تأجيل الانتخابات الفرعية بحجة الطوارئ خرق للدستور


2020-09-11    |   

تأجيل الانتخابات الفرعية بحجة الطوارئ خرق للدستور

في تطوّر لافت، وجه أمين عام مجلس الوزراء محمود مكّية كتابا إلى وزارة الداخلية بتاريخ 10 أيلول 2020 معلما إياها أن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء أعطيا الموافقة الاستثنائية لتأجيل الانتخابات الفرعية التي كانت يجب أن تحصل نتيجة شغور مقاعد في مجلس النواب بسبب الاستقالة التي تقدم بها ثمانية نواب عقب جريمة انفجار مرفأ بيروت واعتبرت نافذة في 13 آب 2020.

وتفرض المادة 41 من الدستور في حال شغور مقعد نيابي إجراء انتخابات فرعية من أجل انتخاب الخلف خلال شهرين. ومن المعلوم أن المادة 43 من قانون الانتخابات الصادر في 17 حزيران 2017 تنص على أن الدعوة للانتخابات الفرعية تتمّ بمرسوم عاديّ على أن تكون المهلة بين تاريخ نشر المرسوم واجتماع الهيئات الناخبة ثلاثين يوما على الأقل. أي أن مرسوم الدعوة كان يجب أن يصدر وينشر قبل 13 أيلول كون الانتخابات يجب أن تتم كحد أقصى في 13 تشرين الأول عملا بالمهلة التي حددتها المادة 41 من الدستور.

وبالفعل استند كتاب أمين عام مجلس الوزراء إلى تبريرات متنوعة من أجل تأجيل الانتخابات أهمها رأي هيئة التشريع والاستشارات الصادر في 2/9/2020 والذي اعتبر أن إعلان حالة الطوارئ في بيروت قد يعطل اجراء العملية الانتخابية “في حال اضطرت السلطة العسكرية لسبب أو لآخر أن تمنع تجول الأشخاص والسيارات في اليوم المحدد لإجرائها”. لذلك كان لا بد من تفنيد هذه الحجج التي استند عليها رئيسا الجمهورية والحكومة من أجل تعطيل نص دستوري صريح لا يقبل التأويل وذلك عبر استعراض النقاط التالية التي نحصرها بموضوع اعلان الطوارئ:

  • يدعي كتاب أمين عام مجلس الوزراء أن تمديد حالة الطوارئ تم بمرسوم صدر في مجلس الوزراء وهذا غير دقيق كون المرسوم رقم 6881 تاريخ 18/8/2020 والذي قضى بتمديد اعلان الطوارئ لشهر صدر بناء على موافقة استثنائية منحها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء كون الحكومة مستقيلة. وبالتالي فان هذا المرسوم مشكوك في دستوريته ولا يمكن الركون اليه لتبرير قرار التأجيل لا سيما وأن “المفكرة القانونية” تقدمت أمام مجلس شورى الدولة بمراجعة طعن بغية إبطاله. هذا مع العلم أن إعلان حالة الطوارئ على فرض صحته ينتهي في 18/9/2020.
  • لا يميز كتاب أمين عام مجلس الوزراء بين نظرية الظروف الاستثنائية وإعلان حالة الطوارئ. فالظرف الاستثنائي الذي يسمح للإدارة باتخاذ تدابير عاجلة وضرورية مخالفة للنص القانوني هو حالة غير متوقعة تنشأ من دون أن تكون للإرادة البشرية أي دخل فيها، بينما حالة الطوارئ هي نظام قانوني تضعه السلطة المختصة موضع التنفيذ إراديا لفترة زمنية معلومة. وبالتالي، لا يمكن التذرع بإعلان حالة الطوارئ كون هذا التدبير يمكن رفعه في أي وقت من قبل السلطة ذاتها التي أعلنته، أي أن الإرادة البشرية هي التي أوجدت حالة الطوارئ بعلمها، بينما الظرف الاستثنائي مستقل عن هذه الإرادة وهو لا يعطي مفاعيله القانونية إلا بالنسبة للفترة التي يستمر فيها فعليا الظرف الاستثنائي. لذلك لا يمكن ربط إجراء الانتخابات بزوال حالة الطوارئ لأن ذلك يؤدي إلى رهن ممارسة هذا الحق الدستوري بالسلطة الاستنسابية للجهة المخولة بإعلان أو إلغاء حالة الطوارئ.
  • يزعم كتاب أمين عام مجلس الوزراء أن المادة 41 من قانون الانتخابات تفرض إجراء الانتخابات النيابية “سواء الفرعية أو غير الفرعية” في جميع الأراضي اللبنانية في يوم واحد ما يعني أن إجراء الانتخابات فقط خارج بيروت -كون إعلان الطوارئ تم فقط في هذه المدينة- يخالف المادة 41 من قانون الانتخابات ويعرض العملية الانتخابية للإبطال أمام المجلس الدستوري. إن هذا الزعم أقل ما يقال فيه أنه غير دقيق ويستند إلى مغالطات قانونية كبيرة: فالمادة 41 من قانون الانتخابات تتكلم فقط عن الانتخابات العامة بينما المادة المخصصة للانتخابات الفرعية هي المادة 43 التي لا تتكلم عن إجراء الانتخابات الفرعية في يوم واحد. وهذا أمر منطقي كون الانتخابات الفرعية تخضع للظروف التي أوجدت حالة الشغور في مجلس النواب وهي ظروف غير متوقعة بطبيعتها. وبالتالي فإنه لو سلمنا جدلا بضرورة تأجيل الانتخابات في بيروت بسبب حالة الطوارئ فإن ذلك لا يبرر اطلاقا تعطيل هذا الموجب الدستوري في المناطق الأخرى التي لا تخضع للطوارئ، وخلاف ذلك يعني أن يشمل حكم حالة الطوارئ في هذه الجزئية مناطق جديدة لم تعلن فيها الطوارئ.
  • في حال سلمنا أيضا جدلا أن الانتخابات الفرعية يجب أن تجري في يوم واحد عملا بأحكام قانون الانتخابات، فإن تأجيل الانتخابات في بيروت لا يجب أن يؤدي إلى تأجيل اجراء الانتخابات في سائر المناطق بحجة ضرورة إجرائها في يوم واحد لجميع الدوائر كون ذلك يؤدي إلى تعطيل مادة دستورية صريحة بحجة احترام مادة في قانون عادي ما يخل بمبدأ سمو الدستور. ففي حال كان تطبيق مادة قانونية في ظرف معين من شأنه تعطيل مبدأ دستوري فإن المبدأ الدستوري هو حكما الذي يتقدم على تطبيق النص القانوني العادي.
  • يشير كتاب أمين عام مجلس الوزراء إلى ملاحظات وزارة الداخلية التي اعتبرت أن معظم المدارس التي تقع في دائرة الانفجار قد تضررت وبالتالي يصبح من الصعب إجراء الانتخابات كون هذه المدارس كانت معتمدة سابقا كأقلام الاقتراع. إن هذا التبرير منطقي من الناحية القانونية وهو يظهر الفرق بين نظرية الظروف الاستثنائية وحالة الطوارئ. فتضرر أقلام الاقتراع هو ظرف استثنائي مستقل كليا عن إعلان حال الطوارئ وبالتالي في حال تبين أن تأجيل الانتخابات هو إجراء لا بد منه، فإن هذا التأجيل يكون فقط في بيروت ومحصور في الفترة الزمنية التي يفرضها الظرف الاستثنائي ولا يستمرّ طيلة فترة الطوارئ، كما ردده كتاب أمين عام مجلس الوزراء نقلا عن رأي هيئة التشريع والاستشارات.
  • يعلن كتاب أمين عام مجلس الوزراء أن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء قررا التريث بإجراء الانتخابات الفرعية إلى ما بعد 1/1/2021. إن هذا القرار هو اعتباطي بالكامل كونه لا يشرح لماذا تم التأجيل لهذه الفترة الطويلة وهو أصلا لا يحدد موعدا للانتخابات بل يعلن أنها ستتم بعد هذا التاريخ ما يعني حرمان المواطنين في هذه الدوائر الانتخابية من حقهم بالتمثيل النيابي والتعبير عن رأيهم السياسي بطريقة ديمقراطية. ويخالف هذا القرار منطق نظرية الظروف الاستثنائية إذ لا يمكن ولا يحق لأي جهة أن تتوقع استمرار تحقق الظرف الاستثنائي لفترة طويلة بينما الواجب هو اتخاذ كافة التدابير الضرورية لإزالة الظرف الاستثنائي في أسرع وقت ممكن بغية العودة إلى الإطار الدستوري السليم.

جراء ما تقدم، يتبين لنا أن إعلان حالة الطوارئ المرشحة للتمديد دائما باتت وسيلة من أجل منع المواطنين من ممارسة حرياتهم الأساسية وأن تأجيل الانتخابات الفرعية في كل لبنان انطلاقا من حالة الطوارئ هو خرق واضح للمادة 41 من الدستور وأسلوب تنتهجه السلطة السياسية من أجل إحكام سيطرتها على المجتمع ومنعه من المحاسبة.

انشر المقال

متوفر خلال:

البرلمان ، تشريعات وقوانين ، دستور وانتخابات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *