درس “الثورة” عبر مجموعة تسكير طريق “الرينغ”: تبلور العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المساحات


2019-10-25    |   

درس “الثورة” عبر مجموعة تسكير طريق “الرينغ”: تبلور العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المساحات

مع ظهور الخيوط الأولى للشمس، يزداد عدد المجتمعين يومياً على جسر “الرينغ”، قرب  المبنى الجديد لشركة الإتصالات “touch“،  يحرص هؤلاء على ضمان استمرار تسكير  الطريق الأساسية التي تصل بين منطقتي الحمرا والأشرفية من الجهتين للنهار الثالث على التوالي. وفي غضون ساعات يرتفع عدد الخيم من ثلاثة إلى تسعة. هناك قدم أحد عناصر الجيش قبعته للمجموعة كرمز دعم خجول،ووزعت الورود على الأفراد مرتين في غضون ساعة. أتت مجموعة تقدم الحلويات للمنهكين بعد ليل طويل. تكدست أكياس الطعام إلى جانب الخيم لتأمين غذاء المشاركين في الحراك . كثُرت نقاط الإلتقاء والتجمع في ساحات وشوارع بيروت وحتى في الساحة نفسها، ويمكن القول أن كل نقطة تجمع  وحشدها بدأت تتميز عن الأخرى إما بشعاراتها، أسلوبها، أو علاقة أفرادها بما يُغني الحراك، ويُقدم لكل شخص خيارات عديدة ليجد نفسه في إحداها . عمدت “المفكرة”  إلى الإنضمام إلى “مجموعة تسكير الرينغ” التي عبرها يمكن استخلاص بعض  ميزات الحراك الذي يشهده  لبنان، والذي يدخل نهاره التاسع اليوم 25 تشرين أول 2019.

من ابنة الضاحية إلى ابن أدما: من هي هذه المجموعة؟

لمجموعة جسر الرينغ وجوهاً مألوفة، هي نفسها لا تزال هناك منذ أن تولى أفرادها مهمة تأمين إقفاله قبل أربعة أيام. يمكن ت تمييز أفرادها   بين الذين يقومون بفتح الطريق أمام سيارات الإسعاف أو الذين يقومون بتنظيف الطريق وجمع النفايات أو الذين  يرتبون الخيم  حيث يبات  بعضهم  ليلته فيها. ولكن لا تقتصر المجموعة فقط على هؤلاء فهناك من “يداوم” خلال ساعات النهار، هناك من انضم للمجموعة يوم أمس ، وبعضهم انضم صباح اليوم. معظم الموجودين والمشاركات من النساء، هم من جيل الشباب يشاركهم الساحة بعض الأطفال والكبار. والملفت تنوعهم، من إبن الشياح إلى الآتي من بربور، من إبن أدما إلى إبنة الضاحية، من طالبة علم النفس إلى الحائز على شهادة علوم الاقتصاد، إلى موظف في منظمة  دولية فالعاطل عن العمل، وهكذا.

تحدثت الـ”مفكرة” مع صبية أتت بالطعام وسألتها عن انضمامها للمجموعة حيث قالت: “مبارح بييجي واحد على رياض الصلح بقلي بليز الجيش بدو يفتح الطرقات فيكي تجي تساعدينا نسكر الرينغ؟ طلعت قعدت ساعتين وساعدتهم بتسكير الطريق، شفت هيدي البيضا اللي هونيك (مشيرة إلى حاجز من اللون الأبيض مستخدم للتسكير) هيدي أنا حملتها. ما بعرفن لهل جماعة بس لما وعيت الصبح قلت أكيد بيكونو جوعانين فجبتلهم ترويقة“. هنا تبرز العلاقات التي تنشأ بين معتصمي الحراك الذين تعرفوا على بعض البعض خلال الإعتصام أو تسكير الطرقات. تعكس نقطة جسر الرينغ تضامناً وتعاوناً ونقاشات بين أفراد تقرّبوا من بعضهم عبر الأهداف  المشتركة. وأفاد أحد أفراد المجموعة الجالس بقرب زميله “والله قاعدين من مبارح أنا واياه عم نحكي ونتسلى وما بعرف حتى شو اسمه“. وقال  شخص آخر عندما سألناه عما تتميز به نقطة الرينغ عن الساحات “نحنا ما بدنا نسب حدا، نحن ما عنا أجندة سياسية، أجندتنا الإصلاح وتوقيف النهب“. ورأى متظاهر أخر من المجموعة  أن لا مهرجانات في الرينغ    ولا مسرح أو موسيقى صاخبة. ويأتي تسكير الطريق خيار أخير اضطروا الوصول إليه وهدفه تنفيذ الإضراب البلد“.

تنظيم عفوي منضبط

قضاء بضع  ساعات في نقطة الرينغ كافية لتظهر تنظيم الشباب والصبايا وفعاليتهم في إقفال  الطريق وضمان استمرارية تسكيره . يمكن ملاحظة  تقسيم  المسؤوليات خاصة في إدارة فتح الطريق أمام سيارات الصليب الأحمر والقوى الأمنية والحالات الطارئة. فهناك نقطتي  عبور من كل جهة من الطريق، وعلى كل نقطة شخص أو شخصين واجبهم فتح وإعادة تسكير الطريق المغلقة بحواجز معدنية وحجارة مصممة بطريقة تسهّل هذه العملية. كما نرى البعض يجمع النفايات أو يقوم بنصب الخيم. ويتم تنظيم مناوبات بين الأفراد لضمان وجود عدد كافي من الموجودين في حين يغادر البعض ليرتاح أو لدعم تسكير طريق أخرى.

ُ نشأت أيضاً مجموعات “واتساب” للتنسيق بين مختلف المجموعات المسؤولة عن قطع طرقات أخرى ولتأمين الدعم لبعضها عند الحاجة، فهكذا خُلقت شبكة عفوية بين مختلف الأفراد تتخطى الحواجز السياسية والجغرافية التي فرضتها السلطة. كما نشأت مجموعة خاصة لتسكير الرينغ للتنسيق بين المجموعة نفسها. وتتلقى المجموعة دعم  من أفراد  المجموعة نفسها أو من أشخاص يتعاطفون  معها  ويتجلى بتقديم الطعام والمياه والعصائر والخيم. ويمكن لحظ  نوع من التنظيم في نقاط التجمع في مختلف أنحاء العاصمة، من تنظيف الشوارع والساحات خلال ساعات الصباح إلى توزيع قوارير المياه على مدار الساعة.

استعادة المساحات العامة

مع تواجد الحشود في الساحات والشوارع والطرقات، نلاحظ استعادة المواطنين الأماكن العامة ومطارح  أُغلقت بوجوههم لوقت طويل، حيث طالما احتكرت السيارات وزحمة السير الخانقة طريق الرينغ  إلى أن بدأت الثورة وتحولت هذه المساحة إلى ساحة اعتصام، وتعبير عن الرأي، وقضاء الليل  في الخيم، ونقاش وإختلاط،  وكذلك استعادة الطرقات كمساحات التقاء لم تُختصر فقط بطريق الرينغ بل بطرقات وشوارع وساحات أخرى.  عاد الشعب لساحاته الأساسية التي توقفت عن احتضان مواطنيها واختلاطهم منذ اندلاع الحرب حيث تواجد أفراد من مختلق الطوائف والطبقات في هذه المساحات، وأبعد من ذلك يتفاعلون مع بعضهم، إما عبر ترديد الشعارات وإما عبر النقاش. وتجدر الإشارة إلى استعادة الشعب لمبنى “البيضة”، وهو صالة سينما، حيث يتوافد الناس إليه لاستكشافه عبر الدخول إلى المبنى الذي بات مغلقاً منذ 1994 فعل ذلك بعضهم  عبر  تسلقه والوصول إلى سطحه. وأخذت بعض المجموعات المبادرة باستعمال المبنى حسب الغاية التي شيّد من أجلها فعرضوا  أفلاماً كـ”إلى أين” و”أجمل الأمهات”. كما لحظنا توافد مهم للمتظاهرين إلى داخل مبنى مسرح بيروت الكبير المعروف بـ”دار الأوبرا” واستعادته، ولو مؤقتاً.

ومع تبلور علاقات وشبكات بين الناشطين وسط نشاط وحيوية الشارع وتنظيمهم العفوي الفعال، ومع استرجاع المساحات العامة من الشعب كيف ستتطور  هذه العلاقات بين الأفراد في ما بينهم وفي ما بينهم وبين  المساحات لخدمة الثورة؟

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *