تغييب النساء القاضيات عن مناصب المسؤولية بالمغرب: إشكالية السقف الزجاجي


2020-03-08    |   

تغييب النساء القاضيات عن مناصب المسؤولية بالمغرب: إشكالية السقف الزجاجي

يحيل مفهوم «السقف الزجاجي للمرأة» بشكل عام إلى الحواجز الشفافة غير المرئية التي تحول بين النساء والوصول إلى منصب معين في مكان العمل، وهي ظاهرة عالمية تعاني منها المرأة في جميع الأقطار وعلى مختلف المستويات وإن بشكل متفاوت من بلد إلى آخر.

ويعدّ القضاء بالمغرب مجالا خصبا يظهر من خلاله هذا السقف الزجاجي الذي يحول دون وصول النساء القاضيات إلى مواقع المسؤولية. فرغم أن المرأة المغربية كانت سباقة إقليميا، لتبوؤ كرسي القضاء مند سنة 1961، إلا أن ذلك لم يشفع لها بأن تصل بسهولة إلى مواقع صنع القرار سواء على مستوى رئاسة المحاكم أو النيابات العامة، أو حتى على مستوى عضوية المجلس الأعلى للقضاء.

 

تأنيث قطاع العدل بالمغرب حضور متزايد داخل الجسم لا ينعكس على مراكز صنع القرار

أول ملاحظة يمكن إبداؤها بهذا الخصوص تتجلى في كون قطاع العدل يعتبر من بين أهم القطاعات التي حقق فيها المغرب المناصفة، حيث وصل عدد موظفي قطاع العدل إلى 18.849 موظفا، تمثل منه النساء نسبة 49.4%.

إلا أن الحضور القوي للنساء كموظفات داخل قطاع العدل لا ينعكس على مراكز المسؤولية، حيث لا تتجاوز نسبة النساء في مراكز صنع القرار 13.1%، مسجلا بذلك ارتفاعا طفيفا  ب 1.1%، مقارنة مع سنة 2016[1].

أما بالنسبة للنساء القاضيات فإن عددهن يبلغ 1034 قاضية، من اجمالي 4229 قاض وقاضية يكونون الجسم القضائي، وهو ما يقارب ربع القضاة.

ويبلغ عدد قضاة النيابة العامة 997 قاضية وقاض، منهم 159 قاضية، بنسبة 16% من قضاة النيابة العامة[2].

أما نسبة القاضيات اللواتي يوجدن في مراكز صنع القرار فلا تتعدى 5.4% سنة 2017، بانخفاض بلغ 0.8 نقطة مقارنة مع سنة 2016.

 

نداء من أجل المناصفة

عملت الحركة النسائية منذ السنوات الأولى لتأسيسها على جعل مسألة تمثيلية النساء في مراكز المسؤولية والمؤسسات المنتخبة المحلية والجهوية والوطنية قضية جوهرية إلى جانب قضايا أخرى مثل مدونة الأسرة ومناهضة العنف والقانون الجنائي وقانون الجنسية، وقانون الشغل. لكنها لم تلتفت إلى غياب النساء القاضيات عن مراكز صنع القرار إلا في وقت متأخر، ربما بسبب غياب القضاة عموما عن المشهد العام وعدم انفتاحهم على العمل الجمعوي. وفي هذا السياق سجلت مبادرة فريدة سنة 2010 قامت بها 06 جمعيات نسائية حينما وجهت نداء للقضاة من أجل المناصفة[3] وناشدتهم باستحضار تمثيلية النساء في مواقع القرار، كرهان أساسي للتنمية والتنوع، والتصويت لفائدة القاضيات في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء، لتكون تمثيلية النساء داخله وازنة.

 

اعتماد الكوتا والسعي نحو المناصفة  

بعد فشل النساء في الوصول إلى المجلس الأعلى للقضاء في انتخابات 2010 تبين جليا ضرورة إقرار تدابير التمييز الايجابي لضمان تمثيلية منصفة للنساء. وكان صدور دستور 2011 مناسبة لاعتماد "الكوتا" ضمن انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو المجلس الذي عرف مراجعة جذرية بتوسيع تشكيلته، وانفتاحه على شخصيات غير قضائية، مع ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي. وهو ما مكن المرأة القاضية ولأول مرة من الظفر بعضوية المجلس حيث انتخبت قاضيتان عن المحاكم الابتدائية، وقاضية عن محاكم الاستئناف.

 

دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تحقيق السعي نحو المناصفة

تضمن القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مقتضيات جديدة تكرس "السعي نحو المناصفة" داخل الجسم القضائي، وأهمها ما نصت عليه المادة 65 من أن المجلس "يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ومن أجل ذلك يقوم بتدبير وضعيتهم المهنية وفق مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية والحياد والسعي نحو المناصفة".

عمليا، ورغم فتح باب التباري على مجموعة من مناصب المسؤولية القضائية داخل المحاكم، ظل وصول النساء لها على العموم "محتشما"، وهو ما يبدو من خلال هذه المعطيات:

  • أفرزت نتائج تعيينات الدورة الاستثنائية لسنة 2017 عن تعيين 19 مسؤولا، بينهم ثلاث قاضيات[4].

  • أما نتائج تعيينات الدورة الأولى لسنة 2018 فأفرزت تعيين 20 مسؤولا، بينهم امرأة واحدة عينت كرئيسة محكمة ابتدائية [5].

  • وبخصوص نتائج الدورة العادية لسنة 2019 فقد تم تعيين 32 مسؤولا قضائيا، بينهم قاضيتين فقط[6].

  • غالبية المناصب التي أسندت لنساء قاضيات تتعلق بالنيابة العامة في محاكم تجارية، ومعلوم أن دور النيابة العامة في هذا النوع من المحاكم يبقى شكليا، وهو ما جعل مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد يذهب إلى إلغاء هذا المنصب والاكتفاء بتعيين نائب للمسؤول القضائي لمباشرة مهام النيابة العامة في المحاكم التجارية. ولعل هذه التعيينات رسخت التمثلات السائدة داخل المشهد القضائي من اعتبار مساهمة النساء القاضيات غير مؤثرة.

ومن بين الأسباب التي يمكن أن تبرر ضعف وصول النساء القاضيات إلى مراكز صنع القرار:

– اعتقاد بكون النساء القاضيات لا يرغبن في تبوؤ مناصب المسؤولية، لصعوبة التوفيق بين التزاماتهن العائلية وجسامة هذه المهمة التي تستوجب توفير وقت ومجهود أكبر، وأحيانا الانتقال من مكان لآخر؛

– الإبقاء على طريقتين لتعيين المسؤولين القضائيين، بالتباري أو بدون تبارٍ؛ وعدم نشر نتائج المقابلات التي تم إجراؤها، حتى يتمكن المهتمون من معرفة طبيعة التعيينات، وما إذا تمت عن طريق التباري أو التعيين المباشر؛

– وضع شروط تقصي عمليا النساء من الوصول إلى مراكز صنع القرار من قبيل اشتراط مدة معينة في مزاولة بعض المهام، كمهمة قاضي التوثيق مثلا؛

– عدم اشتراط المجلس على المسؤولين القضائيين احترام مقاربة النوع الاجتماعي في اقتراح النساء لبعض المهام كنواب المسؤولين القضائيين، فإذا لم تتمكن النساء القاضيات من ممارسة مهام النيابة عن المسؤول القضائي، لن تكتسب التجربة اللازمة للقيام بمهمة المسؤولية، علما بأن المجلس اشترط شروطا أخرى للقيام ببعض المهام لم ينص عليها القانون[7].

أخيرا تبقى إشكالية وصول النساء القاضيات الى مراكز صنع القرار بالمغرب ظاهرة تستحق دراسة أعمق، لمعرفة الأسباب الكامنة وراء هذا "السقف الزجاجي"، وهو ما يستوجب توفير احصائيات مفصلة تدمج بعد النوع الاجتماعي، ونشرها ضمن التقرير السنوي الذي يصدره المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في إطار تجسيد التزامه كمؤسسة دستورية بتعميم المنظور الجنساني في طريقة أشغاله[8].

 

مواضيع ذات صلة:

تجربة المرأة القاضية بالمغرب

تحديات تواجه تجربة المرأة القاضية بالمغرب

فتح باب الترشيح لمهمة قاضي التوثيق بالخارج وإقصاء للمرأة القاضية

القضاء بصيغة المؤنث حوار مع رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات 

قراءة في نتائج المجلس الاعلى للسلطة القضائية بالمغرب (2) المسؤوليات القضائية

قاضيات المغرب يطالبن بالمناصفة

نادي قضاة المغرب يعلن عن فتح باب الترشح للفوز بجائزة المرأة القاضية

المجلس الأعلى للسلطة القضائية يقصي المرأة القاضية من منصب قاضي التوثيق

ملاحظات على أشغال مجلس السلطة القضائية في المغرب: تعيين 28 مسؤولا قضائيا من الذكور مقابل 2 من الإناث فقط

 على خطى قاضيات المغرب.. التونسيات يؤسسن جمعية للقاضيات

جمعية القاضيات التونسيات: إثراء للمشهد القضائي بخطى مضطربة

القاضية التونسية تشارف التناصف في أفق 2021: وللمرة الأولى، رئيسة لمحكمة استئناف تونس

القاضيات أصبحن غالبية في القضاء في نهاية 2019

القضاة نساء في غالبيتهم قبل ختام 2019: لكن أي تمييز في توزيع المراكز القضائية؟

من يخاف من أكثرية نسائية في القضاء اللبناني؟

الفضاء القضائي من وجهة نظر القاضيات في لبنان

المرأة في القضاء المصري: خطوات محدودة لا تصنع ربيعاً

دعوى لإعلان عدم دستورية تولي المرأة القضاء في ليبيا: تطهير القضاء من إناثه

الخشية من "تأنيث القضاء"

 

 


[1]– احصائيات وردت في تقرير النوع الاجتماعي المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2019، وزارة المالية.

[2]– احصائيات وردت في التقرير الأول لرئاسة النيابة العامة، ص 30.

[3]– وقع البيان الدار بالبيضاء بتاريخ 26 أكتوبر 2010 من طرف الجمعيات التالية: الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد النساء، الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، اتحاد العمل النسائي، جمعية الانطلاقة النسائية.

[4]– أعلنت نتائج الدورة الاستثنائية لسنة 2017 بتاريخ 14/05/2018.

[5]– أعلنت نتائج الدورة الأولى لسنة 2018 بتاريخ 17 /12/ 2018.

[6]– أعلنت نتائج الدورة العادية لسنة 2019 بتاريخ 12/11/2019

[7]– من قبيل اشتراط مدة أقدمية معنية، أو اشتراط سبقية مزاولة مهام المسؤولية.

[8]– تعميم المنظور الجنساني هو مفهوم السياسة العامة المتمثلة في تقييم الاشتراكات المختلفة للمرأة والرجل في أي اجراء سياسي مخطط له، بما في ذلك التشريعات والبرامج في كافة هذة المناطق والمستويات. يتيح التعميم بشكل أساسي نهجاً تعددياً يميز قيم التنوع بين الرجال والنساء علي حد سواء، و قدم أول مقترح لمفهوم تعيمم المنظور الجنساني في عام 1985 في المؤتمر العالمي الثالث للمرأة في نيروبي بكينيا، ونشرت الفكرة في المجتمع التنموي للأمم المتحدة بينما في عام 1995 تم عرض الفكرة بشكل رسمي في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين بالصين. كما أشير اليها في الوثيقة التي نتجت عن المؤتمر والتي تعرف بمنهاج عمل بكين.

أنظر لمزيد من التفاصيل:

أنس سعدون: وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في القانون الخاص، بكلية الحقوق بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، 2016-2017.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، المغرب ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *