المدوّر: حزام بؤس على خاصرة المرفأ ضاعف الانفجار بؤسه


2020-12-09    |   

المدوّر: حزام بؤس على خاصرة المرفأ ضاعف الانفجار بؤسه

كان يفترض بالمدوّر أن تشكّل منطقة استراتيجية نظراً لموقعها عند المدخل الشمالي لبيروت ولكنها بدلاً من ذلك شكّلت بجزء منها على الأقلّ (الكرنتينا) حزام بؤس آخر على خاصرة المدينة. فقد تحوّلت منطقة المدوّر منذ انتهاء الحرب تدريجياً إلى جزيرة محاصرة تقع على البحر ولكن من دون أن يكون لسكّانها أيّ ممرّ أو منفذ إليه. فشاطئ المدوّر أصبح تابعاً لمرفأ بيروت وتحوّل قسم من المنطقة إلى مساحة للتخزين تابعة للمرفأ وقسم آخر تابع للبلدية خصّصته لمكبّ النفايات والمسلخ، وجاء أوتوستراد شارل حلو ليقسم المنطقة إلى جزئين أحدهما أي الكرنتينا أمعن في بؤسه والثاني بدأ يبني الصلات مع باقي المدينة. ومع ذلك، بقيت هذه المنطقة ملجأ لجنسيّات مختلفة ولنازحين لبنانيّين يعملون في المرفأ أو في مهن صغيرة يعتاشون منها.

ولم يساهم انفجار 4 آب في إعادة صبّ الاهتمام الرّسمي على منطقة المدوّر التي تضرّرت بشكل مباشر كونها تقع على حدود المرفأ. فلا القتلى الذين سقطوا من أبنائها ولا البيوت العديدة التي تهدّمت بشكل كامل ولا العائلات التي تشرّدت، والتي ستزيد حتماً من بؤس المنطقة، هزّت الجهات الرسمية.

هذا التحقيق هو إضاءة على ناس المدوّر بعد التفجير وقبله ويعرّج على تاريخهم الذي يضمّ أسباب بؤسهم الحالي والمستمر. سيتطرّق تحقيق آخر لمنى خشن ينشر هذا الأسبوع على ثلاثة أجزاء إلى التنظيم المدني في الكرنتينا وإلى المشاريع التطويرية المؤجّلة في المنطقة والمحاولات المستمرّة لتهجير سكّانها.

الانفجار يصيب المدوّر مباشرة: دمار ودماء

يوم 4 آب رأت ماري التي تقطن المدوّر منذ العام 1976، وعائلتها سحابة بيضاء بعد سماع هدير يشبه هدير الطائرات. بعد ثوانٍ قليلة، حصل عصف هائل في منزلهم دمّر كلّ شيء فيه. نجوا جميعاً بأعجوبة وبجروح بسيطة. ولكن جروح الوالدة التسعينية استدعت أن ينقلها ابنها إلى المستشفى حيث تنقل عنه ماري أنّ الناس الذين كانوا يصلون إلى الطوارئ مصابين أو مرافقين لمصابين كانوا كالموتى الأحياء. الغبار والدم يغطيان وجوههم والصدمة واضحة عليهم كأنهم في عالم آخر. هول الانفجار وأضراره وعدد ضحاياه وجرحاه وأحوالهم، تجعل ماري لا تنكفّ تردد لتواسي نفسها على الدمار الذي حلّ بمنزلها ودفعها وعائلتها للانتقال عند شقيقتها: “المهمّ بقينا طيبين”.

ماري وعائلتها “بقيوا طيبين” وتضرر بيتهم من الداخل ولكن كثراً في المدوّر لم يبقوا والعديد من بيوتها انهار تماماً. فلم يكف المنطقة البؤس والحرمان ليأتي انفجار المرفأ ويضيف إليه دماً ودماراً. فنظراً إلى قربها من مرفأ بيروت كانت المدوّر أكثر المناطق تضرّراً، وبخاصّة الجزء الملاصق للمرفأ وتحديداً حيّ السيدة وجوارها حيث تهدّمت معظم المنازل وقضت امرأتان بعد وقوع جدران منزلهما عليهما، بحسب السكّان هناك. وفي منطقة “الخضر” في الكرنتينا سقط شخص ضحيّة الانفجار هو الناطور “محمد” في مبنى يضمّ نادياً رياضيّاً بعد أن وقع عليه جزء من جدار المبنى. وفي شارع يقع بين شارع أرمينيا وأوتوستراد شارل الحلو يتحدّث السكّان عن 8 ضحايا سقطوا يوم التفجير، فالشارع يواجه المرفأ ولا يفصل عنه سوى الأوتوستراد. وقتل ثلاثة أفراد من عائلة واحدة هم أم وبنتان في الكرنتينا كما قتلت طفلة لم تتجاوز السبعة أعوام في منزل هو عبارة عن علّيّة قرب محطّة شارل حلو وقريباً منها سقط عاملان بنغلادشيّان يعملان في محطّة بنزين. ومن المؤكّد أنّ قتلى آخرين سقطوا في المنطقة ولكن لا يوجد إحصاءات رسمية بعددهم.

أمّا الناجون من الانفجار فخرج بعضهم بجروح متفاوتة وبعضهم بإعاقات جزئية أو دائمة وبخسارة منازلهم أو أجزاء كبيرة منها هذا عدا عن الصّدمة النفسية التي سترافقهم في الآتي من الأيّام.

وإجمالاً لم يبق منزل صالح للسكن فوراً بحسب المختار السابق جان صليبا، بل كانت جميع المنازل بحاجة إلى تنظيف ووضع “نيلون” مكان الزجاج المكسور. وتهجّر الناس من تلك المنطقة التي لم يبق في بعض بيوتها “حجر على حجر” وانتقلوا إلى منازل أقاربهم أو أصدقائهم في المناطق المجاورة في بيروت أو خارجها، مثل برج حمود والأشرفية، ومنهم من قرّر أن يعيش في منزله رغم الأضرار التي حلّت به. أبو أحمد مثلاً نام على شرفة منزل جاره وكانت مليئة بالزجاج والرّكام. وبعيد الانفجار جاء عدد من الجمعيّات والمتطوّعون لمسح الأضرار والمساعدة في الترميم مثل جمعيّة “فرح العطاء” التي تكفّلت بإعادة ترميم 44 مبنى في المدوّر بعد الحصول على موافقة أصحابها وعلى ترخيص رسميّ وتوزيع الحصص التموينية والغذائية كما قام الجيش والهيئة العليا للإغاثة بمسح الأضرار أيضاً. وأصبح السكّان مجرّد زائرين لمناطقهم خلال النهار للاطمئنان على عملية ترميم منازلهم وتصليح الأضرار التي تجري على نفقتهم الخاصّة بعد وعود من الهيئة العليا للإغاثة بدفع قيمة الترميم.

وكما ردّت الإهراءات دماراً إضافياً كان سيحلّ ببيروت لولاها، ردّ مستشفى الكرنتينا بحكم موقعه معظم تردّدات الانفجار عن منطقة “الخضر” في الكرنتينا حيث اقتصرت الأضرار على تحطّم الزجاج وخلع أبواب المنازل أو المحالّ التجاريّة وتضرّر معظم السيّارات المركونة هناك.

مستشفى الكرنتينا ردّ عن المنطقة دماراً إضافياً

سمّيت الكرنتينا باسمها نسبة إلى المحجر الصحّي أو الكارنتين (Quarantaine) الذي أنشأه العثمانيون قرب المرفأ ليتمّ حجر الجنود وركّاب السفن المصابين بأوبئة لمدّة أربعين يوماً. ولاحقاً بعد تراجع الأوبئة ومعها الحاجة إلى المحجر، أنشئ في الموقع مستشفى بيروت الحكومي الذي يعرف اختصاراً بمستشفى الكرنتينا. وبقي من آثار فترة الأوبئة مركز صغير تابع لوزارة الصحّة لمعالجة مرضى الملاريا الذين كانوا يحجرون سابقاً في المحجر الصحيّ وآخر لمعالجة الأمراض الصدرية.

يتألّف مستشفى الكرنتينا من مبنيين واحد قديم وآخر جديد وقد تعرّضا لأضرار جسيمة في 4 آب وتوضح مديرة المستشفى كارين صقر لـ”المفكّرة” أنّ طوابق المبنى القديم تضرّرت بالكامل، وأصيبت بعض الممرّضات وأفراد من أهالي المرضى بجروح. وأبرز قسم في المستشفى هو قسم الأطفال الذي يضمّ 24 سريراً كانت ممتلئة لحظة وقوع الانفجار ولكن لم يصب أحد من الأطفال بأذى، ويضمّ القسم غرفتين للعناية المشدّدة بالأطفال وغرفة عناية بالأطفال حديثي الولادة وتضمّان 8 حاضنات و8 أجهزة تنفّس. وفي لحظة الانفجار كان في القسم 8 أطفال نجوا جميعاً والمفارقة أنّ أحد الجدران التي سقطت استند إلى إحدى الحاضنات التي منعته من السقوط بالكامل.

وكذلك دمّر طابق العلاج الكيميائيّ وطابق الجراحة العامّة، والطابق الذي كان يتمّ تحضيره لاستقبال مرضى كورونا. وخسر المستشفى حوالي 40% من معدّاته ومن بينها معدّات جديدة لجراحة العين، بحسب صقر. وبالنتيجة لم يكن بالإمكان إسعاف أي من الجرحى الذين قصدوا المستشفى بعد الانفجار.

ونقل المرضى في شاحنة للجيش وليس في سيارات الصليب الأحمر التي كانت مشغولة بنقل المصابين، وتوزّعوا على مستشفى الحياة ومستشفى رفيق الحريري الحكوميّ. وفي قسم الجراحة كان أحد الأطفال يخضع لعملية في بطنه لحظة الانفجار، فطلب الطبيب من أهله المسارعة إلى نقله إلى البقاع وتبعهم إلى هناك حيث استكمل العمليّة ولكنّ جدّته أصيبت بجروح بالغة.

أما المبنى الجديد للمستشفى الذي أنشأه مجلس الإنماء والإعمار بقرض من البنك الإسلاميّ ولم يكن قد بدأ تشغيله بعد، فقد تعرّض لأضرار تقدّر بمليونين ونصف دولار أميركيّ. وكان 70% من المبنى سيخصّص لعلاج الأمّهات والأطفال، ويستطيع استيعاب 70 سريراً. ومن المتوقع أن يعاد ترميمه وإنهاؤه قبل نهاية العام الحاليّ. وحالياً، أعيد فتح جزء من المستشفى بعد ترميمه بالتعاون مع جهات مختلفة تحت إشراف وزارة الصحّة. ويستقبل الجزء المرمّم الأطفال فقط حيث يضمّ 6 أسرّة للأطفال، و5 حاضنات لحديثي الولادة.

وإلى جانب المستشفى، تضرّر المركز الأساسيّ لتوزيع أدوية الأمراض المستعصية التابع لوزارة الصحّة ولكن أعيد تصليحه سريعاً وعاد لاستقبال المرضى بعد أسبوعين على التفجير.

الدمار الكامل حلّ بمستشفى الورديّة الواقع ضمن نطاق المدوّر خصوصاً في الكامل. ولم يبق من الطوابق السبعة سوى آثار دم المرضى والجرحى، والأسرّة والمعدّات المكسّرة. وفقد المستشفى ممرّضة ذهبت ضحيّة الانفجار، في حين استطاع جميع المرضى والعاملين في المستشفى من تأمين الانتقال إلى مستشفى آخر، مع تعرّض بعض المرضى لجروح مختلفة. وكان في المستشفى حوالي 40 مريضاً لحظة الانفجار من بينهم حالة ولادة، عدا عن حالات مصابة بكورونا.

المدوّر كمحطة لجوء أولى

بدءاً من العام 1915 وخلال الأعوام اللاحقة شكّلت المنطقة المحطّة الأولى للأرمن الذين قدموا إلى لبنان بحراً هرباً من الإبادة أيّام العثمانيين. وترافق قدوم الأرمن مع قدوم الأكراد أيضاً عبر البحر. بحسب دراسة لاستديو “أشغال عامّة”، فإنّ سلطات الانتداب الفرنسي أنشأت مخيّماً في الكرنتينا سكن فيه الأرمن في العام 1922 وأطلق عليه اسم “سان ميشال” نسبة إلى القدّيس ميخائيل الأرمني. وبعد سنوات انتقل بعض الأرمن للعيش في مناطق مجاورة للمدوّر، مثل برج حمّود وكرم الزيتون والبدوي. ومن السّكان الأصليين في المنطقة أيضاً عرب تعود أصولهم إلى عشائر الزريقات والعراسنة والنعيمي وسوالمي وعجول. وهم لبنانيون شملهم إحصاء 1932. اشترى العرب الذين أصبحوا يعرفون بعرب المدوّر وعرب المسلخ أراضٍ وبنوا عليها وسكنوا فيها وهم ما زالوا يعيشون في منطقة “الخضر” (ضمن المدوّر) حيث مقام النبيّ الخضر الذي تقول بعض الروايات إنّه أنشئ في العهد العثمانيّ. ونزحت إلى “الكرنتينا” أيضاً عائلات من الجنوب والبقاع للعمل في المدينة وعاش فلسطينيّون في المنطقة أيضاً منذ خمسينيّات القرن الماضي وحتّى انتقالهم إلى مناطق أخرى خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة تحديداً بعد مجزرة الكرنتينا في أوائل الحرب.

في الخمسينيّات أيضاً، أنشأت الدولة اللبنانيّة أوتوستراد شارل الحلو الذي يقع ضمن نطاق “المدوّر”، فاصلاً الأحياء التي تقع إلى غربه عن باقي العاصمة بيروت، ما جعل “الكرنتينا” منطقة محصورة بين المرفأ -لا البحر- وبين الأوتوستراد.

سكّان المدوّر بين الحرب واليوم

لقت منطقة “الكرنتينا” نصيبها من دمويّة الحرب الأهليّة حيث شهدت مجزرة كبرى في كانون الثاني 1976، قتل فيها المئات من السكّان. ولا تزال آثار الرصاص والقذائف ظاهرة على منازل عديدة في المدوّر، عدا عن الأراضي البور (الخالية) التي تعود إلى عائلات هُجّرت من المنطقة ودمّرت منازلها. وعلى جدار أحد المنازل المهجورة الآن، لا تزال تظهر بعض الكتابات القديمة من زمن الحرب. ومن الملفت أنّ بعض أهالي المنطقة الحاليّين يحيلون سبب تعرّضهم لهذه المجزرة إلى الفلسطينيّين الذين قدموا وأنشأوا تجمّعات لهم على أطراف الكرنتينا.

وعلى الإثر نزح معظم سكّان المدوّر إلى خارج المنطقة. فانتقل من بقي من الفلسطينيّين إلى تلّ الزعتر والدكوانة، في حين نزح “عرب المدوّر” إلى مناطق الدكوانة وخلدة وعاليه والجناح وبشامون والجيّة وعرمون وبرجا، وانتقلت العائلات المسيحيّة ومن ضمنها الأرمن الذين كانوا يشكلّون النسبة الأكبر سكنيّاً، إلى برج حمّود والفنار والرّوضة ولكن حافظوا على أملاكهم التي اشتروها. ولم يبق منهم سوى نسبة قليلة في المدوّر في الأحياء ما بين شارع أرمينيا وأوتستراد شارل الحلو، وفي نصف شارع أرمينيا التابع لمنطقة المدوّر. وبتقدير أحد المهندسين الأرمن مهران سفريان فإنّ العائلات الأرمنية التي تسكن في المدوّر حالياً لا تتعدّى الألف ومعظمها عائلات صغيرة. أمّا انتخابياً فبقيت نسبة الناخبين الأرمن هي الأعلى (31500 ناخب على لوائح الشطب من أصل 42 ألفاً)، فهم بحسب المختار السابق “بيضة القبّان”. وهذا ما يفسّر الوجود السياسيّ الأكبر لحزب الطاشناق في المنطقة. أمّا الأكراد، ومعظمهم من أكراد سوريا، فقد نزحوا إلى منطقة السان سيمون وغيرها، خلال الحرب أيضاً. ولم يبق في المدوّر سوى نسبة قليلة جداً منهم.

وحتّى اليوم، لا تزال قضيّة المهجّرين من الكرنتينا عالقة بحيث لم تتمكّن سوى بعض العائلات من العودة إليها وبتعويضات ضئيلة لم تمكّنهم من ترميم بيوتهم كما يجب، فيما أصحاب العقارات التي أسست فيها الميليشيات مقرّات عسكرية وشغلها الجيش اللبناني في مطلع التسعينيّات فلم تعد بعد إلى أصحابها وعددها يناهز الـ150 عقاراً. وتعود معظم هذه العقارات لعرب المدوّر وكانت قيادة الجيش أبلغت لجنة مهجري الكرنتينا- المدوّر بأنّ الإخلاء سوف يتمّ عند إقامة ثكنة جديدة لصالح القطعة التي تشغل هذه العقارات وهو أمر لم يحصل بعد.

ونظراً إلى كونها منطقة شعبية بسبب تردّي الخدمات وأوضاع الأبنية، تنخفض قيمة الإيجارات في المدوّر، وبالتالي تصبح مركز جذب للفئات الأكثر فقراً. وحالياً، يشكّل السوريّون نسبة كبيرة من السكّان (700-800 عائلة) ويعيشون في مختلف أحياء المدوّر، وبخاصّة في منطقة الخضر حيث عرب المدوّر. وكانت المدوّر إحدى المناطق الأساسيّة التي نزح إليها السوريون بعد الحرب في بلدهم. ولكن قبل النزوح السوريّ، كان يعيش عدد من العائلات والعمّال في بعض المنازل. يعمل السوريّون في المرفأ وفي بعض وظائف أخرى كسائقي “ديليفري”، ويستأجرون عدداً من المنازل حيث تسكن عائلة واحدة أو مجموعات عائلات في المنزل نفسه. ويعيش أيضاً بعض العمّال الأجانب في المنطقة، ولكن عددهم قليل نسبياً (20-30 منزلاً). ويعتاش أهالي المنطقة إجمالاً من محلّات صغيرة بين أفران ودكاكين ومحلّات حدادة وخشب ومفروشات، ويعمل عدد منهم في بلديّة بيروت، خاصّة من عرب المدوّر.

في المدوّر، بحسب المختار السابق جان صليبا، 42 ألف ناخبٍ  ولها وحدها 12 مختاراً مقسّمين بين الأحزاب، مع سيطرة لحزب الطاشناق. “المخترة عرف” بحسب صليبا، فيكون عادة 9 مخاتير من الأرمن، و3 للعرب (سنّي واثنان موارنة). تتنوّع الأحزاب الموجودة في المنطقة بين الكتائب والقوّات والطاشناق والمستقبل والاشتراكي. وضمن الناخبين 500 ناخب شيعيّ لكن يعيشون خارج المنطقة ما عدا عائلتين، واحدة في شارع الرهبان وواحدة قرب المسلخ. ولم يكن في المدوّر سوى مدرسة واحدة لم يتأمّن لها عدد كاف من الطّلاب، فأغلقت، وأصبحت المدرسة الأقرب هي “اللعازاريّة” في منطقة الرميل. ويرسل بعض الأهالي أبناءهم إلى مدرسة الحكمة في الأشرفيّة أو مدارس رسميّة أخرى.

“عرب المدوّر”

ورث عرب المدوّر العمل في تجارة اللحوم عن آبائهم الذين امتهنوها منذ الستينيّات. فكان في الخضر مركز لتجارة المواضي (بقر وغنم). “كنّا نذبح ع إيدنا” يقول محمّد يوسف العبادي، قبل أن يستخدموا “السكك” والآلات للذبح بعد أن أنشى المسلخ في أواخر الستينيّات. “كنا ندبح يوميّة 3 آلاف راس غنم ويوزّعوا ع بيروت كلّها، ونرجع ننضّف المسلخ كلّو”، هكذا يفتخر العبادي بالمسلخ “تالت أهمّ مسلخ بالعالم سنة 1968” بحسب ما يقول. وتوظّف حوالي 700 موظّف من العرب في المسلخ، عن طريق بيار الجميل حينها. ولكن يشكو العبادي حالياً من أنّ إغلاق المسلخ أدّى إلى خسارة عدد كبير من الزبائن، عدا أنّ المسلخ كان يؤمّن اللحم لبيروت بكاملها.

بعد التهجير الذي تعرّضوا له خلال الحرب، عادت نسبة قليلة من عرب المدوّر بعد انتهائها، ويعيشون في منطقة الخضر إلى جانب عائلات سوريّة وبعض السكان المسيحيّين، بعد أن كانت هذه المنطقة تضم أكراداً وفلسطينيّين وعائلات من الطائفة الشيعيّة. ويعيش العرب بجوار “مسلخ الكرنتينا” حيث كان يعمل معظمهم. يقول بعض سكّان المنطقة إنّ تسميتهم جاءت على ألسن الأرمن الذين قدموا إلى المنطقة، وربطوا السكّان بالمسلخ، فأصبحوا “عرب المسلخ”.  المسلخ كان تابعاً لبلديّة بيروت، وبحسب أحد كبار السنّ، فإنّ بيار الجميل الجدّ هو من صمّم على تأمين العمل للسكّان والذين كانوا يعملون في تربية المواشي أو التجارة، في مسلخ بيروت. وبشكل تلقائيّ، حمل المسلخ اسم السكّان، فكان يجيب الشخص عن مصدر اللحم الذي يشتريه: من مسلخ العرب. يقول وائل نقلاً عن أبيه، إنّ منطقة الأشرفية وكرم الزيتون كانت مليئة بالنباتات والأشجار حيث كثرت تربية المواشي سابقاً. بعد الحرب الأهليّة اللبنانيّة، استلم الجيش المسلخ، وكان قد أوقف العمل به سابقاً بحجّة حاجته إلى الصيانة. أمّا حزبيّاً، فيتنوّع انتماء الأشخاص بين تيّار المستقبل والحزب الاشتراكيّ (معظم العرب كانوا ينتمون للحزب الاشتراكي خلال الحرب). وخلال الحرب أيضاً طمرت مقبرة الموتى في الخضر، فأصبح عرب المدوّر حالياً يدفنون موتاهم في مقابر قصقص والباشورة وحرج بيروت.

المرفأ هجّر صيّادي المدوّر إلى الدورة

فصلت هذه المنطقة الملاصقة للبحر عنه مع أنّه كان جزءاً أساسيّاً منها. فبعد ضمّ أراضٍ منها إلى مرفأ بيروت، وسيطرة الجيش والبلدية على أراضٍ أخرى، أصبح سكّانها بعيدين كلّياً عن الوصول إلى البحر. ومن أوّل المتضرّرين هم الصيّادون الذين اضطروا إلى الانتقال إلى الدورة لاصطياد الأسماك، وإلى بيعها هناك، بعيدين عن “سوق السمك” في الكرنتينا الذي أصبح الآن لتجارة الأسماك المستوردة. ويشتكي السكّان من تسكير هذا المنفذ على البحر، بعد أن كان الشاطئ “على بعد مترين” كما يروي لنا محمّد، أحد سكّان شارع الخضر. يقول محمّد إنّه كان وأصدقاءه يعدّون “زوّادة” من الخضار والفاكهة ويتوجّهون إلى الشاطئ ليقضوا نهارهم هناك. أمّا وائل، فينقل لنا حديث والده وصديقه عن نزولهم الدائم إلى الشاطئ الذي كانت مساحته كبيرة جداً. والآن، لا يعرف أحد من الجيل الجديد من سكّان المنطقة شاطئها..

أطماع قديمة في شراء عقارات المدوّر وراء إهمال المنطقة

تمتدّ منطقة المدوّر من البحر (المرفأ حالياً) حتى حدود الجميّزة من جهة وحتى حدود خطّ نهر بيروت وشارع أرمينيا من جهة أخرى وتصل لحدود مستشفى الورديّة، وتضم جادة شارل الحلو. وتعتبر منطقة تخزين منذ إنشاء سكة الحديد في مطلع القرن الماضي ولاحقاً لمرفأ بيروت. ونظراً إلى ذلك تشكّل نسبة السكن الحالية في المدوّر 5% بحسب المختار السابق في المدوّر جان صليبا لـ”المفكّرة”، ويقطن المنطقة عدد كبير من السكان واللاجئين ذوي الدخل المحدود الذين يشكون من سوء الخدمات. وتعود معظم الأبنية خصوصاً القريبة من المرفأ لمكاتب وشركات خاصّة أو لمرافق ومؤسّسات تابعة للدولة، إضافة إلى مساحات كبيرة خالية.

التطوّر العمرانيّ خفيف في المنطقة، فمعظم الأبنية قديمة جدّاً، أمّا حديثاً، فظهرت بضعة بنايات حديثة العمران ومعظمها للاستثمار التجاري أو السياحيّ. وفي المنطقة، حانات ليليّة ضخمة وشركات سيّارات (مثل المرسيدس) وشركات تخليص بضائع أخرى تابعة للمرفأ. يقول صليبا إنّ المدوّر أصبحت كجزيرة مقتولة اقتصادياً، فالأوتستراد فصلها عن باقي المنطقة والمرفأ حوّلها إلى مساحة تخزين وأضاف معمل النفايات الملاصق لحيّ الخضر إلى بؤسها روائح وحشرات.

يعيد المختار السابق إهمال المنطقة إلى نيّة السّلطة شراء العقارات بأرخص الأسعار، وهو ما يؤكّده بعض سكّان عرب المدوّر الذين يتحدّثون عن محاولات سابقة في تسعينيّات القرن الماضي لشراء عقاراتهم وأملاكهم، في إشارة إلى مشروع سوليدير تطوير حيّ الخضر. وقد رفض معظم الأهالي بيعها بسبب انخفاض الأسعار المعروضة بحسب المختار صليبا. وتحدّث صليبا عن محاولة تفاوض مع سكان المنطقة لشراء العقارات حين كان رفيق الحريري رئيساً للحكومة، وكانت الأسعار المعروضة منخفضة جدّاً حيث لم تتجاوز 3000 دولار للمتر المربّع الواحد. ولكن يبدو أنّ هذه المحاولات تجددت بعد انفجار 4 آب، إذ تقول ماري إنّ أكثر ما يقلقها اليوم هو الشخص الذي جاء يسأل عن إمكانيّة شراء منزلها المدمّر كما هو، بدون أن تعرف هويّته وحين سألت في الحي قالوا إنّ هناك مشروعاً لضمّ المنطقة للمرفأ. تشي هذه التكهّنات بالخوف الذي يعيشه أهل المنطقة بشكل مستمرّ من المشاريع التطويرية التي تطرح بين الحين والآخر وتهدد بتهجير سكّانها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، أملاك عامة ، الحق في السكن ، الحق في الصحة والتعليم ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، سياسات عامة ، قضايا ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مجزرة المرفأ ، مساواة ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *