بين أحزاب السلطة والثورة (3): “براغماتية” حزبيي السلطة تسائل الثورة


2020-06-09    |   

بين أحزاب السلطة والثورة (3): “براغماتية” حزبيي السلطة تسائل الثورة

من أبرز ميزات الثورة، التعددية التي يتّسم بها المشاركون من حيث الخلفية الأيديولوجية والمقاربة وأساليب التظاهر. ومع توقّف التحركات في الشارع بفعل سياسة التباعد الاجتماعي وعودتها بشكل خجول في الآونة الأخيرة، قد تجد “قوى الثورة” متسعاً من الوقت لالتقاط أنفاسها والتفكير في الإشكاليّات المطروحة حول اختلاف الهويّات السياسية للمنتمين إليها. فكيف قاربت أو تقارب هذه القوى الأشخاص الذين شاركوا فيها أو لا يزالون، وهم على صلة بدرجة أو بأخرى بأحزاب السلطة؟ وبما لا يقلّ أهمية، ما هي أفكار هؤلاء الأشخاص ومواقفهم من الثورة؟ هذا ما تحاول “المفكرة” الإضاءة عليه من خلال عشر مقابلات مع أشخاص إمّا يعتبرون أنفسهم مؤيّدين وإمّا منتسبين إلى أحد أحزاب السلطة وشاركوا في الحراك في وقت من الأوقات في الأشهر الماضية. وفيما نشرنا مقدمة رسمنا فيها بورتريهات للأشخاص الذين قابلناهم كما نشرنا مقالة تناولنا فيها حالة القلق والإضطراب الذي عاشها هؤلاء في محضر الثورة، نناقش هنا مواقفهم النقدية حيال الثورة (المحرر).

في المقالة السابقة، كنا قد عرضنا دوافع الأشخاص الذين قابلناهم للمشاركة في الثورة وكيفية تغيّر آرائهم السياسية مع تجاربهم في الساحات. إلّا أنّ نظرتهم إلى تلك الإنتفاضة التي جذبتهم لم تكن خالية من الإنتقادات، من شعار الثورة البارز “كلّن يعني كلن”، إلى الاندفاعة “الساذجة” للثوار، مروراً بخلفية المشاركين في الإحتجاجات. ومع التدقيق في نظرة هؤلاء النقدية، ترتسم لوحة معاكسة لتلك المروّجة ضمن صفوف الثوار، والتي تقدّم مشهداً لثورة “عقلانية” مقابل الإنتماءات الحزبية “العاطفية” أو الرجعية. فاللوحة التي يرسمها الأشخاص الذين قابلناهم توليهم على العكس من ذلك دور الحكماء أصحاب الحسّ البراغماتي، فهم يجيدون بفعل خبرتهم السياسية التمييز بين ما هو ممكن قابل للتحقيق وما هو مجرّد أمنيات رومانسية. وتراهم ينتقدون وينصحون الثوار “الـطاهرين” – بمعنى السُذّج – والذين يرفعون شعارات عاطفية (كونها غير قابلة للتطبيق)، ويظنّون أنّ بإمكانهم تغيير كل شيء بكبسة زرّ. إنطلاقاً من هذه النظرة النقدية، نستكمل هنا استكشاف عالم حزبيي السلطة الذين شاركوا في الثورة.

انتقادات لشعار الثورة: ما معنى “كلّن يعني كلّن”؟

ظهر شعار “كلّن يعني كلّن” خلال حراك “طلعت ريحتكم” في صيف عام 2015 تنديداً بفشل الحكومة في إدارة أزمة النفايات في بيروت وضواحيها. وما قصدته قاعدة حراك 2015 هو أن “جميع الطبقة الحاكمة مسؤولة عمّا آلت إليه الأوضاع في لبنان[1]. وبالرغم من فائدة هذا الشعار في تظهير السلطة الحاكمة كجسم واحد على هذا الوجه، لم يتمكّن حراك 2015 آنذاك من تحقيق التفاف عامّ حوله، حتى بين المشاركين فيه[2]. ولكن منذ ليلتها الأولى، أعادت ثورة 2019 رفع شعار “كلّن يعني كلّن” في كل المناطق، ليصبح شبه مرادف للإنفجار الشعبي. وعلى عكس حراك 2015، تمكّنت الثورة من تصوير الصراع إذ ذاك على أنه بين الشعب في مختلف فئاته (كل الشعب) والسلطة (كل السلطة). أمام نجاح هذا الشعار وقوته، انكفأ العديد من شركاء الحكم إلى مواقف دفاعية، قوامها الإحتجاج على التعميم الذي وصفوه بالظالم والسعي إلى تنزيه أنفسهم من شمولية هذا الشعار[3]. وكيف تصالحوا إلى حدّ ما معه عبر تفسيرات بديلة قدّموها له خصوصاً أنّهم شاركوا في الثورة؟

بين الشعار وحزبيي السلطة: إشكاليات تفرض تفسيراً بديلاً

بهتافهم “كلّن يعني كلّن” في شوارع وساحات لبنان، طالب الثوار بإسقاط نظام المحاصصة الزبائني الفاسد، أو بكلمات كارل الذي يؤيد التيار الوطني الحرّ، قصدت الثورة أنّ “كلّكن سرقتوا، كلّكن فلّوا على بيوتكن بدنا طبقة جديدة”. في الاتجاه نفسه، ذهب سايد في تفسير هذا الشعار وصولاً إلى ترك حزبه “تيار المردة” عملاً بمضمونه: “بس بدي قول “كلّن يعني كلّن” يا بدّي إعنيها يا ما بقولها”، ما يعني أنه ليس هناك مجال لشخص منتسب إلى أحد أحزاب السلطة أن يؤمن بالشعار وهو لا يزال منتسباً إليه.

وفي هذا السياق، أظهرت المقابلات أن العديد من الذين استمعنا إليهم استخدموا هذا الشعار بشكل ملتبس وانتقائي، تحديداً لجهة شمول زعيمهم به. فقد أفادت لارا وهي تتحدث عن قسم من الإشتراكيين: “هنّي عندن مشكل مع كلن يعني كلن… في كتير حزبيّين بينزلوا بس كأن ضد كلّن يعني كلّن، إلّا زعيمي”. وهذا ما أكد عليه كارل معرباً عن اشمئزازه من الشعارات التي رفعها بعض الحزبيين خلال الثورة وعبّرت عن تمسّكهم بزعمائهم بما يتعارض مع مقولة “كلّن يعني كلّن”. وقد أشار بشكل خاص إلى مناصري تيار المستقبل ناقلاً عنهم عبارات من قبيل “ما في غير الحريري بيمثلنا”.

وبحسب جاد المنتسب إلى حزب القوات، فإن تفسير الثورة للشعار لا يتماشى مع مصالح أحزاب السلطة، ومنها الأحزاب المشاركة فيها بطريقة أو بأخرى. “ما رح تقبل القوات والأحزاب فيه”، أي لن يقبل حزبه بأن تخرج جميع القوى السياسية المشاركة في الحكم منه. ولكن، ورغم ما أبداه الأشخاص الذين استمعنا إليهم من انتقاد لهذا الشعار وفق فهم الثورة له (إخراج جميع القوى المشاركة في الحكم منه)، فإنهم بدوا متمسكين به بدرجات متفاوتة، إنما بعد تفسيره بشكل مختلف، أكثر واقعية وعدالة.

“شعار كلّن يعني كلّن هو أكثر شعار unidentified (مجهول الهوية) بتاريخ السياسة لأن فيك تزيد شو ما بدك من بعدها”. هذا كان تعليق غابي – الذي ترك حزب القوات – على الشعار بعدما شدد على تعدد التفسيرات الممكنة له.

وقد اتّفق الأشخاص الذين قابلناهم وبخاصة الذين لم يتخلّوا بعد عن أحزابهم، على أن تفسير الثورة للـ “كلن يعني كلن” غير واقعي على الرغم من جاذبيته. “كتير حلو (الشعار) نظرياً بس ما بيتطبّق، كلّن يعني كلّن يفلّوا على البيت مش واقعية، ما بتزبط وما بتصير”.

وتحدّث كارل (مؤيد للتيار الوطني الحرّ) عمّا سمّاه “عقدة البراغماتية” – أي هو يعطي ثقلاً أكبر “للبراغماتية مقابل المبادئ” في مواقفه السياسية – وفق ما يعكسه موقفه حيال الشعار المطروح، حيث يعتبر أن تأويل الثوار لشعارهم، على الرغم من حسن نيتهم، هو غير براغماتي ولا يمكن تطبيقه. وصوّر كارل الثوار كمجموعة غاضبين “طفح كيلهم”، وكأن غضبهم هذا يطمس حسّهم بالواقعية والعدالة مما يتطلب حلاً وسطاً بين شعارهم “غير الواقعي” النابع عن الغضب من جهة، ومتطلّبات العدالة والواقعية من جهة أخرى: “طفح الكيل والناس غضبانين ما بيهمهم مين سارق شويْ ومين سارق كتير، ومين مش سارق… لازم نلتقي بالنصّ، خلص نتخطى عبارة كلّن يعني كلّن وناخد الإجراءات الصحيحة ونسائل ونحاسب كل السياسيين ورح يبيّن بالنهاية إنه مش كلّن يعني كلّن”. ولمّح جاد (منتسب إلى حزب القوات) إلى فكرة “الحل الوسط” عندما أكّد على وجوب رفع سقف المطالب ولكن ضمن نطاق الواقعية.

فضلاً عن ذلك، شدّد بعض الذين قابلناهم على ضرورة التمييز بين مكوّنات الطبقة الحاكمة. بعضهم ميّز بين “الناس الفاسدين والناس النضاف بكل حزب”[4] وبعضهم الآخر بين “اللي سارق شوي واللي سرق كتير واللي مش سارق بس ما طالع بإيده شيء واللي مش سارق بس سكت على السرقة”[5]. وبحسب جاد وكارل وريتا، خطاب الثورة لا يميّز بين هذه الفئات ويدين سياسيين قد يكونون، برأيهم، غير منخرطين في الفساد. “قول كلّن يعني كلّن سارقين؟ ما فينا… ما فيني قول جبران باسيل سرق وما فيني قول ما سرق” كان ردّ ريتا. تعكس هذه التصريحات وجهاً ظالماً صوّره هؤلاء للثورة تبعاً لإدانتها جماعياً كل المشاركين في الحكم بالفساد. وتجنباً لهذا الظلم، يقدم العديد من الأشخاص الذين قابلناهم تفسيرهم البديل لهذا الشعار وقوامه أن يحال جميع المسؤولين السياسيين إلى القضاء فيحاسَبون ومن بعدها تتم إدانتهم فقط في حال ثبوت إنخراطهم في الفساد.

وقد عبّر كارل في هذا المضمار عن جانب آخر لسلبيات التفسير المعطى لهذا الشعار والتي قد تؤدي إلى نفور مناصري أحزاب السلطة من المشاركة أو التعاطف مع الثورة:

 “كلّن يعني كلّن هو شعار بيخلق توتر عند شخص بركي بدّه نفس الشي عن الثوار بس بيكون مآمن إنه فلان مش سارق، فيه يكون مع الثورة لحتى يصير يحس إنه لازم يدافع، وهيدي بتأثر على إذا الشخص مع الثورة أو لأ”[6].

التفسير البديل للشعار: تخيّل ملموس للمحاسبة؟

في مقالته “كلن يعني كلن”: بداية كسر هيمنة نظام الطائف؟[7]، طرح د. جميل معوّض إشكالية شعار “كلّن يعني كلّن” وجادل بأنّ الشعار هو نفسه “الحلّ والمشكلة”. ففيما هو الحلّ لكونه نجح في تظهير الصراع على أنه صراع عمودي بين السلطة كجسم واحد والشعب، فإنه مشكلة لأنه يؤدي إلى تجهيل الفاعل من خلال الإدانة الجماعية، و”التحدّي الأكبر هو الإنتقال إلى مرحلة تحميل المسؤولية للأفراد والأحزاب: حزباً حزباً، فرداً فرداً”[8].

وتظهر المقابلات العشر ارتياحاً عاماً إزاء تفسير الشعار المذكور على أنّه يتطلّع لمساءلة الجميع من دون إدانة مسبقة.

“حتى لو حوكم السيد ما عندي مشكلة وإذا طلع نضيف فعلاً رح كون كتير مبسوطة”[9]. ومن هنا، يظهر القضاء بمثابة المرجعية الأساسية التي يجدر بها تولّي هذه المسؤولية الهائلة التي هي محاسبة الزعماء، فكأنّما يتم نقل محاكمة القوى الحاكمة من الشارع إلى القضاء. ويلحظ هنا أنّ هذا الطرح لا يخلو من التناقضات، طالما أنّه يُبنى على فرضية قوامها وجود قضاء محايد ومستقل، بما يعاكس تماماً الإعتقاد بسواد التبعيّة والتدخّل والتسييس والتطييف فيه. وهذا ما ذكّر به العديد منهم في سياق المقابلات معهم. هذا ما نستشفه من مقابلة خالد عندما قال “لازم يروحوا كلّن يتحاسبوا، بس هول ما حدا رح يحاسبهم”. أو من مقابلتنا مع ريتا (مؤيدة للتيار الوطني الحرّ) التي أكّدت أن إحالة السياسيين إلى المحاكم مستحيلة مع “هول القضاة اللي هلأ”. مشددة على وجوب توفّر “قضاة بيحاسبوهم متل كل البلاد”. فكيف نفسّر هذا التناقض بين المطالبة بإحالة المسؤولين السياسيين إلى القضاء كمرجعية محاسبة من جهة، والإعتراف بتسييس القضاء وعدم قدرته على المحاسبة؟ فهل هو يشكل دليلاً على تهرّب حزبيي السلطة من المطالبة بأي محاسبة جديّة لزعمائهم؟ أم أنه مجرد تناقض ظاهري يمكن حلّه من خلال المبادرة إلى إصلاح القضاء قبل إحالة السياسيين إليه، وفق ما أشارت ريتا إليه؟

انتقاد وسائل الثوار: مسألة الشتيمة في السياسة

لم تقتصر النظرة النقدية للأشخاص الذين قابلناهم على شعار “كلّن يعني كلّن”، بل انسحبت على مجموعة أخرى من المسائل، أبرزها شتم الزعماء. ويلحظ أنّ العديد من مناصري الثورة دافعوا عن الشتيمة كوسيلة ثورية، حيث رأى بعضهم أنها تشكل أداة لإسقاط الهالات عن زعماء احتموا خلف صور أصنام نصبوها لأنفسهم، ولمحاربة خطاب السلطة الأبوي الذي يسعى إلى تهذيب الثورة[10]. كما رأى البعض الآخر أن الشتيمة “تخفّف النزعة الفيكتوريّة الطاغية على الكلام في المساحات العامّة والمجالس المحترمة[11]. ومقابل هذه الأصوات، وُجد في أوساط الثورة من يريد الإلتزام بـ”إتيكيت” التظاهر والبقاء ضمن نطاق “الأخلاق”. فكيف قارب الأشخاص الذين استمعنا إليهم توجّه الشارع لشتم الزعماء، بما فيهم زعماء أحزابهم؟ من بين المحازبين الذين قابلناهم، هناك من برّر لجوء الثوار للشتيمة ضدّ حزبه أو زعيمه متفهّماً موقفهم. هذا ما عبّر عنه سايد الذي حمّل اللوم لحزبه تيار المردة (“الحق عليهم هنّي وصّلوا حالهم لهون ما خصنا نحنا”)، أو كارل الذي برّر الـ”هيلا هو” قائلاً: “هني (التيار الوطني الحرّ) أكثر عالم فيك تسبهم لأن حطوا حالهم ببوز المدفع وكمان الكل متفق يسبهم، بتناسب الجميع، it makes sense (يبدو الأمر منطقياً)”. وهناك من لم يعطِ أهمية للهتافات المسيئة لزعيم حزبه مثل جاد الذي كان يغني مع الثوار “صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني”، مصنّفاً الشعارات كـ”عاطفية” لا يجب إعطاءها أهمية، إذ يجب الإلتقاء مع الثوار في كل ما هو “عمليّ”.

في المقابل، انتقد آخرون استخدام المتظاهرين للشتائم. ومنهم لارا التي عبّرت عن رفضها المبدئي للشتيمة وإن كانت لا تعارض أبداً إدانة وليد جنبلاط والآخرين. وهي تعلّل رفضها للشتيمة بمنطلقات نسوية وإنسانية: “شو من كون عملنا” عبر ذكر أعضاء والدة جبران باسيل التناسلية. ويذكّرنا موقف لارا بمحاولات العديد من النساء والنسويات بإيجاد صيغ جديدة لهتاف الـ”هيلا هو” لا سيئ للمرأة. أمّا ريم التي تؤيد السيد نصرالله، فانزعجت من سبّ السيد لكن “عنجد مش من منطلق إنه هو زعيم أو إنه حامي الشيعة، آخر همّ على قلبي”، فهي تبتعد عن سرديّة الحزبي الذي يدافع “بعمى” عن زعيمه. لكنها ترى أن شتم الثورة للسيد نصرالله هو ظلم نظراً لشخص السيد بشكل خاص. ويتلاقى هذا المنحى مع ما شرحته الباحثة دينا مطر في عمل بحثي[12] لها نشر عام 2014، حيث تفسّر كيف أعطى حزب اللّه أهميّة أساسية للأمين العام حسن نصرالله في الصورة التي يقدّمها الحزب عن نفسه من أجل تعزيز شرعية أهداف الحزب السياسية وتعزيز جاذبيته. وتحلّل مطر سرديّة الحزب التي رُوّجت في الإعلام والتي تقتضي بتصوير نصرالله كقائد غير أناني متساوٍ مع سائر المواطنين، وكمثال على التفاني والتضحية المطلقة بعدما ضحّى بابنه البكر عام 1997 و”نعى وفاته كأي شخص عادي خسر ابنه”[13]. فصورة نصرالله هذه تمهّد بحسب مطر لإنشاء روابط عاطفية عميقة بينه وبين مناصريه. وهذا تماماً ما نراه في حالة ريم التي تشرح: “بزعل بكل صراحة، أنا ما بعتقد إنه السيد كسيد، حدا استشهد ابنه بالجنوب فيك تقارنه بنبيه بري أو بجعجع أو بالجميّل، مش عم قول أنه كامل بس ما فيك تجي تقول هو سرق ونهب”. وأنهت ريم جملتها: “ممكن انسحب إذا سبّوا السيد”. وعبّر خالد عن حبّه لزعيمه وكيف “كل ما قطع الوقت كل ما حبّه أكتر وكل ما إتعلق فيه أكتر”، ولديه حتى صوره في المنزل. وعليه، استنفر خالد ضدّ شتم الثوار لزعيمه وأخبرني عن إحدى المسيرات التي شارك فيها في طرابلس قبل أن يغادرها بعدما بدأ الثوار بشتم زعيمه: “صاروا يسبّوه، زعلت، ليه بدنا نسب؟ انقهرت”.

“البراغماتية” الحزبية في مواجهة فوضوية المطالب

ربطت الثورة في تأطيرها للأزمة كلاً من النظام السياسي والإقتصادي/المصرفي وكأنهما وجهان لعملة واحدة، وبات هدفها إطاحة النظام بأكمله عبر قوّة شعبية تضمّ أفراداً من خلفيات مختلفة، من ضمنها أفراد نزلوا إلى الشارع للمرة الأولى. وكان لمعظم الأشخاص الذين قابلتهم انتقادات لهذه المقاربة، وهي انتقادات تنبع من منطقهم الـ”براغماتي” الذي سبق أن وجدناه عند مقاربة شعار “كلن يعني كلن”.

فبالنسبة لريم وريتا، لا يمكن تغيير “كل شيء بكبسة زرّ”[14]، حيث أنهما تنتقدان عدم حصر الثورة بالمنحيين الإقتصادي والإجتماعي. وهما تفصلان بين النظام السياسي والإقتصادي من منطلق “الواقعية” السياسية التي يفتقدها الثوار، وتريان أن الثورة لا يجب أن تخرج عن الإطار الإقتصادي: “لو انحصرت الثورة بمنحاها الإقتصادي الإجتماعي ما كنّا وصلنا لهون بس صار عم ينحكى بمواضيع كتير أكبر متل سلاح المقاومة وإنتخابات وما بعرف شو، ما فيكن، بالنهاية هيدا نظام ما فيني إجي إقلب الطاولة وإخربلهم الدنيا، شو بكون عملت؟ “[15].

والتعليق الأكثر تكراراً في حديث هؤلاء كان ما وصفوه بعدم توحيد مطالب الثورة وتعدد الآراء في صفوفها، ما يشكل دليلاً آخر على عدم واقعية الثوار المتشبثين بآرائهم حتى ولو كانت هامشية أو غير واقعية، وعلى عدم قدرة الحراك على التحوّل إلى تيار سياسي جدّي قادر على استلام السلطة. فترددت عبارات كـ “حاسّسها ثورات مش ثورة … ما في رأي واضح على المصارف أو إسرائيل مثلاً” أو “ما فينا نحكي ثورة، في عدّة مجموعات وكل مجموعة عندها هدف وبدّه يقنع الثورة كلها بهيدا الهدف”. وبنظر البعض منهم، فإن الثورة تفتقر إلى “تنظيم ووعي”[16]، مثل ريم التي انتقدت ما وصفته بـ”عيشان” (حماس مفرط) الثورة لجهة رفض أي قيادة: “لأ حبيبي مش كلنا قائد الثورة، أنا شو بيفيد كون قائدة، ما بيصير هيك”. ووجد جاد أن الثورة لم تنتج تنظيماً سياسياً بديلاً عن حزبه، يستحق أن يستثمر وقته فيه. وأخيراً، تم تسليط الضوء على تركيز الثوار على “استقلالية” الأفراد الذين يريدونهم في الحكم، أي أفراد مستقلين عن أحزاب السلطة. وقد عارضت كل من ريتا ولارا اعتقاد الثوار بأن “الاستقلالية” تعني النزاهة، واعتبروا هذا المفهوم محدوداً حيث أنه يمكن لممثل حزبي أن يكون نزيهاً أو للسياسي المستقل أن يكون فاسداً.

ويظهر قلق الأشخاص الذين استمعنا إليهم بما يخصّ المستقبل في حال تشكّلت لوائح انتخابية نابعة من الثورة. فبرأي ريتا “إذا إجت الإنتخابات وكانت الثورة ما نظّمت حالها رح يطلعوا هنّي نفسهم”. فجميع  الذين قابلناهم منفتحون ولو بدرجات متفاوتة على لوائح جديدة من صفوف الثوار. فهم أظهروا رغبة في انتخاب بدائل تنبع من الثورة شرط أن تراعي اللوائح مخاوفهم أيضاً. ويظهر هؤلاء في حديثهم معنا كمن يريد مصلحة الثورة الفعلية، فيكثرون النصائح من منظار “براغماتي” يفتقده الثوار بنظرهم. وأفادت ريتا أنها “كتير بتشجع ناس من الثورة تطلع تقدم CV (سيرة ذاتية) وتقنع العالم فيها”. فوسط تعددية المشاركين والتباس المطالب بنظرهم، تظهر المقابلات حاجة الأشخاص الذين قابلناهم لمطالب وبرامج واضحة من مرشحي الثورة، فأفراد مثل ريم يريدون “شيئاً واقعياً وبينعمل”.

مسألة الشرعية: الحزبي مقابل “اللي ما كان يتعاطى سياسة”

من أهم ما نستشفّه من المقابلات أنّ أربعة من الأشخاص الذين استمعنا إليهم أثاروا من تلقاء أنفسهم مسألة الأفراد ضمن صفوف الثوار الذين “ما كانوا يتعاطوا بالسياسة”[17] والشأن العام قبل اندلاع الثورة. ويصوّرون هذه الفئة من المتظاهرين وكأنهم كانوا “غاطسين في غيبوبة”[18] قبل 17 تشرين و”ما كانوا ينتخبوا، وكل همّن يضهروا ويشربوا ويأرغلوا”[19] و”قرفانين من إنه يسمعوا نفس الأسماء على الأخبار”[20]. فهذه الفئة “وعيت”[21] وأصبحت تطالب بإسقاط جميع السياسيين بحسب وصف جاد المتهكّم. فمن منظار االأشخاص الذين قابلناهم، كيف يمكن لهؤلاء المتظاهرين توجيه خطاب سياسي يضاهي خطاب من لديه خبرة في الشأن العام والحياة السياسية من خلال حزبه؟ “هلأ وعيوا، كتير منيح، بس ما فيكن تنتقدوا كل شي وكنتوا نايمين كل هالوقت” كان تعليق ريتا. فتبرز مقارنة ضمنية بين شرعية الحزبيين من جهة وشرعية “اللي ما كان يتعاطى سياسة” من جهة أخرى. وكأن الأشخاص الذين استمعنا إليهم ينفون شرعيّة المتظاهرين “المبتدئين” الذين، بنظرهم، ليس لديهم “أيّ بُعد سياسي”[22]. ويأتي هذا النفي ليعزز نقد الحزبيين للثورة بأنها غير واقعية. فكيف لمن يعتبر نفسه لديه خبرة أو معرفة في العمل السياسي، أن يتخلّى عن حزبه بناء لطلب من شخص “ما حتى كان بيعرف مين نبيه برّي”[23]؟

الثورة “البريئة” المُستَغَلّة

عبّر كل من كارل وريتا وريم عن استيائهم من مشاركة بعض أحزاب السلطة في الثورة، لا سيما القوات اللبنانية وحزب الكتائب والحزب الإشتراكي وتيار المستقبل. أدّت هذه المشاركة بنظرهم إلى خطف الثورة ومطالبها من أجل تحقيق أجندات سياسية. “الكتائب والقوات والإشتراكيي ما بيقطعوا، ما فيهم يكونوا هلقد وقحين، الناس نازلين ضدكم” كان تعليق ريم. أمّا كارل فأفاد: “اللي ما تحملته دخول غير أحزاب على الثورة ليركبوا الموجة مثل القوات الكتائب والإشتراكيي. بالنسبة إلي في أجندة سياسية وتصويب معيّن”. أمّا ريتا فصوّرت مناصري هذه الأحزاب وكأن “الأحزاب بتمشيهم متل ما بدها وبيحكوا متل ما بدها الأحزاب”، فهم بنظرها لم ينزلوا بطريقة عفوية بل بقرار حزبي. وأكّد كل من كارل وريتا أن مشاركة بعض أحزاب السلطة في الثورة رافقتها محاولات لإفساد “طهارة” الثورة على مواقع التواصل الإجتماعي بشكل خاص. تحدّثت ريتا عن “الأخبار المزيفة” التي يتم نشرها على مواقع التواصل الإجتماعي والتي يتم تصديقها من قبل الثوار. وأشار كارل إلى “هجمات” إلكترونية تنفذها بعض أحزاب السلطة ضد التيار الوطني الحرّ، “والحزبيين والثوار بيعملوا شير” لهذه المنشورات. كما أنه شكك بنوايا شخصيات بارزة في الثورة تتهجم على التيار في منشوراتها بطريقة “مبرمجة”، لينهي كارل قائلاً “في أجندة سياسية على الرغم من شعارات نقية وكتير ناس طاهرين”. وانطلاقاً من ذلك، تبرز نقطتان يجدر التوقف عندهما:

أولاً، تعيد المخاوف التي عبّر عنها كارل وريتا حيال “أجندة أكبر” و”استغلال الثورة” إلى الأذهان الحرب المعنوية التي شنّها عدد من قوى الحكم ضد الثورة. وقد تمثلت هذه الحرب باستخدام وسائل عدّة مثل الترغيب بإجراءات فارغة المضمون وشعبوية كالورقة الإصلاحية التي أعلن عنها سعد الحريري يوم 20/10/2019 في نهاية المهلة التي أعطاها لنفسه للرد على مطالب الشعب، وهي ورقة سطحية تخلو من أية رؤية عامة أو اتّساق وتتجاهل المسائل الأساسية التي أدّت إلى تفاقم الأوضاع المعيشية[24]. كما تمثلت هذه الحرب المعنوية بالتهويل من الحرب الأهلية وتحميل الثورة مسؤولية الإنهيار الإقتصادي والفراغ السياسي واتهام الثورة بعدم التهذيب والأخطر بكونها ثورة موجهة وغير مستقلة[25]. في فيديو أعدّته “المفكرة”، يفسّر رامز داغر أنه عندما ينتفض الفرد على زعيمه يكتسب استقلالية ذاتية تولّد خوفاً لدى أحزاب السلطة، ممّا دفع الطبقة الحاكمة إلى محاولة “كسر” الإستقلالية هذه. هكذا تكون السلطة أشعرت الأفراد بأنهم لم يستقلّوا فعلاً بل يتم تحريكهم واستغلالهم من قبل جهات لديها أجندات خطيرة، فهكذا “بيرتبك الفرد وبيهرب من غموض الإستقلالية ليرجع إلى الشي الواضح إله اللي هو حزبه السابق”[26]. من هذه الزاوية، يظهر الحزبيون، ليس كمتواطئين مع السلطة المناوئة للثورة، إنما كضحايا للأساليب المعتمدة منها والتي تسعى إلى كسر إستقلاليتهم الذاتية وفق ما أشار إليه داغر. فريتا (المنتسبة للتيار) توقفت مشاركتها في الثورة عندما شعرت بأن ثمة استغلال لها، لتعود إلى حزبها: “قلتلهم للتيار معكن حق ما كان لازم إنزل إتظاهر”.

ثانياً، يجدر من ثم التوقف عند التمييز الواضح لدى الأشخاص الذين قابلناهم بين ما يرونه نواة “طاهرة” نزلت عفوياً إلى الشارع وتسعى جهات “مسيّسة” لإفسادها واستغلالها ومن نزل أصلاً بأمر حزبي. فالـ”طاهرون” باتوا الذين يعنون شعار “كلن يعني كلن”، وهم نزلوا عفوياً ليرفعوا شعارات “طاهرة” وليس لديهم أي أجندة خفية، بعكس “غير الطاهرين” الذين تحرّكهم جهات لديها أجندات سياسية، وتهدف إلى خطف الثورة ومطالبها المحقة. وكان أوّل من روّج لهذا التمييز السيّد حسن نصرالله في خطابه في 25 تشرين الأول 2019 عندما تحدث عن أول ثلاثة أيام التي كانت فيها الثورة بنظره “موضوعاً شعبياً وعفوياً ومطالب محقة والناس طيبين” ولكن من ثم “ما عاد الموضوع حراكاً شعبياً” عفوياً محقاً بعدما ركبته بعض الجهات السياسية[27]. وظهرت فكرة العفوية في المقابلات عندما أفاد جاد أنّه بدأ يشارك بالتحركات فقط عندما تأكّد أنّها عفوية وليست مخططة. فكأنّ العفوية أصبحت معياراً أساسياً للنشاط السياسي فيما أصبح أي تحرك منظم بحد ذاته معيباً، بمعزل عن غاياته.

إنطلاقاً مما تقدّم، برزت في نظر الأشخاص الذين قابلناهم لوحة الثورة غير الناضجة مقابل الحزبيين الحكماء. وقد تمّ تصوير الثائر كمن يقع في فخ بعض الأحزاب، وكأنّه ليس لديه الوعي الكافي للتصدي للإستغلال. فالثوار بحسب المقابلات ينشرون محتوى مبرمجاً لديهم أهداف سياسية “غير طاهرة” من دون أن يدركوا ذلك. هذا ما أمكن بيانه بشأن المقاربة النقدية للأشخاص الذين استمعنا إليهم حيال الثورة. بقي أن نستعرض كيف قاربت الثورة مشاركتهم فيها.


[1] د. جميل معوض، “كلن يعني كلن”: بداية كسر هيمنة نظام الطائف؟”، موقع المفكرة القانونية، 27/10/2019.

[2] المصدر أعلاه.

[3] المصدر أعلاه.

[4] جاد، منتسب إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 6/1/2020.

[5] كارل، مؤيد للتيار الوطني الحرّ، مقابلة مع “المفكرة”، 17/2/2020.

[6] كارل، مؤيد للتيار الوطني الحرّ، مقابلة مع “المفكرة”، 17/2/2020.

[7] د. جميل معوض، “كلن يعني كلن”: بداية كسر هيمنة نظام الطائف؟”، موقع المفكرة القانونية، 27/10/2019.

[8] المصدر أعلاه.

[9] ريم، مؤيدة لحسن نصرالله، مقابلة مع “المفكرة”، 26/2/2020.

[10] هاني حسن، “عودوا إلى الغضب والشتيمة.. ثورة على التهذيب”، صحيفة المدن، 7/1/2020.

[11]  سونيلا موباي، “دفاعاً عم الشتيمة”، موقع ميغافون، 4/11/2019.

[12]  Matar, Dina. “Hassan Nasrallah: The Central Actor in Hizbullah’s Political Communication Strategies.” In The Hizbullah Phenomenon : Politics and Communication, 153–80. Oxford University Press, 2014.

[13] المصدر أعلاه.

[14] ريم، مؤيدة لحسن نصرالله، مقابلة مع “المفكرة”، 26/2/2020.

[15] المصدر أعلاه.

[16] كارل، مؤيد للتيار الوطني الحرّ، مقابلة مع “المفكرة”، 17/2/2020.

[17] غابي، منتسب سابق إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 27/2/2020.

[18] ريتا، مؤيدة للتيار الوطني الحرّ، مقابلة مع “المفكرة”، 19/2/2020.

[19] جاد، منتسب إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 6/1/2020.

[20] غابي، منتسب سابق إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 27/2/2020.

[21] ريتا، مؤيدة للتيار الوطني الحرّ، مقابلة مع “المفكرة”، 19/2/2020.

[22] غابي، منتسب سابق إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 27/2/2020.

[23] ريم، مؤيدة لحسن نصرالله، مقابلة مع “المفكرة”، 26/2/2020.

[24] نزار صاغية، “سقوط الأقنعة عن وجوه سقطت هالاتها: ملاحظات حول “ورقة إصلاحية” ليست كذلك”، موقع المفكرة القانونية، 25/10/2019: https://www.legal-agenda.com/article.php?id=6040

[25]  رامز داغر، “الحرب المعنوية على الإنتفاضة”، فيديو من إعداد المفكرة القانونية، 17/12/2019: https://www.youtube.com/watch?v=cjGAGSKLC88

[26] المصدر أعلاه.

[27] “كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله حول التطورات الأخيرة 25-10-2019″، جريدة المدن، 25/10/2019: https://almanar.com.lb/5876433

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *