة في الأمم المتحدة (قرارها 96 عام 1946 و180 عام 1947). وفي عام 1998، أنشِئت المحكمة الجنائية الدوليّة التي تُعنى بمعاقبة الأفراد (من الآمر إلى المنفّذ) الذين يقترفون الجرائم التي حدّدها نظامها. وقد تبنّى نظام هذه المحكمة التعريف نفسه الوارد في اتفاقية 1948. وخلال العقود الماضية، تولّت محكمة العدل الدوليّة كما محاكم دوليّة خاصة وأيضًا لجان تحقيق أممية خاصة النظر في نزاعات أو اتهامات حول الإبادة. وقد سمحت اجتهادات هذه المحاكم بتحديدٍ أوضح وأدقّ لهذا المفهوم وشروطه القانونية.

[2] المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1949)، والمادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998).

[3] في تاريخ 14 تشرين الأوّل 2023

[4]  في تاريخ 19 تشرين الأوّل 2023

[5] الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، ومركز فلسطين لحقوق الإنسان (PCHR)

[6] في تاريخ 9 تشرين الثاني 2023

[7] «Peu de gouvernements seraient assez démoniaques pour proclamer de telles intentions génocidaires», Mémoire du Gouvernement de la Bosnie-Herzégovine, 15 avril 1994, para. 53.

[8] Center for Constitutional Rights,  Emergency Legal Briefing Paper “Israel’s Unfolding Crime of Genocide of the Palestinian People & U.S. Failure to Prevent and Complicity in Genocide” October 18, 2023, p. 11-12

[9] وهو ما يتفاخر به عضو الكنيست آريال كالنير الآن هدف واحد: النكبة! نكبة تطغى على نكبة 48. نكبة غزة ونكبة كل من يجرؤ على الانضمام!”

[10] “Parmi les crimes graves que ce Tribunal a le devoir de punir, celui de génocide se singularise par la réprobation particulière et l’opprobre qu’il suscite. Le génocide est un crime horrible de par son ampleur ; ses auteurs vouent à l’extinction des groupes humains entiers. Ceux qui conçoivent et commettent le génocide cherchent à priver l’humanité des innombrables richesses qu’offrent ses nationalités, races, ethnies et religions. Il s’agit d’un crime contre le genre humain dans son intégralité, qui touche non seulement le groupe dont on cherche la destruction, mais aussi l’humanité tout entière”. TPIY, chambre d’appel, 19 avr. 2004, Arrêt dans l’affaire Radislav Krstić, § 36.

https://www.irmct.org/specials/srebrenica20/index-fr.html

[11] TPIR, ch. prem. inst. I, 4 sept. 1998, Jean Kambanda, § 10-16 ; 2 oct. 1998, Sentence contre Paul Akayesu, § 3-11

[12] من اللافت أن لجان التحقيق والمحكمة العدل الدولية أصبحت تستند جزئيا على هذه المعطيات السوسيولوجية للاستدلال على حصول إبادة.

Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (The Gambia v. Myanmar), Preliminary Objections, Judgment, I.C.J. Reports 2022, p. 477

[13] منشور بتاريخ 10 تشرين الثاني 2023

[14] منشور الكاتبة الفلسطينية الشهيدة هبة أبو ندى، تاريخ 15 تشرين الأوّل 2023

[15] المادة 3، ه)، د)

[16]  في المحكمة الجنائية الخاصة برواندا

[17] MELVERN Linda, Complicités de génocide. Comment le monde a trahi le Rwanda. Karthala, «Hommes et sociétés », 2010. Chapitre 6, “La préparation du génocide”, p. 105 – 123

[18] وقد ارتكز على هذا التقرير المحامين في الدعوى المقدّمة في الولايات المتحدة الأميركية.

[19] عضو سابق في حزب الليكود

[20] Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro), Judgment, I.C.J. Reports 2007 p.196-197, par. 373.

[21]MELVERN Linda, Complicités de génocide. Comment le monde a trahi le Rwanda. Karthala, «Hommes et sociétés », 2010.Chapitre 13, “Le génocide mis à nu”,p 237 – 254.

[22] ألا وهي القتل، إلحاق أذى جسدي أو عقلي خطير وإخضاع الشعب الفلسطيني عمداً لظروف معيشية يراد منها تدميره كليًا أو جزئيًا.

[23] انظر التقارير الشهرية لحركة خروج ودخول الأشخاص والبضائع من وإلى غزّة التي ينشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.

[24] “غزّة: حرب على النفوس”. مقال لمجد كيال، كاتب فلسطيني من حيفا، نشر على موقع السفير العربي ، في تاريخ 2020-01-09.

[25] معبر رفح خاضع لسلطة مصر والسلطة الفلسطينية، لكن فعليًّا منذ أن سيطرت حماس على قطاع غزة عام 2006، بقي المعبر مغلقًا بشكل شبه دائم من قبل مصر حيث لا يتم فتحه إلا استثنائيًا ولفترات قصيرة جدًا. ولا يغفل على أحد أنّ قرار الفتح يخضع لضغط سياسي وعسكري إسرائيلي.

[26] ما دفع بخمس منظمات وهيئات دولية إلى إصدار بيان مشترك في 21 تشرين الأوّل حول ضرورة إدخال  إمدادات المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة.  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، واليونيسف (UNICEF)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)

[27] ما أجبر الجهات الإنسانية على تقليص استخدام الوقود بشكل كبير وتحديد الأنشطة الأكثر أهمية أولًا. ورفض فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الاتهامات التي طالت “حماس” بسرقة الوقود من الأمم المتحدة، وشدد على أن الوكالة تمتلك “آلية مراقبة قوية” تضمن أن المساعدات لا تُحول إلى “حماس”.

[28] البروتوكول الإضافي الأول لمعاهدة جنيف، المادة 54 الفقرة الثانية

[29] تم إغلاق المخبز الأخير الذي يعمل بالشراكة مع الوكالة بسبب نقص الوقود. وقد أدى نقص الوقود إلى توقف إنتاج الخبز في كافة مخابز غزة البالغ عددها 130 مخبزًا.

[30] تحديث رقم 15، تاريخ 21 تشرين الأوّل

[31]في تاريخ 21 تشرين الأوّل 2023

[32] محررة في الصفقة الأخيرة في تاريخ 26 تشرين الثاني

[33] التقرير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، الفقرة 1881

[34] على الرغم من إنكار الجيش الاسرائيلي هذا الاتهام، هذه ليست المرّة الاولى التي تستخدم فيها اسرائيل هذه الأسلحة، فقد اعتبرت بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق عام 2009 أنّ ” القوات المسلحة الإسرائيلية كانت متهورة بشكل منهجي في تحديد استخدامها في المناطق المبنية”. التقرير الصادر عن “بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة” الفقرة 48.

[35] في تاريخ 12 تشرين الأوّل

[36] Le Procureur c. Radislav Krstic, Chambre d’appel, arrêt du 19 avril 2004, para. 28.

[37] في تاريخ 24 تشرين الاوّل 2023

[38]وقد أفادت منظمة الصحة العالمية أن 521 شخصا على الأقل، بينهم 16 عاملا طبيا، قُتلوا في 137 هجوما على الرعاية الصحية في غزة حتى 12 نوفمبر/تشرين الثاني.

[39]وقد وثّقت منظمة العفو الدولية الاعتداءات الاسرائيلية المتزايدة والهجمات العسكرية البرية خلال الأيام الفائتة، وقد حققت هيومن رايتس ووتش في الهجمات على المستشفى الإندونيسي، والمستشفى الأهلي، والمركز الدولي للعيون، ومستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، ومستشفى القدس، أو بالقرب منها، بين 7 أكتوبر/تشرين الأول و7 نوفمبر/تشرين الثاني.

[40]التقرير الصادر عن “بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة” فقرة 36، 39-40;  تقرير النتائج المفصلة للجنة التحقيق المستقلة المنشأة وفقًا لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم S-21/1، الفقرة 247-249

[41] في تاريخ 10 تشرين الثاني

[42] وهو لم يكن موجّهًا للعامة – تم تسريبه في تاريخ 23 تشرين الأوّل 2023

[43]  في تاريخ 24 تشرين الاوّل

[44] MELVERN Linda, Complicités de génocide. Comment le monde a trahi le Rwanda. Karthala, «Hommes et sociétés », 2010. Chapitre 6, La préparation du génocide, Linda Melvern. Page 105 à 123

[45] معتبرةً أنّ مفهوم نية الإبادة الجماعية ينحصر “بالتدمير، كليًا أو جزئيًا”، لمجموعة معينة. أمّا  التطهير العرقي – أو التهجير القسري لأعضاء المجموعة –  لا يرقى  تلقائيًا إلى تدمير المجموعة المذكورة حتى لو استخدمت القوة لتنفيذه. Para. 190.

[46] تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التمايز بين المفهومين ليس بهذا الوضوح في بعض المحاكم الداخلية والأوروبية، حيث وصفّت المحاكم الالمانية جرم الإبادة الجماعية وأدانت شخصا شارك بـ”التهجير القسري” من دون أن يشارك شخصيًا بأي مجازر مباشرة، وقد قبلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا التفسير الواسع لجرم الإبادة الذي تبنته المحاكم الألمانية  Jorgic c. Allemagne, Cour Européenne des Droits de l’Homme, arrêt du 12 juillet 2007.

[47] Le Procureur c. Radislav Krstic, Chambre d’appel, arrêt du 19 avril 2004, para. 31

[48] Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro), Judgment, I.C.J. Reports 2007, p. 123, Para. 198.

[49] Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro), Judgment, I.C.J. Reports 2007, p. 221, para. 430-431

[50] المنصوص عليها في المادة الثالثة من الاتفاقية، أي التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية. ( ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية. ( د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية. (هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية.

[51] فرنسا، إيطاليا، ألمانيا

[52] أوقفت إيطاليا إصدار تراخيص جديدة لتصدير الأسلحة والأنظمة العسكرية إلى إسرائيل. وكان من المفترض أن تتخذ هذا القرار هيئة “أوما”، وهي الهيئة الوطنية المسؤولة عن إصدار التراخيص ومقرها وزارة الخارجية، بعد حوالي أسبوع من التدخل العسكري للقوات المسلحة الإسرائيلية في قطاع غزة. وفي الواقع، فإن التعليق لن يتعلق إلا بأي تراخيص تصدير جديدة، وليس تلك التي تم إصدارها بالفعل في السنوات السابقة والتي لا تزال قيد التنفيذ.(…) إذا كانت الحكومة تريد حقًا منع استخدام إسرائيل للمواد العسكرية المنتجة في إيطاليا، فلا يمكنها أن تقتصر على تعليق التراخيص الجديدة فقط، بل يجب أن توسع التعليق ليشمل جميع التراخيص الصادرة في السنوات الأخيرة، وخاصة تلك المواد العسكرية – مثل القنابل. والصواريخ والقذائف والمقذوفات – التي يمكن أن تستخدمها القوات المسلحة الإسرائيلية لارتكاب جرائم حرب وانتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي.

[53]  تتألف الحزمة العسكرية من طائرات مراقبة من طراز P8، وسفن مساعدة، ومروحيات ميرلين، ومشاة البحرية الملكية

[54]  يدور النقاش في الكونغرس حول ما إذا كان هذا الدعم سيقدّم مع شروط مقيدة، بما في ذلك تدابير لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين.

[55] SG/SM/9223, 26 mars 2004.

[56] كما جاء في بيان نقابة الصحافيين الفلسطينيين في تاريخ 28 تشرين الأوّل 2023

انشر المقال

متوفر من خلال:

لا مساواة وتمييز وتهميش ، فلسطين ، تحقيقات ، منظمات دولية ، تشريعات وقوانين ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، فئات مهمشة ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية