انتخابات المحاماة التونسية بين المهني والسياسي


2016-07-18    |   

انتخابات المحاماة التونسية بين المهني والسياسي

بتاريخ 12-7-2016، أعلن عن فوز المحامي عامر المحرزي بمنصب العمادة للدورة النيابية 2016 – 2019 بعد حصوله على أغلبية الأصوات من الدور الأول وانتخاب 14 عضوا بمجلس الهيئة[1]في إطار التجديد الدوري للهيئة الوطنية للمحامين. وقد انتهى لاحقا الماراطون الإنتخابي للمحامين يومي 16 و17 من ذات الشهر باجراء انتخابات لرؤساء وأعضاء الفروع الجهوية العشرة للهيئة الوطنية للمحامين على مستوى الجهات.

ويمكن النظر إلى هذه الانتخابات في محطتها الرئيسية  المتمثلة في انتخابات العميد واعضاء الهيئة الوطنية للمحامين من ثلاث زوايا أساسية تتمثل في: زاوية التنظيم بما تحمله من ظروف الزمان والمكان والاستعدادات،زاوية النتائج بما فيها من عوامل نجاح وتحالفات انتخابية ولّدت جدلا بين المحامين وأخذت صدى إعلاميا وزاوية المآلات بالتحديات والمسؤوليات التي سيضطلع بها مجلس الهيئة الجديد على ضوء البرامج الانتخابية التي قدمها المترشحون لمجلس الهيئة وخاصة البرنامج الانتخابي للعميد عامر المحرزي من أجل "رد الاعتبار لمهنة المحاماة". ولم يعد خافيا أن هذه المهنة تمرّ بأزمة انعكست على وضع المحامين المادي والمعنوي وعلى قيمة المحاماة كمهنة تشارك في إقامة العدل وتدافع عن الحقوق والحريات وعلى دورها الوطني في ضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي بالبلاد.

زاوية التنظيم:
كان من المبرمج أن يتم الإعلان عن نتائج انتخابات العميد ومجلس الهيئة في نفس اليوم الذي تقام فيه الانتخابات. لكن حالت ظروف التنظيم دون ذلك خاصة وأن الانتخابات ما زالت تقام بالطرق التقليدية باستعمال الصناديق والفرز اليدوي. وهذا ما أدى إلى تأخر صدور نتائج مجلس الهيئة إلى يوم 12 جويلية .كما يلحظ أن الخلوة الانتخابية هي بالكاد موجودة، فهي عبارة عن حواجز صغيرة كرتونية لا تضمن سرية الانتخاب.
وقد اقترح العديد من المحامين جملة من الحلول لتفادي مثل هذه العوائق التنظيمية عبر التصويت في الجهات على العمادة وأعضاء الهيئة مما يسمح بمشاركة كبيرة للمحامين خاصة من الذين يصعب عليهم التنقل إلى العاصمة أو اعتماد التصويت والفرز الالكتروني.
وشارك في هذه الانتخابات 3197 محام من أصل 7000 محام تقريبا لهم الحق في التصويت وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة بنسبة المشاركة في الانتخابات السابقة[2].

زاوية النتائج:
كانت نتائج الصندوق المتمثلة في حسم صراع العمادة من الدور الاول [3] بفارق شاسع على مستوى عدد الاصوات لفائدة العميد الجديد عامر المحرزي مفاجأة للجميع. هو فالانتخابات عادة ما يكون التنافس فيها شديدا ومتقاربا ما يفرض المرور للدور الثاني.
وقد عقب هذا الفوز السريع  نقاشا كبيرا حول أسبابه ، إذ أن أول التصريحات صدرت عن المترشح الذي كان ينتظر ان ينافس العميد المنتخب في الطور الثاني  بوبكر بالثابت كشفت عن بعضها فقد اعتبر  أن انتخابات عمادة المحامين تمت تحت غطاء " اتفاقات سياسية حزبية بين حركة النهضة ومجموعة من التجمعيين ومجموعة أخرى من حركة نداء تونس[4]" وهو ما يعكس وجود تصويت تكتلي يمثل انعكاسا للتحالف السياسي المكون للسلطة السياسية في تونس.
يجد هذا الموقف مبرراته في تداول انصار العميد الجديد يوم التصويت [5] قائمة انتخابية ضمت اسم الأستاذ المحرزي كمرشح للعمادة و11 اسما مرشحا لمجلس الهيئة تحت اسم "المحاماة في أعيننا ". وقد ضمت على رأسها العميد الحالي المحرزي والمحامية سعيدة العكرمي المحسوبة على حركة النهضة. وقد نجحت هذه القائمة غير الرسمية في الفوز بالانتخابات إذ صعد منها الأستاذ المحرزي كعميد للمحامين و9 أسماء أخرى لمجلس الهيئة فيما كانت الأسماء الخمسة المتبقية المكونة لمجلس الهيئة من خارج هذه القائمة المثيرة للجدل.
في الواقع فان التحالفات السياسية والحزبية لا تعد امرا جديدا على انتخابات المحامين وتحالفاتهم اذ سبق مثلا لتيار المحامين القوميين العرب الذي يحسب عليه الاستاذ بوبكر ثابت أن تحالف مع الإسلاميين في انتخابات جمعية المحامين الشبان. كما ينسب له التحالف معهم ومع المحامين الدستوريين في انتخابات العمادة السابقة.

فالعامل السياسي كان دائما عاملا مؤثرا في المحاماة ومتأثرا بها سواءً كان المحامون أصواتاً للأحزاب في المحاماة أو أصواتاً للمحاماة في الأحزاب[6]. والحديث عن هذه العلاقة بين المحاماة والسياسة مشروع خاصة بعد انخراط المحاماة التونسية في المساهمة في تجربة الانتقال الديمقراطي وبعد خوضها لصراعات حادة مع السلطة السابقة في عهد بن علي في ظل ما مارسته من انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان ومحاكمات طالت التحركات الاحتجاجية مثل أحداث الحوض المنجمي 2008. ويولد بالطبع هذا الانحراط مخاوف مبررة،لسببين اثنين:

  • أولا أن الجانب السياسي أخذ الاهتمام الكبير للهياكل على حساب جانبها المهني. وقد مرّت المهنة تبعا لذلك بأزمة على مستوى القوانين المنظمة لها وعلى مستوى الظواهر السلبية التي أثرت فيها من علاقة متذبذبة مع القضاة ومن انتشار للسمسرة وللاحتكار ووضعية مادية صعبة يعيشها جانب كبير من المحامين الشبان والمتمرنين ومن ظهور إعلامي للمحامين وغيرها من المسائل،
  • وثانيا أن ثمة تخوفا مشروعا من أن يتحول هذا التأثير الفكري والسياسي في الهياكل من تأثير مؤقت،مرحلي ومناسباتي في فترة الانتخابات إلى تأثير دائم.

    إنّ المصوتين في انتخابات المحاماة هم المحامون أنفسهم ولا أحد يمكنه إنكار أن للكثير منهم انتماءات حزبية وفكرية بل يتصدر العديد منهم مناصب قيادية في أحزاب داخل السلطة والمعارضة. كما أن عامل التحالفات ينضم إلى جملة عوامل أخرى ساهمت في فوز مرشح وانهزام آخرين. فقد استغل الأستاذ المحرزي فترة نيابته لأكبر فرع للمحامين الذي يضم أكثر من 5000 محام استغلالا جيدا بالتركيز على الجانب التكويني وإشرافه على أكثر من 100 دورة تكوينية وعلمية. كما أن موقفه من توحيد المدخل ورفضه لنقل ترسيم مجموعة المحامين التونسيين المرسمين بالجزائر دورا في كسب بعض أصوات المحامين إلى جانبه.

زاوية المآلات:

يعتبر تجديد الهياكل خطوة أولى ستتبعها تحديات مطروحة على عاتق مجلس الهيئة الجديد خاصة في ظل الملفات المهمة والمزمنة التي ستطرح عليها. ومن أبرز هذه الملفات، ملف نقل الترسيم الذي سبق لمجلس الهيئة المتخلي أن قبل بمبدئه خلافا لمواقف العميد المحرزي الرافضة تكرارا له. ومنها أيضا ضرورة صياغة قانون جديد للمحاماة يستجيب لطموحات المحامين فيما يتعلق بوضعيات الشركات المهنية وجباية المحامي وتوحيد المدخل والتأديب وظهور المحامي في الإعلام والسمسرة والتوزيع العادل للقضايا بين المحامين ومنظومة التقاعد والتأمين وتوسيع مجال تدخل المحامي وأخلاقيات المهنة في ظل تجاذب تشهده مهنة بين رسالتها المدافعة عن الحقوق والحريات الإنسانية وجانب عملي يفرض مقاومة الفساد الذي أصبح ينخر المهنة من الداخل.
وهذه الملفات ستكون المحور الأساسي لقياس مدى مهنية واستقلالية العميد ومجلس الهيئة من عدمه.

 



[1] المحامين المنتخبين لعضوية مجلس الهيئة :  العروسي زقير : 1365 صوت – سعيدة العكرمي 1259 صوت – ذاكر العلوي 1242 صوت – نرجس بوعلاق 1223 صوت – رشاد برقاش 1220 صوت – سفيان بالحاج محمد 1208 صوت – منير التونسي 1108 صوت – الصادق الرحموني 1098 – مبروك كرشيد 1044 – فاطمة الزهراء الحمداني 1029 – عمر خميلة 1022 – حاتم بالأحمر 1007- عبد اللطيف التيتوحي 995 صوت – محمد علي الكوكي 992 صوت.
 
[2] التقرير الأدبي للهيئة الوطنية للمحامين قدم إحصائية حول عدد المحامين في تونس : المحامين المباشرين : 8221 (لدى التعقيب : 2281 – لدى الاستئناف : 4501 – لدى التمرين : 1636 ) المحامين غير المباشرين : 1463،المحامين المتقاعدين 204 ،127 شركة محاماة.
 
[3]حادثة تتكرر للمرة الثانية في تاريخ انتخابات عمداء الهيئة الوطنية للمحامين  بعد انتخاب العميد عبد الوهاب الباهي في سنة 1995،
 
[4] تصريح إذاعي بتاريخ 11 جويلية 2016 – إذاعة شمس FM.
 
 
[5]فترة الصمت الانتخابي
[6] العميد عامر المحرزي : " المحامون سيكونون أصواتا للمحاماة في أحزابهم لا أصواتا لأحزابهم في المحاماة." – جريدة الصباح السبت 15 جويلية 2016.
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية