حوار مع تييري لابيكا: كيف استخدمتْ معاداة السامية للاغتيال الرمزي لكوربين؟


2023-12-19    |   

حوار مع تييري لابيكا: كيف استخدمتْ معاداة السامية للاغتيال الرمزي لكوربين؟

تييري لابيكا هو أستاذ وباحث في الدراسات البريطانية في جامعة باريس 10 نانتير في فرنسا، وعضو في هيئة تحرير موقع Contretemps ومساهم منتظم فيه. من أهم مؤلفاته “فرضية جيريمي كوربين: تاريخ سياسي واجتماعي لبريطانيا من بلير إلى كوربين” (L’hypothèse Jeremy Corbyn: une histoire politique et sociale de la Grande-Bretagne de Blair à Corbyn, préface de Ken Loach, Demopolis, 2019).

كما له إسهامات عديدة في كتب جماعية حول الحركة العمالية في بريطانيا والنيوليبرالية. التقت به المفكّرة في باريس في 2 ديسمبر 2023، لمحاورته حول الحراك الشعبي في بريطانيا المناهض للحرب على غزّة والموقف الرسمي المساند لإسرائيل، وحول استراتيجيات إقصاء الزعيم العمالي جيرمي كوربين والجناح اليساري داخل حزبه المدافع عن الحق الفلسطيني.

المفكرة القانونية: بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى، رأينا في بريطانيا حراكا قويّا جدّا وغير مسبوق للمطالبة بوقف الحرب على غزّة، اتخذ أشكالا متنوّعة وشمل مدنًا عديدة. هل يمكن أن تحدّثنا عن هذه الحراكات وعن المبادرين بها، ودور اليسار والنقابات فيها، وأن تفسّر لنا أسباب هذه الخصوصيّة ؟

تياري لابيكا: أوّل سابقة يمكن أن نفكّر فيها، هي المظاهرات المناهضة للحرب على العراق في 2003، وكانت حينها من أكبر المسيرات في تاريخ بريطانيا. وقد انبنت الحرب حينها على أكاذيب حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة، وشاركت فيها مباشرة الحكومة العمّالية البريطانية برئاسة توني بلير. هناك أكثر من مستوى زمني لتفسير الحراك الأخير. هناك اللحظة الحاليّة، التي برز فيها حراك BDS كأحد أهمّ الحراكات المناهضة للاستعمار اليوم، وكذلك حملة التضامن مع فلسطين (Palestine Solidarity Campaign) التي تجمع طاقات وفاعلين عديدين وتلعب دورا مركزيّا في حجم التعبئة. تاريخ هذه الحراكات مهمّ جدّا، حراك BDS في بريطانيا عرف رواجا منذ 2005 في الفضاءات الجامعيّة سواء عبر الأساتذة أو الطلبة، حتى أنّ المنظمات الصهيونيّة شعرتْ بالخطر وحاولتْ هي الأخرى التموقع داخل الجامعات وكسر مساعي المقاطعة الأكاديميّة. أمّا حملة التضامن مع فلسطين، فهي موجودة وتلعب دورًا منذ اجتياح بيروت في 1982. المظاهرات الأخيرة تأتي أيضا ضمن ظرف سياسي سابق لـ7 أكتوبر، يتميّز بقطيعة كبرى بين أوساط السلطة، بحزبيْها المحافظ والعمّالي، والحراك الاجتماعي. في جوان 2021، بدأت حركة إضرابات واسعة شملت الكثير من القطاعات، لم يسبق لها مثيل منذ الثمانينات. هذا الحراك الاستثنائي طيلة السنتيْن الأخيرتيْن، يأتي ضمن سياق تشريعي مقيّد للنشاط النقابي والحقّ في الإضراب بشكل واسع، ليس فقط بالنظر إلى التشريعات المقارنة في أوروبا بل ربما في العالم. أمام هذا الحراك الاستثنائي ضدّ غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة والتشريعات القمعيّة، وفي ظلّ أزمة سياسيّة واجتماعية حادّة ورأي عامّ مساند بصفة كبيرة لتأميم المرافق الأساسيّة كالطاقة والماء والصحّة، لم يلعب حزب العمال أبدا الدور المنتظر منه كرافعة سياسيّة لهذا الحراك. بل كانت هنالك حالة إنكار، وتوافق كبير في النخب السياسيّة ولكن أيضا الإعلاميّة في القمّة وانقطاع لافت عن القواعد. فالإعلام المهيمن يرتطم اليوم بوسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح بانتشار الأخبار والشهادات والتعليقات، بغثّها وسمينها، والتي تحدّ من هيمنة مؤسسات مثل البي-بي-سي على الرأي العامّ. إذ أن المظاهرات الأخيرة لا تعكس فقط فظاعة الإبادة الحاصلة في غزّة والضفة منذ 7 أكتوبر، ولكنها تأتي أيضا ضمن ديناميّة لافتة للحراك الاجتماعي في السنتيْن الأخيرتيْن. في هذا السياق، تحوّلت BDS وحملة التضامن مع فلسطين إلى نقطة ارتكاز لهذه القطيعة الأشمل بين النخب السياسيّة الحاكمة والشعب.

المفكرة: على نقيض الحراك الشعبيّ الواسع، كانت المواقف الرسميّة البريطانيّة، شأنها في ذلك شأن معظم الدول الأوروبية، مصطفّة وراء الموقف الإسرائيلي، وصولا إلى محاولة منع المسيرات المناصرة لفلسطين. كيف تفسّر هذا الاصطفاف بالنظر إلى السياسة البريطانية الإمبرياليّة في المنطقة؟

لابيكا: حسب رأيي لا يتعلّق الموقف الرسمي بتدخّل قوّة خارجيّة للتأثير على السياسة الداخليّة البريطانيّة، بقدر ما يعبّر عن تموضع الفضاء “المينستريم” في السياسة والإعلام، المناصر لإسرائيل. لا شكّ أنّ لهذا الموقف جذور تاريخيّة، حول تاريخ الدور البريطاني في الشرق الأوسط. يمكن أن نعود إلى إنشاء دولة إسرائيل، التي لعبت فيه بريطانيا دورا محوريا حاسما منذ وعد بلفور في 1917. بل يمكن أن نعود أكثر إلى الوراء: فقد كانت فكرة “إسرائيل” في الأصل مشروعا بروتستانتيّا منذ بداية القرن 17، كما يبيّن ذلك شلومو ساند في كتاب “اختراع أرض إسرائيل”، وفيكتوريا كلارك في كتابها “حلفاء معركة هرمجدون: صعود المسيحية الصهيونية” (Allies for Armageddon: The Rise of Christian Zionism). كي نعود إلى التاريخ القريب، هناك أيضا لحظة التصادم بين الصهيونيّة وبريطانيا مع “إعلان استقلال دولة إسرائيل” بعد حملة هجمات إرهابيّة من العصابات الصهيونيّة، كان أبرزها تفجير فندق الملك داوود. لكن خلف هذا التاريخ، نقتفي أثر حيرة واضطراب لدى قوّة كانت مهيمنة على المنطقة، وخسرت مواقعها شيئا فشيئا لصالح استقلال بعض الإمارات والدول، وبالأخصّ لصالح هيمنة جديدة أمريكيّة. نتيجة لذلك، اختارت بريطانيا الاصطفاف وراء الولايات المتحدة الأمريكية والاكتفاء بدور ثانويّ. إذ أنّ الموقف الحالي المناصر لإسرائيل هو في جانب منه نتيجة للاصطفاف وراء الولايات المتحدة، المصطفّة بدورها وراء إسرائيل. ولكنّه من جانب آخر يعبّر على انخراط في مشروع كولونيالي عنصري، ويمكن أن نرى ذلك بوضوح في كتابات مسؤولين بريطانيّين يتعاملون مع السكان الأصليين الفلسطينيّين كأناس مسلوبي الإرادة سيرضون بما نقرّره لهم لمصلحتهم. هناك أيضا، في صفوف اليسار البريطاني لما بعد الحرب العالمية الثانية، يسار صهيوني، جوهره كولونيالي ويستعمل تبريرا اقتصادويّا ماركسيّا حين يعتبر التطوّر الاقتصادي في إسرائيل محرّكا لتنمية المنطقة بأسرها. من رموز هذا اليسار الصهيوني أنورين بيفن، مؤسس المنظومة الصحية العمومية بعد الحرب (NHS)، وصولا إلى الوزير الأول الأسبق هارولد ويلسون في بداية السبعينات. بين 1973 و1982، تاريخ اجتياح بيروت ثمّ مجزرة صبرا وشاتيلا، ظلّت القيادات اليساريّة على دعمها للصهيونيّة، ولكنّ الرأي العام العمالي بدأ ينحاز نحو مواقف مناصرة للحقّ الفلسطيني، حيث لم تعدْ إسرائيل تظهر كبديل ديمقراطيّ اجتماعيّ على النموذج الستاليني السوفياتي. هذه النظرة اليساريّة الرومنسيّة لإسرائيل “الاشتراكيّة” كانت منتشرة أيضا في اليسار الفرنسي، وقد جادلها ماكسيم رودنسون في كتابه الصادر بعد حرب 1967 بعنوان “إسرائيل والرفض العربي” (Israël et le refus arabe, soixante-quinze ans d’histoire, Paris, Éditions du Seuil, 1968 ) الذي أبهرني شخصيّا حين قرأته. هذا الشرخ الذي حصل بين قيادات سياسيّة مناصرة للصهيونيّة، وبين قواعد تفطّنت شيئا فشيئا إلى الطابع التسلّطي والعسكري والاستعماري لإسرائيل، تأكّد بوصول أقصى اليمين الإسرائيلي إلى الحكم مع مناحيم بيغن. وقد تزامن ذلك مع وصول مارجريت تاتشر إلى السلطة في بريطانيا في 1979، المتوافقة تماما مع اليمين الإسرائيلي في خياراتها السياسيّة. توافق الإستبلشمنت السياسيّ لدى الحزبيْن المهيمنيْن في بريطانيا على دعم إسرائيل له إذًا أسباب إيديولوجية وأصول عنصريّة وكولونيالية. ويعود أيضا إلى أسباب متعلّقة بتموضع بريطانيا داخل موازين القوى العالميّة، التي ظهرت منذ أزمة السويس في 1956، وما تلاها من خيار الاصطفاف الآلي وراء المواقف الأمريكية. ولكنّه مرتبط أيضا بأسباب أخرى متعلّقة بالمصالح، ومن بينها تجارة الأسلحة والعلاقات البحثية الوثيقة في هذا المجال. ليس مفاجئا أن تكون معارض الأسلحة، التي تظهر فيها الشراكة البريطانيّة- الإسرائيلية، مناسبة دوريّة للتحرّك والتعبئة لدى الحراك اليساري البريطاني، والاحتجاج ليس فقط على النزعة العسكريّة والاستثمار في السلاح بدل إنفاق الأموال على المرافق الأساسيّة، ولكن أيضا على هذه الشراكة مع إسرائيل. هناك كتاب مهمّ لدافيد كرونين يتناول فيه هذه العلاقة، بعنوان Balfour’s Shadow: A Century of British Support for Zionism and Israel, 2017

المفكرة: حظيت الحرب على غزة بمساندة غير مشروطة من قبل حزب العمال في بريطانيا، خصوصا على مستوى قيادته. يحيلنا ذلك إلى الحملة العنيفة التي شُنّت ضد جيريمي كوربين الزعيم السابق للحزب المعروف بمساندته لحقوق الفلسطينيين والتيار الموالي له، واتّهامهم بمعاداة السامية بين سنوات 2017 و2019، والتي أفضت إلى إزاحته من قيادة الحزب. هل لك أن تحدثنا عن هذه الحملة والمنخرطين فيها بمن فيهم الإعلام المهيمن مثل البي.بي.سي وتشرح لنا الأسباب التي تقف وراء نجاحها في “القتل الرمزي” لكوربين؟

لابيكا: منذ انتخاب جيريمي كوربين بأغلبية ساحقة على رأس حزب العمّال في سبتمبر 2015، انطلقت  حملة ضده وضد الجناح اليساري في الحزب. إلاّ  أنّ نقطة التحول حدثت في جوان 2017. في البداية لم تعتمد الحملة على اتهام كوربين بالتواطؤ مع حماس، بل مع “إرهاب” الجيش الجمهوري الأيرلندي على خلفيّة مواقف كوربين والجناح اليساري بالحزب المناصرة للقضية الإيرلندية والمناهضة للاستعمار البريطاني. لكنّ هكذا ادّعاءات لم تفلحْ في تشويه كوربين، سيّما وأنّ الوضع في إيرلندا الشمالية قد شهد تحسّنا مُعتبرا منذ 2017، فضلا عن أنّ استخدام “الجيش الجمهوريّ الإيرلندي” وجيري أدامز[1] بغرض التشهير السياسي لم يعد يؤتي أكلا لدى  جيل الشباب في بريطانيا، خصوصا لدى تلك الفئات الواسعة التي اختارت الالتحاق بالحزب على إثر انتخاب كوربين.

كانت سنة 2017 سنة حاسمة في تفاقم التحريض ضد جيرمي كوربين لأنّ نتائج الانتخابات المبكرة أوشكت على إيصاله إلى منصب رئيس حكومة، إذ لم يكن ينقصه سوى 2227 صوتا في دوائر معيّنة لتحقيق ذلك. وهو ما كان يعني  أنّ حزب العمّال، خلافا لكل التوقعات، نجح في تحقيق تقدم انتخابي لم يشهده منذ 1945 ضمن انتخابات سابقة لأوانها كانت دعت إليها رئيسة الحكومة المحافظة آنذاك تيريزا ماي، سعيا منها للحصول على أغلبية برلمانية قوية تمكّنها من إدارة سلسة للبريكست واعتقادًا منها بأن حزب العمّال كان يمرّ بوضع حرج. إلاّ أنّ جيريمي كوربين والجناح اليساري لحزب العمّال نجحوا في استغلال الحملة الانتخابية وما وفرته لهم من مساحة إعلامية غير مسبوقة في كسب التأييد لمواقفهم المناهضة لسياسات التقشف وحشد الدعم لبرنامجهم السياسي. وأدّت نتائج الانتخابات إلى خسارة تيريزا ماي لأغلبيتها المطلقة في البرلمان ولم تحافظ على موقعها على رأس الحكومة إلاّ بفضل تحالف حزب المحافظين مع نواب إيرلنديّين متماهين سياسيا مع ترامب.

وقد كشفت نتائج هذه الانتخابات على فشل كل المساعي التي بذلت في الماضي للتخلص من كوربين، بما فيها محاولة تحميله مسؤولية نتائج الاستفتاء حول البركسيت أو السعي إلى استبعاده من الترشح لقيادة حزبه سنة 2016. وعليه تصاعدت مع سنة 2017 الحملة المسعورة ضدّه مستخدمة هذه المرة تهمة معاداة السامية كاستراتيجية مدروسة وشبه حربية لاغتياله رمزيا، على غرار استراتيجيّة تشويه “الحملة من أجل المقاطعة وسحب الاستثمار والعقوبات ضد إسرائيل” (BDS). حيث تمّ تحديد الأهداف بدقّة واستعمال وسائل متنوعة وتجنيد موارد وخبرات دفاعا عن إسرائيل.

في الحقيقية، يتنزل انتخاب كوربين على رأس حزب العمّال في سبتمبر 2015 كما النجاح الذي حقّقه في انتخابات 2017 ضمن تصاعد الحراك الاجتماعي في بريطانيا ضدّ سيّاسات التقشّف منذ 2010 وكذلك تنامي تأثير حملات مقاطعة إسرائيل وحملة التّضامن مع فلسطين خصوصا  في أعقاب الحرب على غزة سنة 2014 التي كشفت بقوّة عن تواطؤ الحكومة البريطانية وساهمت في مزيد تعرية سياستها الإمبريالية في العراق وأفغانستان … وعليه فإنّ الحراك المعادي للصهيونية والداعم لمقاطعة إسرائيل في بريطانيا هو مكون حقيقي ومرئي ضمن الحراك الاجتماعي الرافض لسياسات التقشف لسنوات 2010. وبالتوازي شهدنا منذ 2005-2006 مع ظهور حركة المقاطعة، أي انتخاب كوربين على رأس حزب العمّال، تنامي مطّرد لمكاتب محامين ووسائل إعلام ومستشارين في الاتصال مجندين للدفاع عن إسرائيل ومواجهة ما يعتبروه “نزع الشرعية عنها”. أسوق هنا مثالا واحدا يكشف بجلاء عن حجم وضراوة مثل هذه الحملة، في 2014 وبمناسبة مهرجان الفيلم اليهودي الذي ينظمه أحد المسارح الصغيرة في شمال لندن والذي يحظى ببعض الدعم المالي من قبل الخارجية الإسرائيلية، وعلى خلفية الحرب على غزة وقتها، ارتأتْ إدارة المسرح سحب شعار السفارة الإسرائيلية من معلقة المهرجان. فما لبث أن جاء الردّ سريعا في شكل حملة إعلامية وسياسية وقانونية ضخمة ومسعورة تم خلالها نشر أكثر من 250 مقالا في الصحف البريطانية مندّدة بالقرار وزاعمةً أنّه تمّ منع عرض الأفلام اليهودية، وتمّ الضغط على الداعمين الماليّين الخواص للمسرح، وتدخل وزير الثقافة وقتها للتصريح بأن القرار معادٍ للسامية. نحن هنا إزاء هجمة محكمة وضارية استهدفت مسرحا صغيرا في لندن. فما بالك إذا تعلق الأمر بزعيم حزب مناصر للقضية الفلسطينية على وشك تقلد رئاسة الحكومة؟

استهدفت الحملة كذلك كل السلطات المحلية في بريطانيا التي، وبسبب النجاحات التي حققتها حركة المقاطعة، قررت سحب استثمارات أو التراجع عن إبرام شراكات مع إسرائيل مما حدا حكومة حزب المحافظين إلى نزع هذه الصلوحية عنها في 2016 عبر مرسوم يمنع المجالس المحلية المنتخبة من اتخاذ قرارات في مجال سحب الاستثمارات أو رفض الشراكات، كل ذلك في دولة مثل بريطانيا غير محكومة بالمركزية على الشاكلة الفرنسية مثلا. وقد أبطلت المحكمة العليا لاحقا هذا المرسوم.

في هذا السياق، ولّد وصول كوربين إلى قيادة حزب العمل حالةً من الهلع، فتعزّزت  تباعا هذه الآلة القانونية والسياسية والإعلامية التي تجندت ضد حركة المقاطعة من بأسها في مواجهة زعيم ذو قاعدة اجتماعية قوية عرف بمساندته للقضية الفلسطينية وبمواقفه المناهضة للحرب ويشكل تهديدا للمركّب العسكري-الصناعي والتحالف الرجعي التاريخي البريطاني السعودي[2]. كما لعبت منظمات اللوبي الصهيوني في بريطانيا مثل “بيكم” (British Israel Communications & Research Center)[3] التي تشكل إحدى أهمّ مجموعات الضغط المدافعة عن الدولة العبرية في بريطانيا والتي سعتْ دوما إلى تنظيم زيارات سياحية لمسؤولين وبرلمانيين وصحافيين بريطانيين إلى إسرائيل، دورا حاسما في تطويق وصد أيّة محاولات لـ “نزع الشرعية عن إسرائيل”.

المفكرة: ما الذي يفسّر حسب رأيك نجاح هذه الهجمة وهزيمة كوربين؟

أظن أنّ الجواب يحيل بالأساس إلى مسألة البريكسيت أي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إذ أنّ موقف حزب العمّال كان ضدّ مغادرة الاتحاد الأوروبي، إلاّ أنّ التيارات اليمينية داخل حزب العمّال وعلى إثر فوز “نعم” للخروج في استفتاء 2016 نجحت في خلق انقسامات داخل الحزب لإصرارها على ضرورة إعادة تنظيم استفتاء جديد لكسر نتيجة الأول[4].

فبعد أن ركزت الحملة الانتخابية لكوربين سنة 2017 على محورين أساسيين هما إنهاء سياسة التقشف واحترام نتائج التصويت على الاستفتاء، نجح التحريض الشرس ضد كوربين حول معاداته للسامية على التغطية على المطالب الاجتماعية التي كان رافعة لها، وبخاصة مسألتيْ التأمينات الاجتماعية والمرافق الصحية. كما أسهم الهوس بالبريكست في النقاش العامّ في فوز بوريس جونسون بالانتخابات على أرضية شعار واحد “إنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي” (Let Brexit done).

تمّ التسويق من قبل خصوم كوربن المحافظين والإعلام المهيمن أنّه يماطل ويراوغ في مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي. على اعتبار أنّه وأمام شتى الضغوطات التي تعرض لها بداية من 2017 وحرصا منه على وحدة حزبه، فضّل عدم الحسم في مسألة تطبيق نتيجة الاستفتاء، واعدا بأنه وفي حال إعادة انتخاب حزبه سيتم اللجوء الى تنظيم استفتاء جديد أطلق عليه تسمية “تصويت عامّ” تحسّبا لاتهامه بإنكار إرادة الناخبين في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعليه بدا موقف كوربين بمثابة محاولة للالتفاف على نتيجة الاستفتاء الشعبيّ، سيما في بعض المعاقل العمالية للحزب التي صوتت لصالح مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي مما ساهم في إظهاره كزعيم ضعيف لا يحترم تعهداته. في موازاة ذلك، نجحت حملة اتهام كوربين بمعاداة السّامية في تهميشه بفعل شراستها وضعف الاستراتيجيات الدفاعية للحزب، الذي اكتفى بالاعتذار. وقد شكّلت هذه الحملة في الحقيقة أوّل استخدام واسع وممنهج لمصطلح “المعاداة الجديدة للسامية” (le nouvel anti-sémitisme) الذي ابتدعته أوساط يمينية مدافعة عن إسرائيل بغية تشويه اليسار المناهض للصهيونية عبر الترويج للخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية.

بلغت هذه الحملة أوجّها في بريطانيا خلال صائفة 2018، حين اشتدّ الضغط على حزب العمّال لحمله على اعتماد تعريف “التحالف الدولي لذاكرة المحرقة” L’Alliance internationale pour la mémoire de l’Holocauste (IHRA) لمعاداة السامية، والذي يقرّ الخلط بين معاداة السامية ومعاداة إسرائيل. ومعها تضاعفت الافتراءات ضد جيريمي كوربين بما فيها تلك التي روّجتها وجوه من التيار اليميني داخل حزبه في الوقت الذي كانت غزة تشهد مسيرة العودة السلمية التي واجهتها إسرائيل بالقمع والقتل. وقد تمّ اعتبار كوربين حينها من قبل ثلاث جرائد يهودية صهيونية[5] في بريطانيا على أنه يشكل تهديدا وجوديّا للدولة العبرية[6]. الاستراتيجية الدفاعية للحزب لم تكن جيّدة رغم المجهود الذي بذل خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي.

المفكرة: الهجمة على جيريمي كوربين والتّيار اليساري المعادي للصهيونية داخل حزب العمّال تشهد ما يماثلها في فرنسا منذ بداية الحرب على غزّة باعتبار الحملة الشرسة التي يتعرض لها حزب La France insoumise[7] وزعيمه Jean-Luc Mélenchon عبر اتهامهم بمساندة الإرهاب ومعاداة السامية. نبدو اليوم في العديد من البلدان الأوروبية أمام شكل من الاستبداد النيوليبرالي الذي يستخدم قضية معاداة السامية لتجريم ونزع الشرعية عن معارضيه اليساريين ومصادرة المكاسب الديمقراطية مثل حرية التظاهر والتجمع والتعبير …

لابيكا: نعم ما نشهده في عديد البلدان مثل هولندا أو حتى الأرجنتين مؤخّرا هو صعود لتيارات أقصى اليمين شبه- الفاشي أو حتى الفاشي، وفرنسا لا تمثل استثناءً في ذلك حيث يتمّ منذ بداية الحرب منع مظاهرات مناصرة لحقوق الفلسطينيّين ومنع عروض الأفلام على غرار فيلم “وردي” للصور المتحركة الذي منع عرضه في مدرسة لأنه يتحدث عن فتاة تمّ تهجير عائلتها في 1948، والقائمة تطول.

أداء وزارة الداخلية في فرنسا يكشف عن تسارع في اتجاه ليس بالجديد والذي كانت أبرز محطاته القمع الشرس شبه العسكري لمظاهرة سانت سولين[8] والإدارة البوليسية الروتينية المتصاعدة للمظاهرات منذ حراك السترات الصفراء، كما أيضا اللجوء المتواتر من قبل الوزيرة الأولى إلى المادّة 49.3 من الدستور التي تمنح صلاحيّة تمرير قوانين من دون المرور عبر تصويت البرلمان على النصّ. نحن إذا في صميم لحظة استبدادية شكّل قرار تمرير إصلاح نظام المعاشات أوجها رغم الرفض العارم الذي لاقاه. ونحن نعيش منذ بداية الحرب على غزة تضخما متزايدا لهذا المنعرج لأنّ استخدام معاداة السامية من قبل النخب الحاكمة يهدف إلى قلب الأدوار باتهام اليسار بمثل هذه السلوكات، في حين أنّ الدولة الفرنسية نفسها هي من بين منتجي العداء لليهودية. وخير دليل على ذلك هو اعتبارها اليوم أنّ كل اليهود في فرنسا هم مساندون لإسرائيل وأنّ مساندة يهود فرنسا تمرّ عبر مساندة إسرائيل، وهو ما يعني في المحصّلة أنّ يهود فرنسا يتحمّلون مسؤولية حرب الإبادة التي تشنّ في غزة. فالدولة الفرنسية وعبر مواصلتها ممارسة سياسة حمائية خاصة باليهود هي في الحقيقة تواصل اعتبارهم كحالة شاذة في المجتمع. إذ أنّ اعتبار مجموعة بشرية ما متجانسة على هذا المستوى أو ذاك وتصنيفها على هذا الشكل يفتح الباب موضعيا على المقاربات العنصرية.

الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤوليّة اليوم ليس فقط في ما يحصل في غزة، بل كذلك في التحريض على العداء لليهود الفرنسيين من خلال تماهيها مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي وفتح الباب واسعا أمام أقصى اليمين عبر تنظيم مسيرة موحّدة معه منددة بالعداء للسامية دعي للمشاركة فيها أعتى منظمات أقصى اليمين الفرنسي الأكثر عداء تاريخيا لليهود.

يصعب طبعا معرفة مدى تأثير هذه السياسات في تمثلات الفرنسيين والفرنسيات للحرب على غزة، لكن بالتأكيد تولّد مثل هذه الأجواء حالة من الخوف وتحدّ من الأشكال العلنية للتضامن مع الفلسطينيين. وأنا كأكاديمي ألاحظ ذلك ليس فقط داخل الفضاء الجامعي الفرنسي، بل كذلك على مستوى جامعتي حيث قام العميد في الآونة الأخيرة بمنع انعقاد اجتماع عام تضامني مع غزة، تزامنا مع سكوت رسمي مطبق من قبل إدارة الجامعة على الحرب. ورغم ذلك انعقد الاجتماع العام في كنف الهدوء وكان مفيدا.


[1] أحد أبرز الوجوه التاريخية لحزب الشين فاين، الجناح السياسي سابقا للجيش الجمهوري الإيرلندي إلى حدود 2005 حين تم التخلي عن خيار الكفاح المسلح.

[2] Voir Hil Aked, Freinds of Israel: The Blasklash Against Palestine Solidarity, London, Verso.

[3] تم تأسيس “البيكم” سنة 2001 كتعويض عن بيباك الرديف البريطاني للايباك في الولايات المتحدة الأمريكية بعد اختفائه. تقوم البيكم بتوظيف خبراء في العلاقات العامة ونواب وصحفيين سابقين.

[4] يذكر أنّ الاستفتاء وقع في جوان 2016 وأسفر عن نتيجة 51,89 % مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

[5] الجرائد الصهيونيّة الثلاثة (The Jewish Chronicle / Jewish News / The Jewish Telegraph)عنونت في نفس اليوم على صفحتها الأولى حول جيريمي كوربين كتهديد وجودي (Existential threat)

[6]  للمزيد على الموضوع أنظر

Bad News for Labour: Antisemitism, the Party and Public Belief, by Greg Philo, Mike Berry, Justin Schlosberg, Antony Lerman and David Miller.

[7]  أهمّ حزب يساري في فرنسا تأسّس سنة  2016

تحصل زعيمه على أكثر من 21 % في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية لكنه لم يصل إلى الدور الثاني.

[8]  حيث تجمع عدة آلاف من المتظاهرين في سانت سولين في مقاطعة دوسافر للاحتجاج على مشروع “الاحتياطيات البديلة” للمياه المؤذي للطبيعة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حرية التجمّع والتنظيم ، الحق في الحياة ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، فلسطين ، إعلام ، أحزاب سياسية ، نقابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية