تنسيقية المناصفة في المغرب تأخذ زمام المبادرة : مقترح قانون لإقرار المساواة في الإرث


2023-05-22    |   

تنسيقية المناصفة في المغرب تأخذ زمام المبادرة : مقترح قانون لإقرار المساواة في الإرث

في سابقة تعد الأولى من نوعها قدمت تنسيقية المناصفة- وهي شبكة غير حكومية- مقترح قانون يهدف إلى تعديل المقتضيات المتعلّقة بالإرث لإقرار مبدأ المساواة بين الجنسين.

المبادرة تأتي في وقت ما يزال فيه الغموض يلفّ مآل تعديل مدونة الأسرة بعد مرور 20 سنة على إصدارها، ومرور حوالي 10 أشهر على إطلاق المبادرة الملكية بتعديل بنود المدونة لملاءمتها مع مستجدات الدستور.

مقترح قانون تعديل مقتضيات الإرث في مدونة الأسرة

يتعلق مقترح القانون بتعديل المواد المتعلقة بالوصية والهبة وتقسيم التركة في قانون مدونة الأسرة، لملاءمتها مع دستور 2011 الذي كرس لمبدأ المساواة بين الجنسين في جميع الحقوق ومن بينها الحقوق المدنية، والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب .

ويتضمن المقترح مجموعة من المقتضيات أهمها:

  • تعديل المادة 336 التي تنص على أنه: “إذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض أو وجد ولم تستغرق الفروض التركة، كانت التركة أو ما بقي منها للعصبة بعد أخذ ذوي الفروض فروضهم”، لتصير على الشكل التالي: “إذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض كانت التركة للعصبة”.
  •  تعديل المادة 338: التي تنص على أن: “الوارث بالتعصيب فقط، ثمانية: الابن، وابنه وإن سفل، والأخ الشقيق والأخ للأب وابنهما وإن سفل، والعم الشقيق والعم للأب وابنهما وإن سفل”، وذلك بإلغاء التعصيب عند وجود البنت، انفردت أو تعددت مع عدم وجود الابن، أو بنت الابن انفردت أو تعددت مع عدم وجود ابن الابن، وفق ما تنص عليه قاعدة “الرد”.
  • تعديل المادة 342 ضمانا للمساواة في الإرث بين الذكور والإناث من الأبناء أو الأخوة؛ وذلك بإلغاء كلمة “شرط”؛
  • –           تعديل المادة 345 بإلغاء عبارة أصحاب الثلثين أربعة: وتعويضها بعبارة “أصحاب الثلثين الذين يرثون بالفرض ويُرد عليهم باقي التركة”، وفقا لقاعدة الرد.
  • تعديل المادة 349؛ وذلك إلغاء النقطة 5 بمنع الأعمام أو أبنائهم وإن سفلوا من التعصيب عند وجود أصحاب الفروض من البنات أو بنات الابن أو الأخوات، وتعميم النقطة 6 على كل الحالات التي ترث فيها البنات أو بنات الابن فرضا عند عدم وجود الأبناء الذكور أو أبناء الأبناء.
  •  

من أجل توسيع نطاق العمل بالوصية

دعا مقترح القانون أيضا الى توسيع نطاق العمل بالوصية وإعطاء صاحب المال الحق في تفعيل الوصية سواء للورثة أو غير الورثة، وإلغاء شرطي عدم صحة الوصية لوارث وعدم تجاوز الوصية لحدود الثلث، وهما الشرطان المتوقفان على إقرار باقي الورثة.

وقدمت التنسيقية نموذجا للوصية مع دعوتها إلى التفكير في إحداث قاعدة معطيات رقمية وطنية لحفظ وثائق وصايا تقسيم تركة المواطنات والمواطنين، على غرار مصالح المحافظة العقارية، وربطها بتسليم شهادة الوفاة، حيث تسلم الوصية مع شهادة الوفاة وتسهر مصلحة اجتماعية تابعة لمحكمة الأسرة على التقسيم الفعلي للتركة، موردة أنه في حالة غياب الوصية يتم تقسيم التركة حسب مقتضيات قانون مدونة الأسرة.

وأوصت بجواز تقسيم صاحب الملك للتركة بين ورثته في إطار الوصية والهبة والصدقة، واعتماد الوصية قاعدة تقسيم الإرث بالمساواة بين الجنسين.

قراءة في مقترح قانون لإقرار المساواة في الإرث وتوسيع نطاق الوصية

يعتبر أول مقترح قانون من نوعه يقدم في المغرب حول المساواة في الإرث، حيث يلاحظ أن هذا المطلب أضحى حاضرا وبقوة في مذكرات الجمعيات النسائية وعدد من الجمعيات الحقوقية، خاصة بعد اطلاق نداء إلغاء التعصيب، لكن الجديد في مبادرة تنسيقية المناصفة هو كونها لجأت إلى إعداد مقترح قانون عوض الاكتفاء بصياغة هذا المطلب في شكل مذكرة ترافعية، وهو تطور في عمل المنظمات والتنسيقيات غير الحكومية.

من حيث المضامين ركز مقترح القانون على عدة مستويات:

  • الأول: يتعلق برفع القيود القانونية المفروضة على الوصية، وإعطاء صاحب المال صلاحية توزيع تركته قيد حياته، مح حثه على احترام مبدأ المساواة بين الجنسين في تحديد الأنصبة؛
  • والثاني: هو توسيع سلطات صاحب المال قيد حياته في اجراء التصرفات القانونية التي تهم تركته بإمكانية اللجوء الى الهبات والصدقات من دون إمكانية تعريض هذه التصرفات للإبطال بعد الوفاة؛
  • والثالث، يتعلق بمراجعة موضوع الإرث من خلال الغاء التعصيب في حالة عدم وجود أبناء ذكور للمتوفى، وعدم وجود وصية منه، وذلك بحصر توزيع تركته على بناته، دون توزيع الباقي على أقرب أقاربه من الذكور، وهو ما يعني توسيع قاعدة الرد، لفائدة البنات وإلغاء قاعدة التعصيب في حالة عدم وجود أبناء ذكور، وهنا يلتقي المقترح مع ما أقرته تعديلات مجلة الأحوال الشخصية التونسية بخصوص قانون الرد[1]؛
  • والرابع هو إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الأنصبة.

والملاحظ من خلال مقترح القانون أنه وسع من مبدأ سلطان الإرادة حيث أجاز لصاحب المال إجراء ما يشاء من تصرفات في حياته سواء باللجوء الى الوصية أو الهبة أو الصدقة، وتحصين هذه التصرفات من إمكانية الطعن فيها بعد الوفاة، وبالرغم من أهمية هذا المقترح إلا أنه يطرح مخاوف من إمكانية استغلال مبدأ سلطان الإرادة في حرمان الإناث من نصيبهم في الإرث[2]، نظرا لاستمرار الذهنيات الذكورية، علما بأن الأعراف الموجودة في عدد من المناطق بالمغرب ما تزال تشكّل عقبات أمام النساء في الوصول الى ملكية الأراضي، وكان حريا بمقترح القانون التنصيص على ضرورة احترام المساواة بين الجنسين في الوصية وعدم استعمالها لحرمان الإناث من الميراث؛

من جهة ثانية أقر مقترح القانون مبدأ المساواة بين الجنسين في الأنصبة، أي بين الأبناء والاخوة والأبوين والزوجين، ملغيا بذلك قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين. لكنه لم يتطرق لحالات الإرث الأخرى الموجودة في مدونة الأسرة والتي يرث فيها بعض أصناف الورثة الذكور مثل الأعمال وأبناء الأخ، ولا يرث من يماثلهم من الإناث، أي العمات وبنات الأخ، لكونهن يصنفن ضمن ذوات الأرحام، وكان حريا بمقترح القانون أن يشمل هذا الصنف من الورثة بنصّ خاص حمايةً لحقهم في الإرث وإلغاء للتمييز الموجود ضدهم.

من جهة ثالثة تميز مقترح القانون الجديد بتنصيصه على إجراءات مسطرية من أجل ضمان الفعلية والنجاعة للنصوص المقترحة من خلال اعتماد نموذج للوصية وتعيين المصالح المختصة بتوثيقها وحفظها والسهر على تقسيمها.

من جهة رابعة لم يكتفِ المقترح بالجانب القانوني وإنما اهتم أيضا بتطوير العقليات ومحاربة الصور النمطية السائدة حيث دعا في مذكرته التقديمية إلى ضرورة تحديث المناهج التعليمية وتطويرها، بما يسهم في خلق جيل مؤمن بمبادئ المساواة وحقوق الإنسان ومنفتح على المتغيرات العلمية والتكنولوجية في العالم.

مبادرة تعديل مقتضيات الإرث خطوة في مسار ما يزال غامضا

مند 30 من يوليوز 2022 تاريخ إطلاق المبادرة الملكية بتعديل مدونة الأسرة، ما يزال المسار التشريعي غامضا، في مجال ظلّ وإلى وقت قريب محفوظا للمؤسسة الملكية ضمن ما يعرف بإمارة المؤمنين؛

وبعدما كان من المفروض أن طابع التقديس رفع عن بنود مدوّنة الأسرة مند سنة 2004 حينما عرضت على أنظار البرلمان لمناقشتها والتصويت عليها لأول مرة، فضلا عن أن دستور 2011 اعتبر قانون الأسرة ضمن مجال القانون المحفوظ للبرلمان والمتعلق بالحقوق والحريات، ما تزال الحكومة وكذا المؤسسة التشريعية في حالة تردد وترقب لطريقة بلورة التعديلات المقترحة.

ويلاحظ في السياق المغربي أن المبادرات الملكية بتعديل القوانين الخلافية تأخذ عدة أشكال من قبيل اللجوء الى :

  • لجنة موسعة تضم تركيبة متنوعة بين العلماء (رجال الدين)، وأطياف من الحقوقيين والأكاديميين، وهي الطريقة التي اعتمدت ما يسن 1999 و2003 لاعداد مشروع مدونة الأسرة؛
  • لجنة قطاعية ومؤسساتية تتكون من القطاعات الحكومية ومن المؤسسات ذات الصلة بالموضوع، من أجل إجراء المشاورات وتجميع المقترحات، وهي الطريقة التي اعتمدت سنة 2016 في معالجة موضوع الإجهاض، حيث شكلت لجنة ملكية تضم وزراء الصحة والعدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان؛
  • تفعيل الآلية التشريعية وخاصة من خلال مشاريع القوانين التي تعدها الحكومة، مثل مشروع تعديل القانون الجنائي.

كما يمكن تفعيل المؤسسات الدستورية وخاصة المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والذي ما يزال معطلا رغم صدور قانونه.

وفي هذا الصدد تقول سميرة موحيا رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء هناك ضبابية تلف موضوع تعديل مدونة الأسرة، فرغم أن الجمعيات النسائية أطلقت عدة مبادرات ومن آخرها الإعلان عن تنسيقية بين كل الجمعيات الحداثية,  إلا أن السؤال يطرح من هو المخاطب، ولمن سنرفع المذكرات والمقترحات هل للديوان الملكي أو وزارة العدل أم للأحزاب أم جهة أخرى؟

من جهتها، قالت ليلى أميلي، رئيسة جمعية أيادي حرة: “نريد مخاطبا وأن يفتح نقاشا جدّيا في ما يتعلق بالمدونة، وهو ما سبق أن طالبنا به وزير العدل، فاليوم لا وجود لاقتراحات عملية، ولا وجود لمخاطب فيما يرتبط بهذا الورش الكبير، كل ما هو موجود مجرد شذرات غير واضحة، خاصة فيما يهم المواضيع التي تطرح على طاولة النقاش والمواضيع الشائكة مثل: الحضانة وتزويج القاصرات والبنوة والوصاية، …فعلا إن النقاش مفتوح  لكن دون أجوبة. لذا، نريد مخاطبا”.

للاطلاع على اقتراح القانون كاملا اضغطوا هنا

مواضيع ذات صلة

مقترح قانون المساواة بين الجنسين في الارث في تونس: فكرة ولدت لتموت

تعديل قانون الارث لغير المحمديين: “المساواة” كما تفهمها الشعبوية و… الطوائف

المغرب يفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة بعد 18 سنة من صدورها

مكانة الشريعة الإسلامية في تشريعات المغرب في ظل الدستور الجديد: استيعاب التناقضات في إطار التوافق وتحكيم “أمير المؤمنين

أي دروس لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في المغرب؟ إصلاح نظام الميراث نموذجا

نداء لإلغاء التعصيب في الإرث بالمغرب: وحدة لدى اليساريين و”فُرقة” بين الإسلاميين

تجريم الحرمان من الميراث: هل يكفل للنساء في صعيد مصر حقهن؟

لا حجر على زواج التونسية بغير مسلم: حدث هامّ يتوّج نضال المرأة

هل يقبل القانون التونسي بالزواج عند اختلاف الدين؟

مجلس الأمة يقر مشروع قانون لمجالس الطوائف المسيحية في الأردن: إصلاحات واعتراضات


[1] سبق أن صدر ظهير سنة 1962 بالمغرب يقر بإمكانية الرد في حالة وجود أصحاب الفرض دون عصبة، فعوض أن ينتقل الإرث الى خزينة الدولة، تنازلت عنه لفائدة أصحاب الفروض، وخلال اعداد مدونة الأسرة طرح مقترح لتمديد نطاق الرد ليشمل باقي حالات وجود العصبة، وانعدام الأبناء الذكور، على غرار موقف القانون التونسي، وذلك أثناء مناقشة كتاب الإرث، إلا أن أعضاء اللجنة رفضوا المقترح.

أنظر لمزيد من التفاصيل:

-ادريس الضحاك: الأعمال التحضيرية لمدونة الأسرة، ص 858.

[2] رغم أن مقترح القانون نص على وجوب مراعاة المساواة والعدل بين الاناث والذكور عند كتابة الوصية، إلا أنه لم يرتب جزاء على عدم احترام هذا المبدأ، بحيث يبدو وكأنه مجرد واجب أخلاقي لا يرتب أثرا قانونيا، خاصة وأن مقترح القانون اتجه الى تحصين الوصية من إمكانية الطعن فيها بعد الوفاة.

انشر المقال



متوفر من خلال:

جندر ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية