تطييف المراكز القضائية والإدارية مخالفة فاقعة للدستور: كي لا تتحوّل الدولة إلى إقطاعات


2020-04-06    |   

تطييف المراكز القضائية والإدارية مخالفة فاقعة للدستور: كي لا تتحوّل الدولة إلى إقطاعات

برزت مؤخرا المادة 95 من الدستور في الخطاب العام، وتحديدا بما يتّصل بمنع تخصيص أيّ مركز لأيّ طائفة. ففيما تدعو هذه المادة إلى إلغاء الكوتا الطائفية السياسية والإدارية تبعا لخطوات تحضيرية قد تمتدّ في الزمن، فإن فقرتها الثانية (ب) تؤكد وبشكل قاطع على عدم جواز تخصيص أيّ مركز لأيّ طائفة، وذلك بشكل آني ومن دون أي تأخير. وإذ برزت هذه المادة مؤخّراً في إطار التجاذبات حول التشكيلات القضائية، والتعيينات المالية والمصرفية، فإنّ من شأن النجاح في فرض تطبيقها بأمانة أن يشكل معبرا ضروريا للتحرر من المحاصصة وما يستتبعها من زبونية وفساد، وأن يمهّد لبناء دولة ديمقراطية عادلة وقادرة.

 

كيف برزت المادة 95 من الدستور مؤخرا؟

كما سبق بيانه، برزت هذه المادة في إطار التعيينات الحاصلة مؤخرا، للمرة الأولى بعد ثورة 17 تشرين، وذلك في المجالات القضائية والمالية والمصرفية.

فبالنسبة للتشكيلات القضائية، كانت "المفكرة القانونية" أول من لفتت النظر إلى وجوب التزامها بأحكام الدستور وتحديدا المادة 95 فقرة ب منه، وذلك قبل إعلان مجلس القضاء الأعلى عن مشروع هذه التشكيلات وعادت لتستهجن إخلال المشروع المعلن عنه لاحقا بهذه المادة، وفق ما ورد صراحة في أسبابه الموجبة والتصريحات الإعلامية المنسوبة لرئيسه سهيل عبود. وتعود حساسيّة المفكرة لهذه المسألة إلى النتائج التي كانت توصّلت إليها في دراسة الاعتبارات الطائفية في مشاريع التشكيلات السابقة، والتي أثبتت أن تطييف المراكز القضائية هو المدخل الأساسي لتحويلها من مراكز عدالة إلى مراكز نفوذ. وخير دليل على ذلك هو أن غالبية المراكز الهامة المخصصة لطائفة معينة تقع في مناطق نفوذ زعيم هذه الطائفة، وليس في مناطق أخرى.

وإذ عادت وتبنّت وزيرة العدل ماري كلود نجم ضرورة الإلتزام بهذه المادة في ملاحظاتها التي وجهتها لمجلس القضاء الأعلى، بما يشكل الموقف الرسمي الأول من نوعه في الإطار القضائي، فإن مجلس القضاء الأعلى أعاد إلى وزارة العدل مشروع التشكيلات من دون تعديل. ورغم أنه لم يتسنَّ لنا الإطلاع على تبرير المجلس لردّه للملاحظات، عزت بعض الصحف إلى بعض أعضائه قولهم بأن مطلب الإلتزام بالمادة 95 يدخل في إطار المثاليات غير الواقعيّة والعصية على التطبيق. ولا يعرف حتى اللحظة ما سيكون عليه موقف وزيرة العدل: فهل ستوقّع مشروع التشكيلات رغم أنه مشوب بمخالفات دستورية فاقعة على اعتبار أن صلاحيتها باتت مقيدة سنداً للمادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي، أم ستردّه على أساس أن الدستور يبقى القاعدة الأسمى وأنه لا يجوز لها التوقيع على مشروع مشوب بمخالفات دستورية فاقعة وفق تصريحها بالذات، وإن كانت صلاحيتها مقيدة لجهة مدى ملاءمة التسميات التي يتضمنها؟ ففيما من المسلم به أن الصلاحية المقيدة تمنعها في هذه المرحلة من مناقشة الأسماء،ـ فإن امكانية رفض التوقيع على أساس عدم دستورية المشروع الفاقعة تبقى مسألة قانونية ودستورية مفتوحة للنقاش[1]. لكن، في مطلق الأحوال، وأيا يكن موقفها النهائي في هذا المضمار، يبقى ثابتا أن مشروع التشكيلات غير دستوري، وأنه بإمكان كل ذي مصلحة الطعن فيه في حال صدوره لتعارضه مع القاعدة الأسمى واجبة التطبيق (المادة 95 ففقرة ب من الدستور).

أما بالنسبة للتعيينات المالية والمصرفية الهادفة إلى ملء 13 مركزا (أبرزها أعضاء المكتب المركزي لمصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمدير العام لوزارة الاقتصاد)، فإنّه بدا كأنّما ثمة تطبيعاً مع تطييف هذه المراكز، حيث تناولت الصحف المرشحين عن كل طائفة للمفاضلة فيما بينهم، من دون أي إشارة إلى عدم دستورية هذا التوجه. ولم يخرج عن شمولية هذا الخطاب إلا البيان الصادر عن منظمات ثلاث هي كلنا إرادة والمفكرة القانونية والجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين والذي ذكر بما تقتضيه المادة 95 من الدستور من معايير وضوابط، ولا سيما لجهة عدم جواز تخصيص أي مركز لطائفة بعينها.

 

لماذا يشكل تطبيق المادة 95 معبرا ضروريا للإصلاح الإداري والمالي؟

في هذا الصدد، سنستعرض أبرز المخاطر الناجمة عن تطييف المراكز القضائية والإدارية خلافا للمادة 95 من الدستور، وذلك تحسيسا لأهمية التصدي لهذه المخالفة. فالمسألة المطروحة هنا ليست ترفا فكريا ولا طهرانية في التمسك بالمبادئ والقواعد الدستورية، بل هي شرط أساسي لوقف تفتيت الدولة وتحويلها إلى مجموعة من الإقطاعات. ومن أبرز هذه المخاطر، الآتية:

 

  • الخطر الأول: تغليب الإنتماء الطائفي على الكفاءة

أول المخاطر الناجمة عن تطييف المراكز، تغليب الإنتماء الطائفي على الكفاءة، وبوجه خاص في المراكز التي تقتضي توفّر خبرات أو اختصاصات معمّقة ونادرة. ولعلّ أبرز الشواهد على ذلك هو رئاسة الغرفة التجارية لدى محكمة التمييز والتي تقتضي أن يتوفّر لدى رئيسها معرفة واسعة في القانون التجاري، على نحو يسمح لها بتوحيد الاجتهاد وأقلمته مع التطورات الاجتماعية والتقنية المتسارعة. إلا أنه ولسبب ما، ونتيجة تطييف رئاسات غرف التمييز، خرجت رئاسة هذه الغرفة من حصة الطائفة الدرزية إلى درجة باتت تسمى: "الغرفة الدرزية". وعليه، تحتّم في السنوات الأخيرة وفي كل مرة شغرت فيها هذه الرئاسة، تعيين قاضٍ درزي فيها، مع حرمان أي من القضاة من الطوائف الأخرى من إمكانية تبوئها مهما عمّق خبرته ومعارفه في هذا المجال. وغالبا ما انتهت التشكيلات (تماما كما حصل في مشروع التشكيلات الذي هو موضوع التجاذب الآن) إلى تعيين قاضٍ درزيّ في هذا المركز، ليس له أي خبرة في مجال القانون التجاري. وكأنما أدّت مخالفة قاعدة عدم تطييف المراكز بشكل مباشر إلى حرمان النظام القضائي برمته من إمكانية توحيد أو تطوير قواعد القانون التجاري، فضلا عن وضع سقف لطموحات أيّ قاض من الطوائف الأخرى. وعليه، إذا كنت كاثوليكيا، فسقف طموحك أن تترأس غرفة تمييز جزائية، حتى ولو كان اختصاصك القانون المدني. وإذا كنت أرثوذكسيا، فسقف طموحك أن تترأس غرفة تمييز مدنية، حتى ولو كان اختصاصك القانون الجزائي. وهكذا جرّا من أمثلة ما برحت تنسحب على درجات القضاء كافة.

 

  • الخطر الثاني: التعيينات في الكواليس بمنأى عن أي شفافية

الخطر الثاني الناجم عن تطييف المراكز يتمثل في الحؤول دون اعتماد آليات الشفافية، كأن يدعى الأشخاص الذين تتوفر فيهم مواصفات معينة إلى تقديم ترشيحاتهم وإلى مناظرات علنية، طالما أنه لا يعقل تخصيص طائفة واحدة بدعوات مماثلة لتعارضه الكلي مع منطق الدولة. وبذلك، تؤدي الباطنية المعتمدة في هذا المجال (أي الإلتزام بتعيين أشخاص من طائفة معينة من دون المجاهرة أقله في الخطاب الرسمي بذلك) إلى استبعاد الممارسات الجيدة وتاليا إلى حصر التعيينات في الكواليس. وعليه، وبدل فتح باب الترشيحات للمراكز القضائية ودعوة المرشحين إلى مناظرات، اكتفى مجلس القضاء الأعلى بالاستماع إلى قائمة أشخاص استنسب أعضاؤه وضعها بالنسبة إلى كل مركز. فاستمع لمن أراد وحجب الاستماع عمن أراد.

الأمر نفسه حصل بشأن التعيينات في المجالين المالي والمصرفي حيث وضعت القوى السياسية المشاركة في الحكومة قوائمها من دون فتح باب الترشيح لمن يرغب. 

 

  • الخطر الثالث: تسميات بالمحاصصة

الخطر الثالث وهو الأكثر بداهة، يتمثل في إعطاء القوى السياسيّة الوازنة في كلّ طائفة أحقيّة حسم الترشيحات للمراكز المخصصة لها. وطبعا، وفي حال تعدّد القوى الوازنة ضمن طائفة معينة، فإنه يتعيّن عليها الاتفاق على الحصة العائدة لكل منها ضمن الحصّة الإجماليّة لهذه الطائفة. وهذا ما يفسّر النقاش المحتدم بين التيار الوطني الحر وتيار المردة في خصوص المراكز المخصصة تقليديا للمسيحيين من ضمن التعيينات المالية والمصرفية. والخطير في هذا الأمر وفق ما أشارت إليه وزيرة العدل نجم في تصريحها المتلفز على قناة LBC بتاريخ 2 نيسان 2020 أن هذه القوى تتصرّف عند طرح الترشيحات على المراكز المخصصة لطوائفها أن لها وحدها حق المناقشة والحسم بين المرشحين المنتمين لطائفتها، من دون أن يكون لأي منها حق إبداء أي ملاحظة أو إجراء أي مفاضلة في هذا الخصوص.

وعليه، وبدل أن تؤدي الشراكة في الحكم إلى فرض معايير موضوعية في التعيينات وفق آليات شفافة، فإننا انتهيا إلى تعيين محسوبين على هذا الفريق أو ذاك وفق قاعدة المحاصصة. ومن شأن هذا الأمر أن ينعكس سلبا على حيادية الدولة برمتها ووحدتها.

 

  • الخطر الرابع: تغييب مبدأ المداورة

الخطر الرابع لتطييف المراكز يتمثل في تحويلها إلى إمارات دائمة تتحكم بها القوى السياسية المخوّلة ملأها والتي تكون هي نفسها عند كل شغور أو تبديل في هذا المركز. وبفعل ذلك، يتمّ عمليا إقصاء مبدأ المداورة على هذه المراكز وإن تمّ تغيير الأشخاص الذين يشغلونها، على ضوء ارتباطها بالقوة السياسية نفسها. ومن شأن ذلك بالطبع أن يضفي نوعا من الإطمئنان غير المشروع لدى شاغلي هذه المراكز والقوى الداعمة لهم إزاء غياب المساءلة وأن يمهّد لكمّ إضافي من المخالفات الجسيمة المتمثلة في استغلال النفوذ.

 

  • الخطر الخامس: تحويل المسؤوليات العامة إلى امتيازات

أنه تبعا لما تقدم، غالباً ما يؤدي تطييف المراكز إلى تفتيت الدولة إلى مراكز نفوذ أو سلطة. ومن شأن ذلك أن يدفع شاغلي هذه المراكز إلى تغليب مصالح القوى السياسية المخولة ملأها على المصلحة العامة وإلى تمثيل توجهاتها واستعداداتها في مختلف أعمالهم، مع ما يستتبع ذلك من إشكالات جسيمة في إدارة الشؤون العامة أو عمل الهيئات القضائية. وقد بدت في هذا السياق التشكيلات القضائية الحاصلة في سنة 2017 (وقد أسمتها "المفكرة" تشكيلات الأحزاب الثلاثة) وكأنها أداة لتوفير مفاتيح انتخابية للقوى السياسية التي تحاصصت مراكزها الأساسية، في الانتخابات التشريعية في أيار 2018.

ومن شأن هذا الأمر أن يحوّل أيّ ارتباط أو تداخل بين وظائف هذه المراكز إلى مشروع مساومات وتعطيل وفيتوات متبادلة، وأن يحوّل في الآن نفسه أيّ تنازع على الصلاحيات إلى تنازع سياسي تحكمه توازنات القوى، أكثر مما تحكمه حسن إدارة الشؤون العامة وما ترشح عنه من مصالح عامة. وهذا ما نشهده حاليا لجهة التضارب الحاصل بين مختلف الأجهزة الأمنية والنيابات العامة.

 

ومن البيّن تاليا أن مخالفة هذه القاعدة الدستورية إنما يشكل المدخل الأساسي والضمانة الأساسية لنفاذ وفعالية آلية المحاصصة، وتاليا لاستكمال تحويل الدولة إلى مجموعة من الإقطاعات. بالمقابل، يصبح من البديهي اعتبار الإلتزام بها معبرا ضروريا في أي إصلاح قضائي أو إداري، وشرطا لبناء الدولة الديمقراطية العادلة والقادرة.

 

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Judicial Appointments: Preventing the Lebanese State’s Disintegration into Fiefdoms

 

 


[1]  من السوابق البارزة في هذا الإطار، رفض رئيس الحكومة السابق سليم الحص التوقيع على مرسوم تنفيذ لعقوبة إعدام على اعتبار أنها تخالف حرية معتقده الأساسية وهي حرية دستورية. وقد حصل ذلك في 1999.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *