النهج القائم على حقوق الإنسان: المسألة العالقة لقانون الهجرة

النهج القائم على حقوق الإنسان: المسألة العالقة لقانون الهجرة

في سياق التعاون بين منظمتي دجوستيسيا والمفكرة القانونيّة، القائم على تبادل الخبرات والتجارب بين دول الجنوب، تنشر المفكرة على موقعها مقالات لكتّاب من دجوستيسيا تمت ترجمتها للغة العربية حول أمور مختلفة، تتناول إشكالات مشتركة (المحرر). 

ليس مستغرباً أن تصبح كولومبيا أكبر بلد مضيف للمهاجرين واللاجئين الفنزويليين في العالم نتيجة كون التمتّع بأدنى معايير العيش الكريم في فنزويلا أمراً محفوفاً بالمخاطر. وفي مواجهة التأثيرات البشرية لأزمة فنزويلا – التي تمتدّ منذ سنوات إلى خارج حدودها – فرض هذا الدور الجديد لكولومبيا تحدّيات عدّة أمامها. ورغم أنّ الهجرة ليست بجديدة على بلدنا الذي يواصل طرد أشخاص واستقبال مجموعات من المهاجرين بمعدّل أقل، إلّا أنّ الوضع الحالي يكشف عن الحاجة إلى قانون للهجرة يشكّل جزءاً من سياسة متكاملة للدولة وليس مجرّد سياسة تتبنّاها حكومة واحدة. ويمثل مشروع القانون الذي قدّمته وزارة الخارجية إلى الكونغرس في 23 تموز/يوليو فرصة لملء هذا الفراغ والتغلّب على قيود الاستجابة الحالية، شرط أن يتضمّن نهجاً قائماً على حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من أنّ الحكومة الكولومبية قد نفّذت سلسلة من التدابير لمساعدة الفنزويليين، إلاّ أن هذه الاستجابة كانت بطبيعتها قطاعيّة وقصيرة المدى. فعلى سبيل المثال، لا تتماشى متطلبات ومنافع تصريح الإقامة الخاص (PEP)، وهي آلية تسعى إلى تنظيم بعض شرائح المواطنين الفنزويليين، مع نوايا عديد من الأشخاص بالبقاء لفترة طويلة. بالإضافة إلى ذلك، كان التنسيق في تنفيذ هذه التدابير، للوصول إلى نظام الرعاية الصحية، على سبيل المثال، ضعيفاً؛ فعلى الرغم من أنّ حاملي تصريح الإقامة الخاص (PEP) مخوّلون الاستفادة من خدمات هذا النظام، غير أنّ القوانين غير واضحة بشأن إمكانيّة استفادتهم من نظام تحديد المستفيدين من البرامج الاجتماعية (SISBEN).

ويسعى مشروع القانون المذكور المقدّم إلى الكونغرس إلى وضع المبادئ التوجيهية العامّة لسياسة الهجرة من أجل تقديم استجابة منسّقة أكثر لمختلف عمليات الهجرة التي تواجهها كولومبيا. وتشتمل مزايا هذه السياسة على الابتكار في تبسيط كافة اللوائح – استبدال المعايير المتعدّدة في مختلف المجالات – والاعتراف بوجوب أن تتجاوز الإجراءات الاستجابة الظرفيّة، وتقرّ بوجوب أن يتماشى القانون مع التغييرات العالمية، وتؤكّد على أنّ كولومبيا تواجه عمليات هجرة مختلفة تتطلب قانوناً واسعاً ما يكفي لمعالجة سيناريوهات متعدّدة. غير أنّ الابتكار والمدى المقترحين كانا قاصرين عن بلوغ الهدف المرجو. فقد فشل المشروع في تجاوز مرحلة تنسيق بعض جوانب اللوائح الحالية ولم يُظهر الكثير من الابتكار. وعلى الرغم من أنّه قدّم مزيداً من التوضيح بشأن حقوق الكولومبيين الذين غادروا البلاد، إلّا أنه أبقى على الأحكام نفسها للأجانب، أي أنّه لم يقدّم بديلاً لتسوية أوضاع الأشخاص الذين وصلوا إلى البلاد. إلى ذلك، فقد فشل أيضاً في تكييف نهجه مع السياق المتنوّع والمعقد للنزوح الفنزويلي ولم يقدّم أساساً قوياً لقانون يمكنه أن يعالج تدفقات الهجرة المماثلة في المستقبل. بعبارة أخرى، لقد فشل في اقتراح مبادرة شاملة ومنسّقة.

عدا عن ذلك، فقد ركّز المقترح على الجانب المتعلّق بالعقوبات في النظام الرقابي الحالي من خلال ترجمته إلى أحكام قانونية، مانحاً هيئة ضبط الحدود في كولومبيا (Migración Colombia)  وهيئات أخرى الاستقلالية الذاتية لوضع سياسات التأشيرات والإجراءات اللازمة لاستطلاع الحاجة للحماية الدولية. وهذا يعني أنّه ولّد نهجاً خاصّاً بالاحتياجات والقدرات يهدف إلى تحديد الاحتياجات الفورية التي تسمح بتعزيز كفاءات الحكومة بدلاً من الاستجابة لاحتياجات المهاجرين والتزامات الدولة تجاههم.

وعلى الرغم من أنّ هذا النهج كان بمثابة استجابة للطوائ، إلاّ أنّه عمل على كشف الفجوات في حماية المهاجرين الضعفاء. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ مشروع القانون المذكور وإن كان يلخّص الإطار التنظيمي لحقوق الإنسان، غير أنّه يفتقر إلى نهج قائم على الحقوق ولا يشتمل على منهجيّة مباشرة لمعالجة مختلف ظواهر الهجرة. فمن خلال نهج قائم على حقوق الإنسان، من شأن القانون أن يوفّر إطاراً منهجياً لحماية حقوق المهاجرين الضعفاء واحترامها وتعزيزها، لا سيما لجهة تحسين القدرات في ممارسة حقوقهم واحترامها والدفاع عنها. لكن، حتى الآن، اتّسمت الإجراءات بالاستجابة للوضع والتحليل البسيط للظروف التي تعمل على توسيع الفجوات في الحماية البنيوية للهجرة.

وهذا الأمر يدعو للقلق. فهو من ناحية يعزّز الإجراءات الإدارية والعقوبات التي قد تنتهك حقوق المهاجرين؛ فعلى سبيل المثال، قد يُحتجز مهاجر لمدة تصل إلى 36 ساعة فقط من أجل التحقق من هويته، ويمكن أن يتّخذ إجراء إداري ضدّه بطلب من أيّ شخص. وفي حال فرضَت بالنتيجة غرامة عليه، فقد يواجه المهاجر الترحيل إن لم يدفعها في غضون شهرين. ومن ناحية أخرى، فهو يجعل الحكومات مسؤولة عن إجراءات والتزامات الدولة ذات الصلة، مثل الاعتراف باللاجئين وبعديمي الجنسية، وبالتالي يتفادى إجراء تحليل معمّق لتداعيات الهجرة الجماعية الفنزويلية وللاحتياجات التي انكشفت في ما يتعلق باستراتيجيات الحماية الدولية.

باختصار، فإنّ غياب نهج قائم على الحقوق في مشروع القانون من شأنه أن يؤدّي إلى تناقضات عميقة في محتوياته وإجراءاته بمجرد سنّه. وحتى وإن اقترحَت فيه أولاً رؤية أوسع لسياسة الهجرة، فإن هذه الرؤية ستهدف إلى مواصلة تنفيذ التدابير قصيرة المدى. كما سيكون له تصوّر خارج عن السياق لديناميكيات الهجرة المختلفة داخل البلاد. وينتج عن مشروع القانون أيضاً تجميع تنظيمي من دون مبادئ توجيهية منطقية لمعالجة الاستجابات التي تهدف إلى الحماية الشاملة للمهاجرين واللاجئين الحاليين والمستقبليين، مما قد يؤدي إلى استراتيجيات قصيرة المدى للمهاجرين الضعفاء.

ويمثّل إصدار هذا القانون فرصة مهمّة لتنفيذ الدروس المستفادة من السنوات الماضية وضمان حماية حقوق المهاجرين واللاجئين. ويمكن للدولة، في حال وجود نقاش تقني مدروس، أن تتجنّب هدر الموارد والجهود وتصبح دولة ذات نهج مثالي وضامن في سياستها المتعلقة بالهجرة.

*سيلفيا رويز باحثة لدى مركز دراسة القانون والعدالة والمجتمع Dejusticia.

**جوانا مونيوز بوليدو متدرّبة لدى مركز Dejusticia.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أميركا الجنوبية ، تشريعات وقوانين ، حرية التنقل ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، محاكم دستورية ، مساواة ، مقالات ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *