حماية الأبنية التراثية وتأمين السلامة العامّة: إنهيارات المباني تفضح تقاعس الدولة


2020-06-19    |   

حماية الأبنية التراثية وتأمين السلامة العامّة: إنهيارات المباني تفضح تقاعس الدولة

تعدّدت في السنوات الأخيرة مشاهد إنهيار الأبنية (لا سيّما في بيروت)، معيدةً إلى الواجهة موضوع السلامة العامّة في الأبنية التراثيّة والأبنية المتصدّعة على حدٍّ سواء، أحدثها إنهيار مبنى مرهج (حيث الفرن اللبناني) في الأشرفية بتاريخ 28/1/2020. وفيما اقتصرت الأضرار على الممتلكات الماديّة في شارع سليم بسترس، أدّى إنهيار مبنى الفوّال في المينا – طرابلس قبل شهرٍ من ذلك (10/12/2019) إلى وفاة شقيقين من عائلة كاخية التي كانت تقطن فيه. والقاسم المشترك بين المبنيين أنّهما من الأبنية التراثية المسجّلة في لائحة الجرد والتي يُمنَع هدمها أو صيانتها دون موافقة مديريّة الآثار. يفضح هذان الإنهياران إذًا انكفاء الدولة عن مهمّتها في حماية الأبنية التراثيّة: ففيما تماطل اللجان النيابية في إقرار مشروع القانون المحال إليها من الحكومة منذ 12/10/2017[1] وذلك بعد مسارٍ إعداديٍّ طويل إستمرّ منذ عام 1996، تتعرّض الأبنية التراثيّة إمّا للهدم من قبل المطوّرين العقاريين أو للإنهيار التلقائي نتيجة تصدّعها من جرّاء غياب الصيانة أو تعمّد إهمالها.

من جهةٍ أخرى، تفضح هذه الإنهيارات أيضًا تقاعس الدولة في متابعة موضوع السلامة العامّة. فلم تقتصر الإنهيارات على المباني التراثية، بل طالت أيضًا مبانٍ سكنيّة متصدّعة كانهيار مبنى مؤلّف من خمسة طوابق في فسّوح – الأشرفيّة عام 2012 قُتل نتيجته 27 شخص، وانهيار قسم من مبنى "العنان" في برج البراجنة الذي أدّى إلى وفاة سيّدة وابنتها وإصابة زوجها بتاريخ 15/2/2018.

القواسم المشتركة كثيرة بين كل هذه الحوادث، وهي تظهر هشاشة الأنظمة التي ترعى المشهد العمراني عمومًا والشروط السكنيّة بوجهٍ خاص. في ردود الأفعال الأوّليّة، يسارع الرأي العام إلى إلقاء اللوم على مالك المبنى، إذا لم يقم بصيانته فانهار أو إذا هدم مبنى تراثيًا يملكه ليستبدله بمبنى يدر عليه ربحًا أكبر. ولكن، هل يتحمّل المالكون وحدهم مسؤوليّة انهيار أي مبنى وتعريض حياة السكان للخطر؟ وهل تقتصر عليهم وحدهم مسؤولية الحفاظ على ذاكرة المدينة وإرثها العمراني؟

نبحث في هذا المقال من جهة أولى الأسباب التي تؤدّي إلى تردّي أوضاع البناء في لبنان والإطار القانوني السائد، لنناقش من جهة ثانية بعض الحلول المطروحة على مستوى التشريع المتعلّق بقطاع البناء لا سيّما في مشروع قانون حماية الأبنية التراثيّة وفي الأنظمة المرتبطة بحفظ السلامة العامّة.

 

ضمان شروط السلامة العامّة ومسؤوليّة صيانة وترميم البناء

تقع مسؤوليّة صيانة وترميم وتدعيم الأبنية على عاتق من يملكها، أكانت تراثيّة أم حديثة. ويظهر ذلك جليًّا في قانون البناء، في المراسيم المتعلّقة بالسلامة العامّة وفي قانون حماية الآثار الذي ينطبق على الأبنية التراثيّة المسجّلة على لائحة الجرد العام. فالمادّة 18 من قانون البناء (رقم 646/2004) تفرض "على المالك أن يسهر دومًا على صيانة أملاكه المبنيّة وتأمين الإتّزان والمتانة اللازمين لها للمحافظة على سلامة الساكنين والجوار.(…) وإذا ظهر على البناء أو أقسامه إشارات وهن (…) وإذا تبيّن بنتيجة تقرير المهندس أنّ اتّزان البناء أو متانته مختلّان، على المالك أن يقوم بأعمال التشييد والتدعيم اللازمة." وفي حال تمنّع المالكون لسببٍ ما عن ترميم وصيانة "واجهات أبنيتهم وأجزائها الأخرى (…)، يحقّ للبلديّة بعد إخطارهم أن تقوم (بذلك) على نفقتهم". أمّا إذا كانت حالة البناء تهدّد السلامة العامّة وتتطلّب أعمالا تتخطّى الصيانة والترميم، تلزم المادّة نفسها المالك بتدارك خطر إنهيار المبنى "دون إبطاء" كما وتحمّله أعباء تكلفة أعمال التدعيم الضرورية لذلك بكاملها "على نفقته ومسؤوليّته" وإلّا يحقّ للبلدية "أن تباشر بتنفيذ الهدم على نفقته". وجاءت المراسيم المتعلّقة بشروط تأمين السلامة العامّة في الأبنية والمنشآت وفي تجهيزات المصاعد والوقاية من الحريق والزلازل (مرسوم رقم 14293/2005 وتعديله بالمرسوم رقم 7964/2012) لتحدّد المعايير التي يجب اتّباعها في كلٍّ من الأبنية الجديدة والأبنية القائمة وفي حالات زيادة بناء على بناء قائم أو تغيير وجهة إستعمال المبنى. ويُحَمِّل المرسوم المالك أو جمعيّة المالكين مسؤولية "تطبيق متطلّبات السلامة العامّة لا سيّما لجهة متانة البناء والصيانة الدوريّة للأبنية وتجهيزاتها وفقًا لأحكام قانون البناء"[2]. إذًا، ينطبق المرسوم نظريًا على كافّة الأبنية في لبنان وليس فقط الأبراج والأبنية الحديثة بل يشمل كل بناء قائم مهما كان تاريخ تشييده، ويجب مراجعة أوضاع كافّة الأبنية القائمة (خاصّةً أنّ العديد منها تغيّرت وجهة إستعمالها كتحويل شقق سكنيّة إلى مكاتب أو مخازن مثلًا) لضمان توافر شروط السلامة العامّة فيها وحماية هذه المباني من الحرائق والزلازل.

إلّا أنّه لغاية اليوم، أي بعد 15 عامًا من بدء العمل بهذا المرسوم، فإنه ما يزال غير مُطبّق على الأبنية القائمة بسبب غياب الآليّة الإداريّة والتقنيّة والقانونيّة لتحقيق ذلك. فالمرسوم التعديليّ الذي صدر في عام 2012 لم يُحدّد أيّة مهل أو تفاصيل لبدء العمل بـالتدقيق الفنّي الإلزامي بالنسبة للأبنية القائمة، إنما ربط ذلك بــ "قرار يصدر عن وزير الأشغال العامّة والنقل بعد صدور مرسوم ملحق بناءً على اقتراح الوزير ذاته يقضي باعتماد مقاييس ومواصفات خاصّة وملائمة".[3] ولم يصدر الوزير أيّ قرار لغاية اليوم.

أمّا في حال زيادة مساحات مبنيّة على أبنية قائمة، يخضع البناء للتدقيق الفنّي الإلزامي فقط إذا كان ينتمي إلى إحدى الفئات التي حدّدها المرسوم حسب نوع الإشغال وحجم البناء (مساحته، إرتفاعه، عدد الطوابق السفليّة، الخ.). في هذه الحالة، يقتضي تضمين ملف رخصة البناء تقريرًا صادرًا عن أحد مكاتب التدقيق المرخّصة، يحدّد الإجراءات المعتمدة لتأمين شروط السلامة في متانة البناء ووقايته من الحرائق.

 

ثغرات في الإطار القانوني وغياب آليّة التطبيق

يبيّن التدقيق في الأنظمة التي ترعى قطاع البناء في لبنان وواقع المشهد العمراني إذًا وجود ثغرات عديدة جدّيّة تحول دون تأمين سلامة الأبنية القائمة وتاليًا سكانها ولاسيّما في المدن. فبالإضافة إلى تصدّع أبنية عديدة خلال الحرب وعدم قدرة مالكيها على صيانتها أو ترميمها، كثرت مخالفات البناء التي نشأت خلالها مستفيدةً من غياب الدولة، فشُيّدت أبنية من دون ترخيص وتاليًا من دون إشراف مهندس يكون مسؤولاً على عمليّة البناء، ناهيك عن زيادة طوابق فوق أبنية قائمة دون دراسة متانتها وتدعيمها.

ولا يقتصر عدم إحترام معايير السلامة العامّة على المخالفات، بل كان مشرّعًا أحيانًا من خلال إجراءات صدرت عن مؤسّسات الدولة نفسها: فقد سمح القانون 6/80 المعروف شعبيًا بتسمية "طابق المر" بزيادة عامل الإستثمار وتعميم إضافة طابق على أي بناء موجود، حتىّ ولو كان يتضمّن أجزاءً مخالفة[4]. وقد أدّت الفوضى في تطبيقه على مدى 16 عاماً[5] إلى ازدياد البناء العشوائي وإحداث فوضى عمرانية هائلة وتكريس منطق تسوية مخالفات البناء غالبًا على حساب السلامة العامّة. وتكاد هذه التجربة تتكرّر اليوم إذا ما أقرّ مشروع قانون "الواجهة الخامسة، تعديل قانون البناء" الذي تناقشه لجنة الأشغال النيابيّة والذي يُجيز إضافة طابق جديد بسقف قرميد منحدر على الأبنية الموجودة والمُستحدثة حتى ولو تجاوزت معدّل الإستثمار المسموح بها، في ظل معارضة نقابتي المهندسين في بيروت والشمال. وقد حذّر نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت في تقريرٍ حول هذا الإقتراح في آذار 2019 من تداعيات خطيرة محتملة لهذا التدبير في ما يتعلّق بالسلامة العامّة والقدرة على مقاومة الزلازل والهزّات[6].

كما أدّت تعاميم وزير الداخليّة نهاد المشنوق بين عامي 2014 و2017 والتي أجازت لرؤساء البلديات والقائممقامين في القرى التي ليس فيها بلديّات منح تصاريح بناء بمساحة 150 متر مربع من دون التقيّد بإلزاميّة الرخصة ومراعاة قانون البناء[7] إلى انتشار آلاف الأبنية غير القانونية (لعدم إلتزامها بقانون البناء) التي لا تراعي الأصول الهندسية تأمينا للسلامة العامة بسبب عدم خضوعها لرقابة نقابة المهندسين بل للقوى الأمنية.

أمّا اليوم، بعد بدء العمل بقانون تسوية مخالفات البناء[8]، هل سيتمّ التدقيق في احترام معايير السلامة العامة أم ستقتصر العمليّة على تحويل الأمتار المخالفة إلى غرامات؟ يجيب نقيب المهندسين جاد تابت بأنّ النقابة وضعت آليّة صارمة جدًّا حيث تطلب تقارير عن حالة البناء (المتانة الهيكليّة، التركيبات الكهربائية والميكانيكيّة، الخ.) حسب طبيعة المبنى موضوع التسوية وحجم المخالفة (مساحته، عدد الطوابق، إذا كان من فئة الأبنية المعدّة لاستقبال الجمهور…) ناهيك عن الإجراءات التي يجب اتّباعها لضمان إحترام معايير السلامة العامّة. بمعنى آخر، في حال نجحت النقابة في فرض احترام هذه المعايير، لن تتم تسوية المخالفات من دون التأكّد من إحترام البناء للمعايير المفروضة في قانون البناء ومراسيم السلامة العامّة.

 

غياب المسح الشامل

عدا مخالفات البناء التي تتعارض مع أبسط مبادئ السلامة العامّة، تكثر في لبنان الأبنية المتصدّعة ويعود تدهور حالتها إمّا للحرب وإمّا للإهمال وغياب الصيانة. ولكن، بالرغم من تكرار حالات إنهيار أبنية واعتراف بلديّة بيروت بوجود مباني عديدة في نطاقها شبيهة بمبنى فسوح، وهي بمثابة "قنابل موقوتة"[9]، ليس هناك مسح شامل للأبنية المهدّدة حتّى اليوم، أقلّه في المدن ذات الكثافة السكانيّة المرتفعة.

وعليه، عند وقوع أي حادث، تكتفي البلديّات المعنيّة بإقامة مسح للأبنية المجاورة في نطاق جغرافي مصغّر. وبحسب النقيب جاد تابت، أقامت بلديّتا بيروت وطرابلس لائحةً بالأبنية المهدّدة ضمن نطاقهما ولكنّها ليست مسحًا (recensement) بالبعد التقني للكلمة. ولحدّ علمه، تقوم أيضًا بلديّة الغبيري بوضع لائحة مماثلة. ويرى تابت أنّ "مسؤولية إجراء المسح تقع من دون أدنى شك على عاتق البلديّات، وهذا ما يجري في فرنسا على سبيل المثال". ولكن، في التجربة الفرنسيّة، وفي أي دولة تضع سياسات عامّة، يتبع إجراء مسح الأبنية "تدخّل وزارة الإسكان للمساعدة في اتّخاذ الإجراءات الضروريّة لحلّ مشكلة الأبنية المتصدّعة والسكن غير اللائق". إلّا أنّ رئيس إتّحاد بلديّات الضاحية الجنوبيّة محمّد درغام لا يرى مسؤوليّة للبلديات في هذا الخصوص، "فإجراء المسوحات هي من واجب الدولة المقصّرة في هذا المجال" لأنّ كلفتها العالية تتخطّى قدرة البلديّة، مؤكّدًا في الوقت نفسه "أنّ قرابة 100 مبنى في الضاحية الجنوبيّة مهدّدٌ بالسقوط، وهي بحاجة ملحّة لإعادة الترميم" لتفادي ذلك[10].

وفي غياب أي أرقام أو خرائط مسح معتمدة رسميًا، تفيد أرقام "جمعيّة سلامة المباني" بوجود 16260 مبنى مهدّد بالإنهيار في لبنان، ويتواجد القسم الأكبر منها في بيروت (10460 مبنى). إلا أنّ هذه الأرقام تبقى تقديرات إحصائيّة وليست ناتجة عن مسحٍ تقنيّ[11]، فيما يشير رئيس الجمعيّة يوسف عزّام أنّه تمّ إجراء مسح 400 مبنى في بيروت ولكن توقّف العمل بسبب عدم توفّر الموارد الماليّة الكافية[12].

 

عدم توفّر الموارد

في ظل عجز الدولة والبلديّات عن تكبّد تكاليف مسح الأبنية وإقامة خطّة وطنيّة لترميم الأبنية المتصدّعة والقديمة، هل من العدل تحميل المالكين كامل مسؤوليّة الكشف والتدعيم والترميم كما تنصّ أنظمة البناء؟ برأينا، لا يمكن معالجة إشكاليّة السلامة العامّة من المنظار التقني لقانون البناء ومراسيمه التطبيقيّة دون معاينة قانون الإيجارات والأزمة الإجتماعيّة التي نتجت عنه، ووضعت المالكين في دوّامة من دون أفق، في مواجهة مع المستأجرين القدامى. فالإيجارات القديمة تحرم المالك من استيفاء بدلات إيجار عادلة تمكّنه من دفع تكاليف إجراء الكشف على مبناه والقيام بترميمه وهي تكاليف عالية إذ تشمل بدلات فريق من المهندسين الإستشاريين (المعمار والمهندس المدني والميكانيكي في حال تسرّب مياه إلى المبنى، والجيوتيكنيكي لمعاينة أرضيّة المبنى الخ.) وفي بعض الحالات بدلات مكتب تدقيق (حسب مرسوم السلامة العامّة) بالإضافة إلى تكاليف الرخصة وأعمال البناء. فالبدلات الناتجة عن الإيجارات القديمة لا تكفي أحيانًا لإجراء الصيانة الدوريّة الروتينيّة للبناء خاصّة إذا كان الايجار مورد الرزق الوحيد لصاحب المبنى. بالمقابل، تحمّل القوانين المالك كامل مسؤولية ترميم وتدعيم وانهيار المبنى إذا حصل. والحكم القضائي الذي صدر في قضيّة إنهيار مبنى فسّوح خير دليل على ذلك[13]. وإذا قارنّا كل حالات إنهيار المباني التي جرت في السنوات الماضية، نلاحظ تكرار النموذج عينه: يشغل المبنى "ايجارات قديمة"، ينكفئ المالك عن القيام بالصيانة أو الترميم (مبنى فسّوح أو برج البراجنة) أو إذا ما كان المبنى من ضمن البيوت التراثية (مثلًا مبنيي بيت ورد والفرن اللبناني في الأشرفية أو مبنى الفوال في طرابلس)، يشهد البناء حالة إهمال وتخريب تدريجي (إزالة الشبابيك، تفكيك القنطرة، زيادة الوزن على سقف الطوابق عبر تحويلها إلى مستودع…) إلى حين تصدّعه بسبب تسرّب المياه إليه فينهار في ليلة ممطرة. ففي حال الأبنية التراثية، حتى تسجيل المبنى على لائحة الجرد لكونه قيمة وطنيّة لا يساهم في تقديم أي مساعدة ماديّة للمالك للحفاظ على مبناه بحالة جيّدة. فالمادة 31 من قانون "نظام الآثار القديمة"[14] الذي يطبّق على هذه المباني تنصّ أنّ "المصاريف الناجمة عن الأشغال المتعلّقة بتمكين أو ترميم العقارات المقيّدة في الجرد العام أو المسجّلة كأبنية تاريخية يتحمّلها أصحاب هذه العقارات". وفي حال تمنّع أو تعثّر المالك عن القيام بالترميم، تفيد المادّة 32 من القانون أنّه على مديريّة الآثار أو البلدية القيام بذلك على أن تسترد النفقات من المالك، "ويمكن للسلطة التي تحل محل صاحب الملك المتخلّف إسترجاع المصاريف الحقيقية المنفقة مع إضافة 25% إليها وفقًا للقواعد النافذة في تحصيل الرسوم البلدية والأموال العموميّة". لذلك يشعر بعض مالكي هذه الأبنية التراثية أنّ تسجيلها سيشكّل عبءًا عليهم عوضًا عن قيمة مضافة خاصّةً إذا لم يستوفوا منها بدلات إيجار عادلة تمكّنهم من صيانتها. من هنا، نرى أنّه لا يمكن الفصل بين أنظمة البناء والسلامة العامّة، السياسة الإسكانية وخطة وطنيّة لحماية الأبنية التراثية والحفاظ عليها لما لهم من تأثير على المشهد العمراني والنسيج المديني في لبنان. والحل يكون بسياسة عامّة تُوفّق بين هذه الحقوق الثلاثة: السلامة العامّة، السكن اللائق للجميع والحفاظ على التراث والذاكرة الجماعية.

 

تحديث القوانين وإدراجها ضمن سياسات عامّة

هل يمكن التوفيق بين السّلامة العامّة والحقّ في السكن خاصّةً في ظل وضع إقتصادي ومعيشي صعب وشحّ في السيولة من دون إلقاء كامل الأعباء على المالكين دون سواهم؟ يشير نقيب المهندسين جاد تابت إلى أهميّة السياسات العامّة في موضوع السكن (والغائبة في لبنان) التي تضع آليّات لمساعدة المالكين العاجزين عن تحمّل هذه التكاليف، مستشهدًا بالتجربة الفرنسيّة على سبيل المثال. فقد "أنشئت "الوكالة الوطنيّة للإسكان" ( ِAgence Nationale de l’Habitat – ANAH) وهي مؤسّسة عامّة تُقدّم الدّعم التقني والمادّي (خاصّةً عبر تخفيف بعض الضرائب) للمالكين لكي يقوموا بترميم مبانيهم. كما تقوم البلديّات في شراء الأبنية من المالكين المتخلّفين وترمّمها أو تهدمها بعد إخلاء السكان وتأمين مسكن بديل لهم. ولكن من بإمكانه أن يفعل ذلك في لبنان" خصوصًا في ظل غياب سياسة إسكانية. وقد خُصِّصت لهذه الوكالة الفرنسية ميزانيّة 1،4 مليار يورو لعام 2020 من أجل ترميم وصيانة 137000 مسكن[15]. بالطبع، تبتعد هذه الأرقام عن الواقع اللبناني وقد تبدو المقارنة غير واردة. ولكن يلفتنا في هذا المثل موارد تمويل هذه الوكالة التي بإمكاننا تطبيقها في لبنان: فإحدى مصادر التمويل تكمن في فرض ضريبة على الشقق الخالية ستؤمّن 61 مليون يورو لعام 2020. استنساخ هذا النموذج ضمن وضع سياسة إسكانية عادلة قد يكون حلًا مناسبًا لإنهاء حالة تسليع السكن وإبقاء الشقق فارغة في انتظار بيعها بسعرٍ مرتفعٍ من جهة، ولإيجاد مصادر تمويل لخطط تأمين السكن اللائق وترميم المباني من جهة أخرى. فبحسب أرقام بلدية بيروت، "يبلغ عدد الشقق الفارغة في نطاقها 116 ألف شقة، ورغم أنّه يُعتقد أنّ عدداً من مالكيها سجّلها على أنّها شاغرة للتهرّب من الضريبة، إلّا أن عددها يبقى على أي حال كبيراً".[16]

من جهة أخرى، يقدّم مشروع قانون حماية الأبنية التراثية المُحال إلى مجلس النواب[17] عام 2017 حوافز مادّيّة لمالك العقار المحمي لتمكينه من الحفاظ عليه وترميمه كبعض الإعفاءات الضريبيّة وإمكانيّة زيادة بدلات الايجار بعد الترميم (المادة 23) وإعطائه "شهادات إسميّة" تمثّل الأرض الوهميّة اللازمة لبناء مساحة الاستثمار العام غير المستنفذة في العقار المحمي والتي يمكنه الاستفادة منها في عقار آخر أو بيعها.

أخيرًا، بدأت نقابتا المهندسين في بيروت والشمال في صيف 2019 بدراسة مشروع قانون لجعل الترخيص بالإشغال غير مطلق وخاضعا للكشف والتجديد كل 5 سنوات. ولكنّ "الفكرة" لم تنضج بسبب التطوّرات في لبنان منذ تشرين 2019 التي عرقلت عمل النقابتين. ويشرح النقيب تابت أنّ الهدف هو "التحقق الدوري من حالة المباني (الهيكل والكهرباء والسلامة من الحرائق ، وما إلى ذلك) فحتى إذا كانت المباني في وقت إنجازها وتسليمها تتوافق مع معايير السلامة ، فإنها غالبًا ما تخضع للتحولات التي لا تتطلّب دائمًا ترخيصًا وتجعلها غير متوافقة". وقد يشكّل ذلك حلّاً لضمان سلامة البناء والوقاية من أخطار التصدّع والإنهيارات.

 

ختامًا، تقع على عاتق الدولة بكل مؤسّساتها مسؤوليّة وضع سياسات عامّة عادلة لتأمين حقوق المواطنين في السلامة والسكن اللائق والبيئة العمرانية الآمنة. ويبدأ ذلك بإعادة وزارة الإسكان وتمكينها مادّيًا لتنفيذ هذه السياسات عبر إصلاحات إقتصادية وإدارية من شأنها تأمين المداخيل الضرورية لتمويل الخطة الإسكانية التي عليها أن تشمل ترميم المباني المتصدّعة وتأهيلها بالبنى التحتية الضرورية لتأمين السكن اللائق (مياه، كهرباء، الصرف الصحي…). ومن أول الإجراءات التي يجب اتّباعها بهدف رسم هذه السياسات، أن يتمّ التنسيق بين الحكومة والبلديات لإجراء مسح ميداني شامل لكل الأبنية المهدّدة في لبنان واتّخاذ التدابير الفنّية والماليّة الضروريّة على ضوء نتائج هذا المسح. ويبقى الإصلاح القانوني أساسيًا من أجل تفعيل المراسيم المتعلّقة بالسلامة العامّة التي بقيت مجتزأة من جهة (موضوع الأبنية التي أنشئت قبل المرسوم لا يزال عالقًا)، ولإنصاف المالكين والمستأجرين وأصحاب الأبنية التراثية بقوانين عادلة أساسيّة لضمانة سلامة البناء وتأمين السكن اللائق.

 


[1]  وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون حماية المواقع والأبنية التراثية في لبنان في 12/10/2017 وأقرّه بالمرسوم رقم 1936 بتاريخ 29/11/2017 فأحيل إلى اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة المكلّفة بدرس ومناقشة مشروع قانون حماية المواقع والأبنية التراثيّة برئاسة النائب يلسين جابر التي باشرت أعمالها في 28 شباط 2018.

[2] المادّة الرابعة من المرسوم رقم 7964 تاريخ 7/4/2012.

[3] مرسوم رقم 7967 بتاريخ 7/4/ 2012 (المادّة 7 – فقرة 3)

[4] المادّة 3: اذا كان الطلب يرمي الى اضافة بناء على بناء موجود يجب ان يكون وضع البناء الموجود قانونيًا بتاريخ تقديم الطلب، وتحسب مساحة البناء المخالفة في حال وجودها والتي تمت تسوية وضعها بموجب قوانين تسوية مخالفات البناء (…) من أصل المساحة الإضافيّة التي تسمح بها الفقرة الأولى من هذه المادة.

[5] صدر القانون 6/80 في 29 أيّار 1980 تحت تسمية "قانون تمويل وإنشاء عشرين ألف وحدة سكنيّة في كافّة المناطق اللبنانيّة" وسمح بزيادة عامل الإستثمار مقابل دفع المالك المستفيد رسوم لتمويل الصندوق المستقل للإسكان واستمرّ العمل به لغاية 24 تمّوز 1996 بعدما ازدادت الإعتراضات حوله بسبب تطبيقه العشوائي الذي أدّى إلى تشويه البيئة والعمران. ("طابق المر": صندوق للإسكان لتمويل بناء 20 ألف وحدة سكنية، جويل بطرس – المفكّرة القانونية،12/7/2019).

[6] "طابق المرّ" مجدداً: «تركيب طرابيش» لتمويل الإسكان، هديل فرفور، جريدة الأخبار – 4/3/2019.

[7] تعميم رقم 613 (2014) و 770 (2015) و 735 (2016) و352 ص.م. (2017)

[8] قانون رقم 139 الصادر في 9/7/2019.

[9]  تصريح رئيس بلديّة بيروت السابق بلال حمد ( هل تتذكرون كارثة مبنى فسوح؟…ها قد صدر الحكم فيها، موريس متى، جريدة النهار، 29/10/2015)

[13]  عام 2015، أي بعد 3 سنوات من إنهيار المبنى السكني في شارع المطران عطالله في منطقة فسّوح – الأشرفيّة، صدر القرار الظني عن القاضية المنفردة الجزائية ميشلين مخّول شبلي بإدانة الأخوين ميشال وكلود توفيق سعادة (وهم مالكو المبنى المنهار) " بالجنحة المنصوص عنها والمعاقب عليها في المادّة /564/ من قانون العقوبات، أي بالحبس سنتَين واحتساب مدّة التوقيف، وأيضًا وفق المادّة /565/ من القانون نفسه، أي بالحبس سنة واحتساب مدّة التوقيف، بحيث تنفّذ العقوبة الأشدّ. وقضى الحكم بإلزام المدّعى عليهما دفع تعويضات ماليّة عن مجمل الأضرار اللاحقة بالجهة المدّعية من ورثة المتوفّين والجرحى وتقارب قيمتها المليارَي ليرة لبنانيّة". (بعد خمس سنوات على الكارثة هذه تعويضات إنهيار مبنى فسّوح، ربيع دمج، موقع الإقتصاد، 21/2/2017). وبعدما استأنف المدّعى عليهما الحكم، صدقته محكمة استئناف بيروت .  وقد جاء في القرار الجديد الصادر في 17 شباط 2017 " تحميل كامل المسؤولية والنفقات على عاتق الأخوين سعادة وإلزامهما بدفع التعويضات التي تراوحت بين 75 مليون ليرة لبنانية عن روح الضحية وصولاً إلى 100 مليون ليرة لبنانية (…) ويرغم أصحاب العقار المنهار بدفع 50 % من قيمة هذه التعويضات في المرحلة الأولى، على أنّ يدفعا الـ50% الباقية بعد فترة يحددها القضاء، ويعتبر هذا القرار ( بالنسبة إلى أول دفعة)، سارياً بدءاً من تاريخ صدور الحكم أي من 17 شباط حتى 17 تموز 2017، وإلا في حال عدم تطبيق الشرط سيتم توقيف وحبس المتهمين لمدة 16 شهراً مع إلزامهما دفع التعويضات أيضا"ً (المصدر نفسه).

[14]  قرار رقم 166/ ل.ر الصادر في 7/11/1933

[16] هل من دور للانتفاضة في حلّ أزمة السّكن؟ حسن الساحلي، المفكرة القانونية، 9/12/2019

[17] مرسوم رقم 1936 صادر في 29/11/2017

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *