المشاهد الغابية: مشروع لفكّ حزام الفقر عن مليون تونسي


2020-11-17    |   

المشاهد الغابية: مشروع لفكّ حزام الفقر عن مليون تونسي

ضمن سلسلة المحاولات الحكومية لحلحلة الأزمة الاقتصادية التي ورثتها عن حقبة ما قبل 14 جانفي 2011، جاء مشروع التصرف المندمج للمشاهد بالمناطق الأقل نموا بتونس ليطرح نفسه كحلّ لصياغة مقاربة تنموية أكثر كفاءة في إدماج وتثمين الثروة الغابية التي تمثّل جزءا مهمّا من المجال الترابي للبلاد في الدورة الاقتصادية ولرفع مظلمة اقتصادية واجتماعية عن مئات آلاف التونسيين الذين يقطنون على تخوم الغابات الممتدة من شمال البلاد في ولاية بنزرت إلى وسطها في ولاية القصرين.
هذا الشريط الأخضر، الذي ارتبط في ذهن الكثير من التونسيين خلال سنوات قليلة مضت بالحوادث الإرهابية، قد يمثّل من خلال هذا المشروع فرصة جديدة لمحاولة تخفيف وطأة السياسات التنموية السابقة التي عمّقت الاختلال الجهوي وحصرت قرى وبلدات بحزام خانق من الفقر والتهميش. إلاّ أنّه وفي نفس الوقت، يبدو محاصرا بعدّة إشكاليات تمثّل عقبات حقيقية أمام إنفاذه.

يسيطر منذ سنوات، 45 شخصا على مقدّرات الغابات عن طريق البتّات العمومية مقابل مليون تونسي لا يتجاوز دخلهم الشهري من العمل فيها 300 دينار.

مشروع المشاهد الغابية؛ الخطوات الأولى لإدماج الغابات في المقاربة التنموية
يدخل مشروع التصرف المندمج للمشاهد بالمناطق الأقل نموا بتونس، أو كما يُعرف بمشروع المشاهد الغابية عامه الثاني بعد أن انطلق تجسيمه رسميا في 5 أكتوبر 2018. وتمّت تعبئة موارد هذا المشروع لتغطية تكلفته البالغة 269 مليون دينارا، عبر قرض من البنك الدولي بقيمة 227 مليون دينار و42 مليون دينار كتمويل ذاتي، مرتكزا كفلسفة على تحقيق مبدأ التكامل بين المنظومات الفلاحية والغابية والرعوية في المناطق ذات الأولوية، التي تضمّ 8 ولايات، وهي بنزرت وباجة وجندوبة وسليانة والقصرين وسيدي بوزيد والكاف والقيروان، لتشمل 18 معتمدية و25 وحدة ممتدة على 400 ألف هكتار.
وقد وضع مشروع المشاهد الغابية جملة من الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها بين سنوات 2018 و2023، والتي تتلخّص في 3 محاور رئيسيّة:

  • تعزيز قاعدة البيانات والأطر التشريعية والمؤسساتية عبر تعزيز القدرة على التصرف المستدام في الموارد الفلاحية والغابية والرعوية. إذ تشمل هذه العملية جرد غابات الزياتين وجرد الغابات والمراعي وسباسب الحلفاء ثم إعداد برامج التهيئة الغابية والرعوية وإعداد مخططات تنمية تشاركية وإنجازها مع مراجعة مجلة الغابات وتحسين الجانب المؤسساتي للتصرف المستديم بالغابات ودعم البحث العلمي في المجال الغابي والرعوي وتنمية قطاع الزياتين بتونس.
  • تهيئة مناخ الاستثمار عبر تشجيع الاستثمارات الجهوية المستدامة، وذلك بغراسة 20 ألف هكتار من الزياتين وتلقيم 5 آلاف هكتار من الزيتون ودعم الإنتاج الغابي والرعوي والفلاحي بمناطق المشروع وإنجاز الأشغال الغابية والرعوية على مساحة تقارب 100 ألف هكتار. كما سيتمّ إنجاز أشغال التهيئة ودعم البنية التحتية في المناطق التابعة للمشروع ثم تهيئة الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية وإبرام اتفاقيات التصرف التشاركي مع المتساكنين المحليين ودعم كل من سلاسل القيمة المضافة والمبادرة الخاصة في مجال الإستثمار والتحويل ثم إحداث روابط بين المنتجين والسوق.
  • تعزيز منظومة التصرف والتسيير والمتابعة والتقييم لدى مختلف الهياكل الحكومية ذات العلاقة.

خلال السنتين المنصرمتين، استطاعت وزارة الفلاحة تحقيق تقدّم على مستوى برنامج التنمية الغابية في إطار مشروع التصرف في المشاهد بالمناطق الأقل نموا. حيث تمّ تشجير 3515 هكتارا على ملك الدولة و300 هكتار من أراضي الخواص، إضافة إلى تشجير 10 هكتارات لتكون مصدّات رياح و800 هكتار لحماية المنشآت. أمّا على مستوى تحسين المراعي، فشملت الغراسات الرعوية 2825 هكتارا من أراضي الدولة و4720 هكتارا للخواص، إضافة إلى تهيئة 168798 هكتارا قيد الاستغلال. هذا وقد شمل مسار تنفيذ مشروع التصرف المندمج للمشاهد بالمناطق الأقل نموا بتونس، إعادة تهيئة 3 منابت غابية، 7 أبراج مراقبة لحرائق الغابات، 18 مركزا غابيا و3 حدائق وطنية ومحمية طبيعية.
وفي إطار الاعداد لتنفيذ هذا المشروع، كانت وزارة الفلاحة قد أصدرت قرارها عدد 296 والمؤرخ في 27 جانفي 2017 والمتعلق بالترخيص للإدارة العامة للغابات بإبرام اتفاقيات شراكة مع مجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري، والذي أسفر عن توقيع عشرات الاتفاقيات التي تنتفع بموجبها تلك المجامع باستغلال المنتوجات الغابية مجانا مقابل إنجاز أشغال وخدمات لحماية وتنمية الغابات والمراعي ضمن تجارب نموذجية بمناطق مشروع التصرف المندمج بالمشاهد الغابية.

غابات تونس ومفارقة الثروة والفقر
تنبع أهمية مشروع المشاهد الغابية في مستوى أوّل من أهمية الغابات في تونس على صعيد الامتداد الجغرافي أوّلا. إذ بلغت مساحتها سنة 2018 ما يناهز 1.2 مليون هكتار وهو يمثّل 7.33% من إجمالي مساحة البلاد. وقد كانت تنمية واستعادة الغطاء الغابي أحد أهم مشاريع دولة ما بعد الاستقلال. رهان أتى أكله على الصعيد الاقتصادي أيضا، حيث تبلغ عائدات الغابات سنويا ما يناهز 220 مليون دينار، من ضمنها ما بين 10 و15 مليون دينار في شكل مداخيل مباشرة إلى خزينة الدولة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما يمثل 1.26% من موارد أملاك الدولة الاعتيادية. وتتأتى هذه العائدات أساسا من الخشب بمختلف أنواعه والذي بلغ انتاجه قرابة 161 ألف متر مكعب من الخشب المقطوع لسنة 2017، إضافة إلى النباتات الطبية والعطرية التلقائية الغابية التي تنتشر على مساحة 409 ألف هكتار. وتضع هذه الأرقام تونس في المرتبة 32 عالميا في مجال تصدير الزيوت النباتية بقيمة تفوق 30 مليون دينار سنويا.
ولكن، تحجب هذه الأرقام “المشرقة”، واقعا بائسا للولايات التي شملها مشروع المشاهد الغابية، حيث يبدو الفرق هائلا بين معدّلات الفقر والبطالة ومؤشر التنمية الجهوية على المستوى الوطني ونظيرتها على المستوى الجهوي بحسب ما يبيّن الجدول الآتي:

وبالغوص أكثر نحو المناطق المعنية مباشرة بمشروع التصرف المندمج للمشاهد بالمناطق الأقل نموا بتونس، وبالتحديد في المعتمديات التي ترتبط أغلب أنشطتها الاقتصادية بالغابات، تصبح الأرقام أكثر قسوة، حيث تبلغ نسبة الفقر في سجنان (ولاية بنزرت) على سبيل المثال 39.9%، وفي معتمدية نفزة (ولاية باجة) 37.7%، و27.2 في عين دراهم (ولاية جندوبة). نسب لا تختلف في باقي المعتمديات المتاخمة للغابات والتي يقطنها 9% من إجمالي تعداد التونسيين الذين فاقمت الأزمة الاقتصادية من معاناتهم.
إذن، ورغم استثمار الدولة في تعزيز الغطاء الغابي خلال العقود الستة التي أعقبت الاستقلال، إلاّ أن الجهد الحكومي على مستوى تنمية الغابات، لم يقترن بجهد مماثل في تنمية الواقع الاقتصادي والاجتماعي لسكان الغابات الذين ظلّوا في الظلّ. وإن كان مشروع المشاهد الغابية يطرح مقاربة تنموية جديدة عبر تثمين الثروة الغابية في اتجاه تحقيق التغيير التنموي المرجو في تلك الجهات، إلاّ أنه يواجه عدّة تحديات قد تبطئ من عمليّة تغيير الوجه الاقتصادي والاجتماعي للغابات التونسية.

تبقى معركة كسر الاحتكار، أحد أهم الاختبارات لمدى جدية الدولة وصدقها

مشروع “سريع الإلتهاب”
سعت وزارة الفلاحة خلال السنتين الفارطتين إلى تسريع نسق عملية التشجير وتعزيز الغطاء الغابي وتحصينه عبر إعادة تهيئة 7 أبراج مراقبة لحرائق الغابات. إلاّ أنها لم تفلح في كبح هذه الآفة الأخطر على الغابات التونسية والتي تلتهم سنويا آلاف الهكتارات مسببة خسائر قد تتطلب عقودا لتعويضها. فمنذ سنة 2011 شهدت تونس قرابة 2000 حريق داخل الغابات أتى على أكثر من 30.000 هكتار، وكانت ذروتها في صائفة سنة 2017 التي شهدت لوحدها اندلاع النيران فيما يناهز 17.000 هكتار مما دمّر الغطاء الغابي تماما في عديد المناطق. معضلة لم تتمكن الهياكل المعنية من حلّها نظرا لضعف إمكانيات أفواج الحماية المدنية، إضافة إلى حالة النقص أو الغياب الكليّ للحرّاس في بعض الغابات وهو ما يحول دون سرعة التدخل عند نشوب الحرائق. إذ يبلغ عدد الأعوان الذين يحرسون الغابات والسباسب وغيرها من المنظومات الطبيعية 7455 عونًا من بينهم 5150 حارس غابات، و123 حارسا لسباسب الحلفاء، و212 حارس صيد و256 حارس برج مراقب. أرقام ضعيفة جدا مقارنة بالمساحة الجملية للمجال الغابي الممتد على كامل الشريط الغربي للبلاد.
أمّا العقبة الثانية التي تواجه تطوير مشروع المشاهد الغابية، فتكمن في هشاشة وضع مجامع التنمية الفلاحية التي انخرط العشرات منها في هذا البرنامج. وهي تعاني كغيرها من الهياكل الفلاحية من سوء التسيير وضعف الموارد المالية وخصوصا التمويل البنكي وإشكاليات التسويق. ممّا يضعها في تحدّ حقيقي بعد الاجراء الحكومي القاضي بإلغاء التراخيص على استغلال الفضاء الغابي بالنسبة للمجامع. وتبقى معركة كسر الإحتكار، أحد أهم الاختبارات لمدى جدية الدولة وصدق إرادة السلطة السياسية في بناء منوال تنموي جديد في الغابات. إذ يسيطر منذ سنوات، 45 شخصا على مقدّرات الغابات التونسية التي تبلغ مساحتها مليون هكتار عن طريق البتّات العمومية، مستفيدين من عائداتها البالغة مئات ملايين الدنانير، على حساب مليون تونسي لا يتجاوز دخلهم الشهري من العمل في تلك الغابات 300 دينار.

 

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في السكن ، تونس ، سياسات عامة ، مجلة ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم