اليهودية أسيرة للصهيونية: قراءة في ثلاثية شلومو ساند


2023-11-28    |   

اليهودية أسيرة للصهيونية: قراءة في ثلاثية شلومو ساند
تصميم أحمد الزروقي

كان تاريخ اليهودية باستمرار مبحثا تاريخيا عريقا تصاعدت أهميته انطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر. وقد ارتبط تصاعد أهمّيته منذ تلك الفترة بحركة الإحياء اليهودي، التي كانت هي ذاتها ردّة فعل على بدايات تصاعد اللاسامية في شرق أوروبا وروسيا كانعكاس لأزمات معقدة، وبداية الوعي بفشل الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوروبية. كان منتصف القرن التاسع عشر نقطة انطلاق العلمانيين اليهود في هذا المبحث، بعد أن سيطر عليه المتدينون طيلة قرون عديدة. تدلّ دراسات حديثة، لعلها بدأت مع فرويد[1]، أن الحاخامات هم الذين أنشأوا اليهودية كما نعرفها اليوم، وأن الأمر يتعلق بديانة مختلفة عن التوحيدية الموسوية، وقع اصطناعها اصطناعا. وبالرغم من أن فرويد قد تعامل مع اليهودية في سياق تعامله مع الديانات السماوية، بل الديانات إجمالا، كتلبية إنسانية تاريخية لحاجيات نفسية، إلاّ أن دراسات أكثر ارتباطا بالمنهج التاريخي العلمي قد وصلت إلى نتيجة قريبة، وهو أن اليهودية كما هي عليه اليوم، كانت نتاج تدخّل قويّ لأجيال من المؤرخين الحاخاميين، وأن هؤلاء قد تصرفوا بناء على العقيدة والرغبة أكثر من اعتمادهم الموضوعية.

تحرير التاريخ اليهودي

يواصل شلومو ساند ومجموعة من المؤرخين الأكاديميين اليوم، تقليدا علمانيا قديما، حيث يحاولون تحرير المبحث في تاريخ اليهودية من المتدينين ومن الهيستريوغرافيا الصهيونية الرسمية. ولكن في حين أنّ تيار التاريخ العلماني لليهوديّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالخصوص كان قد مهّد للفكرة الصهيونية التي ستتحوّل بعد ذلك إلى حركة وتؤسّس دولة، فإنّ ما يفعله رواد التاريخ الجديد اليوم هي عملية تحرير لتاريخ اليهودية من الصهيونية بالذات. هناك إذا صراع مزدوج يخوضه هؤلاء، يقوم على علمنة التاريخ اليهودي عن طريق تناول يحترم المنهج العلمي يخلّص هذا التاريخ من كلّ ما علق به على يد الحاخامات، وفي الوقت نفسه ينزع الأفكار الصهيونية عن هذا التاريخ باعتبارها أفكارا سياسية لم تقم إلا بتطويع التاريخ اليهودي لرؤاها القومية والاستعمارية.

ثلاثية شلومو ساند (اختراع الشعب اليهودي / اختراع “أرض إسرائيل” / كيف لم أعد يهوديّا)[2] من أهمّ وأفضل ما كتب حتى الآن في هذا الاتجاه. بل لعله أيضا من أكمل المشاريع البحثية في تاريخ اليهودية والصهيونية وإسرائيل على حدّ سواء، إذا ما اعتبرنا الطابع التأليفي والتحليلي كمقياس أساسي في التقييم. أما إذا أخذنا مدرسة المؤرّخين الجدد بصفة إجمالية، فيمكن اعتبارها أفضل ما يمكن أن يطالعه العرب حول المسائل المتناولة، كمقدمة لا بدّ منها لفهم الواقع الحالي في فلسطين فهمًا محررا من كلّ الشوائب والدعاية التي التصقت به عبر القرون، وأساسا منذ قرن ونصف. لا يزال هذا التيار هامشيا في الأكاديميا الإسرائيلية، ذلك أن التيار التقليدي ما انفكّ يسيطر على مؤسسات البحث والدعاية، باعتباره محظي برضى السلطات الرسمية والإيديولوجيا الصهيونية. لكن صدعا آخذا في التعمق والانتشار قد انطلق مع ذلك عبر كتابات التاريخ الجديد، وكتابات شلومو ساند بصورة خاصة.

عبر مجهود متأنّ ومنهج مستفيد من العلوم الأخرى، من اللغة إلى علم الآثار وعلم اجتماع الثقافة مرورًا بالبيولوجيا، يحطّم شلومو ساند الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الفكرة الصهيونية وهي القوميّة اليهوديّة، ونقاء العرق اليهوديّ، واستحقاق الأرض استنادا إلى الوعد الإلهيّ. اليهوديّة رابطة روحية، وليست أيّ شيء آخر. وكل ما تتميز به اليوم خارج الدائرة الروحية الأصلية، هو من صنع الصهيونية والقومية الأوروبية ومصالح الدول الكبرى، وأحكام الأمر الواقع.

في نظر ساند، إنّ “الذي وحّد اليهود على مرّ التاريخ هو مكونات عقائدية قوية وممارسة طقوس غارقة في القدم” (اختراع الشعب اليهودي، ص 10). الأمر شبيه جدّا بما حصل دائما مع الديانات الكبرى، والسماوية منها بالأساس: لا وطن جغرافي للإيمان، لأنّ الإيمان يرمي أصلا لتجاوز كلّ حدود جغرافية بما أنه يستهدف الروح. ومثلما أنه لا وطن للإسلام، ولا وطن للمسيحية، فالمنطق نفسه يقول أنه لا يمكن أن يكون هناك وطن لليهودية كمعتقد ديني ومنحى ثقافي. لقد استمر الأمر على هذه الشاكلة حتى منتصف القرن التاسع عشر، أي بداية تفجّر الثورات القومية في أوروبا. في الفكرة القومية، لا يتعلق الأمر بمعتقد ولا بإيمان بديانة أو بممارسات روحية متناسقة ومنسجمة تصنع ثقافة ذات سمة عقائدية. هناك على خلاف ذلك حاجة لصنع شعب، وهذا الشعب ملموس وموضوعي، لذلك فإنه يحتاج إلى أن يحدّد نفسه بالمقارنة مع الشعوب الأخرى، ويتمّ ذلك أساسا عبر تحديد الحيز الجغرافي لانتشاره.

إن “الشعب اليهودي” هو صناعة مشتركة بين اللاسامية والصهيونية. كان مسار نشأة وتكتل القوميات الأوروبية يمرّ بالضرورة عبر التمايز، ولم يكن هناك، في الحيز الجغرافي الذي نشأت فيه القومية الألمانية أو الفرنسية على سبيل المثال، سوى اليهود ليقع التمايز عنهم، فوقع اعتبارهم شعبا لمجرد تلك الحاجة. معنى ذلك ببساطة أن هتلر، آخر الحلفاء الكبار للفكرة القوميّة وأكثرهم تطرّفا قوميا في أوروبا، قد نجح أخيرا. إن محاولاته في ضبط سمات بيولوجية خاصة لليهود قد وجدت في الصهيونية أكبر مساعد له على ترسيخها، منذ هزيمته العسكرية في 1945. فكرة العرق اليهودي هي من هذه الناحية فكرة قومية أوروبية تطوّرت وأخذت مداها الأكبر تحت الحكم النازي، ولكنّ الأمر لا يتعلق بالتشابه الوحيد بين الطرفين، ولا حتى بالتشابه الأكبر.

إنّ عملية “مراكمة الذكريات”، طبقة طبقة، منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد تمّتْ بفضل “مجدّدين بارعين للماضي قاموا باقتطاف شظايا ذاكرة دينيّة يهوديّة ومسيحيّة، استخرجوا منها بواسطة خيال خصب شجرة نسب متواصلة “للشعب اليهودي”. لم تكن عملية تنظيم “التذكّر” العامّ موجودة قبل هذا الموعد، ولسوء الحظ لم تتغير كثيرا منذ أن بدأت كتابته (اختراع الشعب اليهودي، ص 39). لقد نشأت إذا قصّة كان الجميع في حاجة إليها ولا يزالون، وهي قصة غير خاضعة للمراجعة ولا للتنقيح، ولا للتأثر بما يحصل من تطور في مجالات البحث التاريخي واللغوي والجغرافي وحتى البيولوجي. أصبحت هذه القصة هي العقيدة التي تعوّض اليهودية. ولكن في حين كانت اليهودية  روحية، فإنها أصبحت بالنسبة للعقيدة الجديدة سياسية، استعمارية، قومية، عنصرية. من يحمي هذه العقيدة اليوم؟ الصهيونية التي تعبر عنها دولة إسرائيل وكل المؤسسات التي أنشأتْها ليس منذ تأسيسها في 1948 فحسب، بل قرنا قبل ذلك، وفي أوروبا ذاتها. تقف الهيستريوغرافيا الإسرائيلية اليوم في هذا الجانب بالضبط، وهي التي ندبت نفسها لحماية القصّة التي وقع تركيبها ولحم الشظايا ببعضها البعض، مستغنية عن كلّ النّقاش الذي يهزّ البحوث في مجال العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم، وفي الغرب بدرجة أولى، منذ أكثر من قرن. ما يسمّى علم التاريخ في الجامعات الإسرائيلية ليس إذا سوى عملية حراسة بالتناوب للقصة، وعلى خلاف ما وقع دائما من وضع مسافة متعاظمة من قرن لآخر، بل ومن جيل لآخر، بين الأسطورة والتاريخ، فإن هذا الباب مغلق تماما بالنسبة لمؤرّخي إسرائيل الرسميّين.

اختراع العرق

يحطّم شلومو ساند فكرة العرق اليهوديّ الواحد تحطيما علميّا يقوم على الدراسات الميدانية والتطورات في ميادين البحث في الطبيعيات. عبر خريطة توزع المجموعات اليهودية في العالم منذ القرون السحيقة، يؤكد ساند أن اليهودية كانت ديانة روحية تسعى للانتشار لدى غير المؤمنين بها. يقوّض ذلك بالتأكيد فكرة وحدة العرق اليهودي الذي أجبرته تطورات التاريخ على مغادرة الوطن الذي تجمع فيه في البداية، عبر الشتات. ما يسمى شتاتا في قصة الصهيونية، لم يكن شتاتا، وإنما انتشارا طبيعيا لمعتقد ديني وجد باستمرار شعوبا وجماعات بشرية مستعدة لاعتناقه، مثلما حصل مع بقية الديانات الأخرى. معنى ذلك، أن وجود مسلمين اليوم في ماليزيا وأندونيسيا وساحل العاج وروسيا، ليس سببه أن الأمر يتعلق بشعب واحد كان يقطن في البداية أرضا واحدة، أجبر بعد سقوط الخلافة الإسلامية مثلا على الانتشار في العالم وتأسيس مجتمعات شتات. كذلك الأمر بالنسبة للبوذية، والمسيحية، ولديانات أخرى عديدة.

لعل موزس هاس Moses Hess هو أول المفكرين الذين طوروا فكرة العرق اليهودي الموحد القادم من أعماق التاريخ كنتاج من عملية غرق شاملة، يصل بعدها إلى أرض أمان أبدي. كتاب “روما والقدس”[3] الذي نشره هذا الناشط الاشتراكي في توقيت حسّاس بالنظر لتطوّر مسار الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوروبية، هو بالفعل كتاب مؤسّس للوعي الصّهيوني ولفكرة العرق اليهودي الواحد الذي قام عليها هذا الوعي. وللمفارقة، فإنّ التفكير والتنظير لعرق يهودي نقيّ قادم من أعماق الماضي قد نشأ في بيئة فكرية أوروبية اتّسمت بظهور أول الكتابات التي ستشكّل منابع للنظريات العنصرية الأوروبية، بما فيها الاستشراقية. وأصبحت هذه النظريات تشكل ما يسميه شلومو ساند “آراء نموذجية” في منتصف القرن التاسع عشر. عبر مسار مختصر، وقعت ترجمة التفوق التقني إلى استعلاء أوروبي، وإلى تفوق بيولوجي وأخلاقي. وشكل ذلك المبررات الفلسفية ليس لتدعيم البناء القومي في أوروبا وحسب، ولكن أيضا للتوسع الذي سيسمّى استعمارا وتمدينا للشعوب المتخلفة. ما حصل هو عملية نقل هذه الأفكار الأوروبية المنشأ التي استهدفت الشرقيين عموما واليهود خصوصا، إلى النواة الداخلية للفكرة الصهيونية التي كانت لا تزال في بداياتها، والتي كان موزس هاس من أول روادها المرموقين. الفكرة العرقية والعنصرية اليهودية مجرد فكرة قومية أوروبية أخرى إذا. عندما نقرأ ما كتب هاس في هذا الخصوص، نفهم عمق استبطان هذه الفكرة الأوروبية الصميمة في الصهيونية. لقد تخلى الشيوعي القديم الحالم عن فكرة صراع الطبقات، متبنيا صراع الأعراق باعتباره العنصر الأكثر استقرارا في تاريخ البشرية. يصبح الانتقال إلى الفكرة الموالية سهلا إذا: إن عدم اندماج اليهود مع “الأغيار”، يدلّ على أنهم عرق واحد مستقل، كما يدلّ على أنّ الأوروبيين على حقّ في التخوف على وحدتهم القومية التي عبروا عنها باللاسامية: “العرق اليهودي عرق أصيل، مازال على حاله بتمامه وكماله، وليس للمناخ سيطرة أو تأثير عليه لتغيير شكله في أيّ مكان من العالم. صورة اليهودي ظلّت قائمة كما هي دائما وأبدا وعلى مرّ العصور كافة” (روما والقدس). يجعل كل ذلك من الاندماج مجرد وهم غير قابل للتحقيق مهما حاولت النخب اليهودية في أوروبا بالخصوص التملص من جذورها. وطالما كان اليهود عرقا، فإن كراهية اليهود لا يمكن أن تنتهي، وكذلك العنف ضدّهم. هنا نشهد على نحو دقيق نشأة الفكرة الصهيونية المؤسسة الأولى، التي ستخضع لمنطقها العامّ بقية المرتكزات، بما في ذلك الدين والأرض والتاريخ. هذه المرتكزات لن تفعل بالتدريج سوى أن تتطور إلى الحدّ الذي يجعلها متناسقة مع الفكرة العنصرية.

من المثير ملاحظة التقارب الكبير، والانتفاع المتبادل، بين اللاسامية والصهيونية. لقد احتاج أحدهما إلى الآخر باستمرار من أجل بناء أسطورة قومية متباينة ومستقلة ومتمايزة. إن توحيد ألمانيا في 1870 قد تزامن مع عملية تنقية للأمّة الألمانية من الشوائب، وهذه الشوائب كانت يهودية بالأساس. كذلك الشأن بالنسبة للقوميّة الروسية. احتاج القوميون الألمان والروس إلى بناء حدود للأمة، وهذه الحدود لم تكن جغرافية فحسب. نفهم من ذلك أصل المجهود المتميز في تضخيم التهديد على البناء القومي، وخلق أسطورة معكوسة لليهود المتآمرين على وحدة الأمة القومية الناشئة. ومثلما سيدفع هذا المجهود في روسيا لانتحال مؤلف أضحى مشهورا بعنوان “بروتوكولات حكماء صهيون”، فإنه سيشهد انخراط مؤرخين وفلاسفة كبار في الحمى القومية لألمانيا الفتية، وتطويرا للأفكار اللاسامية العنصرية وترسيخا للأساطير حول نفوذ اليهود وتآمرهم “عبر التاريخ”. هذا هو سياق قضية دريفوس في فرنسا أيضا. لقد كان مثقفو الأمة الناشئة يحتاجون بالتأكيد لليهود من أجل توجيه الحماس الناشئ عن الكراهية، وعندما ستنشأ الصهيونية، ستكون نشأتها تلك تأكيدا لأفكارهم، فتحصل الفائدة القومية المشتركة.

صناعة الأرض

يستفيد شلومو ساند من الأبحاث في علم البيولوجيا، كاستفادته من علم الآثار، واستقراء المصادر الأدبية القديمة. عبر مجهود تأليفي متأنّ، فإنّ ما يقوم به يندرج ضمن المناهج التاريخية الحديثة التي تعتمد تنوع المصادر والمقارنة بينها، وتلافي القبول بالأفكار المسبقة مهما كانت قوة انتشارها.

فمثلما لم تثبت البيولوجيا تثبت شيئا مما ادّعته الإيديولوجيا الصهيونية حول وحدة العرق اليهودي، بل فندته ولا تزال إلى اليوم وبصفة تامة، كذلك يأتي علم الآثار لينقض كل ما بني حول ممالك إسرائيل في الأرض المقدسة وحول الشتات والعودة، بل حتى حول النصوص التأسيسية للذاكرة اليهودية كما صاغتها المؤسسات الرسمية للصهيونية ودولة إسرائيل. مع نهاية القرن العشرين “تولد انطباع بأنّ كل ذلك يتحول إلى ضرب من الأساطير الأدبية التي راحت تنشأ بينها وبين التاريخ الحقيقي هوة سحيقة لا يمكن الجسر عليها” (اختراع الشعب اليهودي، ص 164).

عبر حروبها ضد الفلسطينيين، استولت إسرائيل كل مرة على أراضٍ جديدة. بالنسبة لمؤرخين معنيين بترسيخ قصة التأسيس وسردية الأرض، كانت الحفريات الطريق الأسلم، والأسهل. لكن النتائج ظلّت مخيبة للآمال بالرغم من كلّ ما أنفق عليها، حيث لم يتمّ العثور أبدا على بقايا تدلّ على وجود مملكة مهمة في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو العصر الذي تقدّر الأدبيات اليهودية أن مملكة داوود وسليمان قد نشأت فيه. بل إنّ حفريات أخرى لم تكتف بنفي وجود مملكة عظيمة فقط، حيث نفت كذلك الوحدة الجغرافية لأراضي هذه المملكة.

يدقق شلومو ساند فكرة مهمة أخرى: إن فكرة إنكار وجود شعب عربي في فلسطين هي، زمنيّا، أقل قِدما من الحركة الصهيونية وحتى من وعد بلفور. ذلك أنه إلى حدود منتصف الثلاثينات، كانت نصوصٌ كثيرة ومتواترة تعتبر العرب القاطنين بفلسطين جزءا من العبرانيين، أي ذرية الشعب المختار. ما الذي جعل الأمور تختلف بعد ذلك؟ الإجابة هي ثورة 1936، التي ستمثل نقطة انطلاق طرد الفلسطينيين من الدائرة السامية، وبصفة رسمية. لقد أصبحت تلك الثورة دليلا على عدم القدرة على بناء قومية على أرض تقطنها قومية أخرى شاعرة بتميّزها، واعية بحدودها هي الأخرى، ما يعني عدم إمكانية تذويبها كمجرد ثقافة بدائية دونية في ثقافة أخرى أكثر تفوقا وعمقا. “منذ تلك اللحظة اختفى أحفاد اليهودائيين من الوعي القومي اليهودي وأصبحوا نسيا منسيا. وهكذا تحول الفلاحون الفلسطينيون في الحاضر، في أعين وكلاء الذاكرة المخولين، إلى مهاجرين عرب جاؤوا بأعداد غفيرة في القرن التاسع عشر إلى بلاد شبه مقفرة خاوية” (اختراع الشعب اليهودي، ص 242).

يثير ساند قضية هامة جدا بإسهابه في الحديث عن مملكة الخزر واليهودية اليديشية. إذ يعتبر وجود هذه المملكة الأكثر ثباتا من مملكة داوود وسليمان، في وسط أوروبا ذاتها، دليلًا لا يقبل الدحض على أنّ فكرة فلسطين كأرض للميعاد، هي ثمرة الفكرة القومية العلمانية التي اعتنقها رواد الحركة الصهيونية الأوائل. كان هؤلاء، وهرتزل بالخصوص، في حاجة إلى فكرة سحرية قادرة على استثارة الحماس لتأسيس وطن قومي، وليس مصادفة أنه كان يتزعم داخل المنظمة الصهيونية الشق المحبذ لتأسيس هذا الوطن في الأرجنتين. إن البحث عن الشعب هو الذي سيدفع به إلى بناء تحالف مع المتدينين، وهذا التحالف الذي ستكون فلسطين، أو “أرض صهيون”، حجر زاويته، هو الذي كان قادرا لوحده على إنجاز شيء على الأرض وإطلاق الهجرة الكثيفة نحو فلسطين. فيما عدا ذلك، لم يكن حتى لدى الحاخامات فكرة العودة “للأرض المقدسة” كعودة مادية تجسمها قوافل من المهاجرين. ستفعل البروتستانتية فعلها الذي أصبحنا نعرفه اليوم، بالتوازي مع الحمى القومية في أوروبا وخاصة في شمالها البروتستانتي، ثم ستتدخل مصالح القوى الكبرى وهمومها الاستراتيجية، لتجعل فلسطين الفضاء الوحيد الممكن القادر على التأليف بين كلّ هذه الانتظارات المتداخلة والمعقدة. بل أكثر من ذلك، فإنّ “الصهيونية المسيحية” هي التي أدخلت فلسطين لمنظومة الأفكار الصهيونية، حيث كان الأمر متعلقا بتعجيل الخلاص وتهيئة الظروف لعودة المسيح وانتصار المسيحية الأخير. لقد تشربت الصهيونية هذه الفكرة مثلما تشربت الفكرة القومية، حيث كانت تحتاجهما بشدة من أجل المرور إلى الإنجاز وإيجاد نقاط التقاء موضوعية مع كل الحلفاء المحتملين. يستعرض ساند هذا التطور في العلاقة بين البروتستانتية والصهيونية المسيحية من جهة، والصهيونية واليهودية من جهة أخرى عبر تحليل تاريخي متماسك (اختراع أرض إسرائيل، الصفحات من 164 إلى 186) ويصل به ذلك إلى تفسير موضوعي صلب للتعاطف البريطاني مع مشروع الحركة الصهيونية الذي عبر عنه اللورد بلفور في نوفمبر 1917.

عبر ثلاثية شلومو ساند، نحن بإزاء عملية تفكيك علمية وموضوعية متأنية للإيديولوجيا الصهيونية والمسار الذي اتبعته من أجل أسر اليهودية تماما. تصبح إسرائيل بذلك نتاجا لفكرة هي في حقيقة الأمر خلاصة للحاجة القومية والمصالح الاستراتيجية والمعتقدات الدينية المستوردة من المسيحية. هناك إشكالات كثيرة تمنع أن تتحول إسرائيل إلى دولة لليهود، أو حتى إلى دولة يهودية، وهذه الإشكالات تعود إلى طبيعة التوليفة المعقدة والمصطنعة التي أنشأتها في الأصل. الأمر شبيه جدا في نظر ساند بوضعية المستوطنين الأوروبيين في جنوب إفريقيا قبل 1994، والمستوطنين الأوروبيين الآخرين في الجزائر قبل 1962، بل إنه لا يمكن حتى تلافي مقارنته بوضع الآري في ألمانيا في الثلاثينات من القرن الماضي. لا يمكن ببساطة أن تخرج إسرائيل عن حدود كل الأفكار القوميّة والاستعمارية والعنصرية التي نشأت في تربتها، ولا أن تفلت من مصيرها.


[1]  – سيغموند فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة 1986، 191 صفحة.

[2]  – نورد عناوين هذه الثلاثية بحسب ترتيب صدور أجزائها:

– اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، مراجعة وتقديم أنطوان شلحت، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2011، 415 صفحة.

– اختراع “أرض إسرائيل”، ترجمة أنطوان شلحت وأسعد زعبي، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2014، 314 صفحة.

– كيف لم أعد يهوديا. وجهة نظر إسرائيلية، ترجمة وتقديم أنطوان شلحت، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2014، 124 صفحة.

[3]  – فيلسوف إشتراكي ألماني عاش بين 1812 و1875، عايش الوحدة الإيطالية والألمانية، وكان كتابه “روما والقدس” المنشور في سنة 1861 أول الكتابات الصهيونية الجادة التي عبرت عن التخلي عن مطالب الاندماج، مؤسسة بذلك للفكرة الصهيونية قبل هرتزل بثلاثين عاما. كان هاس من أهم منظري الهجرة والاستيطان اليهودي بفلسطين، وقد رأى في ذلك تواصلا مع أفكاره الإشتراكية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، مقالات ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية