القضاء العسكري يرفض مجدّداً استلام أدلّة من ورثة ضحيّة التعذيب بشّار السعود


2023-11-17    |   

القضاء العسكري يرفض مجدّداً استلام أدلّة من ورثة ضحيّة التعذيب بشّار السعود

أرجأت المحكمة العسكريّة الدائمة في بيروت اليوم في 17 تشرين الثاني جلسة المحاكمة في قضية مقتل اللاجئ السوري بشّار عبد السعود في آب 2022 في مركز أمن الدولة في تبنين جنوب لبنان إلى 19 نيسان 2024، وذلك بسبب غياب المحامي بلال الحسيني وكيل الموقوف الوحيد في هذه القضية المعاون يوسف برّي. وفي الجلسة التي ترأسها العميد خليل جابر بحضور معاونة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضية منى حنقير ممثلةً النيابة العامّة، حاول وكيل عائلة الضحية المحامي محمد صبلوح تقديم مستندات اعتبر أنّها “دليل إدانة” وإثبات أن التعذيب ممنهجاً في هذا المركز، لكنّ المحكمة والنيابة العامّة رفضتا استلامها، مما يُظهر مخاطر إقصاء القضاء العسكري لضحايا التعذيب وورثتهم وحرمانهم من أي إمكانية للتأثير في نتيجة المحاكمة.   

الجلسة التي تراقبها المنظمات الحقوقية الدولية كونها أول محاكمة أمام القضاء العسكري بموجب “قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” رقم 65 الصادر في العام 2017، حضرها اليوم ممثلين عن منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش. وكان حاضرًا أيضاً على مقاعد المحكمة رئيس قسم القانون الدولي وحقوق الإنسان في المديرية العامة لأمن الدولة المقدم عماد سلوم. وقد مثل أمام المحكمة المدّعى عليهم النقيب حمزة إبراهيم والمعاونون يوسف برّي وعباس خزعل وفادي فقيه المتهمين بجناية التعذيب، فضلًا عن الظنين الرقيب أوّل خضر زين الدين المدّعى عليه بجنحة التعذيب، علمًا أنّ المحكمة كانت قد أخلت سبيل جميعهم في وقت سابق باستثناء المعاون برّي الذي لا يزال موقوفاً. كما مثل محامو الدفاع عنهم صليبا الحاج، وفادي ضاهر ومروان زين الدين. وخارج القاعة كان الطبيب الشرعي علي ديب الذي عاين جثمان السعود حاضراً ليمثل كشاهد أمام المحكمة، إلّا أنّه بتأجيل الجلسة سيتعيّن عليه القدوم في الجلسة القادمة من جديد لسماع شهادته. 

“النيابة العامة ليست ساعي بريد”

لم تأخذ الجلسة سوى دقائق قليلة من الوقت. فما أن نادى العميد جابر بأسماء المدعى عليهم ووكلائهم، توّجه صبلوح إلى قوس المحكمة طالبًا تقديم أدلة للمحكمة كما فعل في الجلسة السابقة مؤكدًا أنّها أدّلة هامّة تثبت تعرّض السعود للتعذيب. لكنّ العميد جابر رفض استلامها طالبًا منه تقديمها للنيابة العامّة، وقرر مباشرة تأجيل الجلسة لغياب محامي المتهم الموقوف المعاون برّي. فأوضح صبلوح أنّ “مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي فادي عقيقي رفض استلامها مسبقًا حيث قال لي: النيابة العامّة ليست ساعي بريد للمحكمة”. وأمام إصرار العميد جابر على عدم استلامها، أعلن صبلوح أنّ “المحكمة ترفض استلام دليل الإدانة”، فصرّحت القاضية حنقير أنّها ستتواصل مع مفوّض الحكومة  بهذا الخصوص. 

وبعد مرور دقائق، عاد العميد جابر ونادى على صبلوح. ووفقاً لصبلوح، أشار العميد إلى أنّ القاضية حنقير تواصلت مع مفوّض الحكومة، وبناءً عليه قررت رد طلبه لجهة تقديم مستندات إضافية على اعتبار أنّ “المحامي لا يحق له المثول في هذه المحاكمة كونها تتعلق بالحق العام ولا تتناول تعويضات شخصية”. وأضاف صبلوح أن القاضية حنقير صرّحت أنّه “بخصوص القرص المدمج فإنّ مفوّض الحكومة قام بكافة التحقيقات الكافية وتأكد من كافة الوقائع وبالتالي لا توافق على قبول أي طلب ضم في الملف لا سيما وأنّ الملف خرج من عندها”. ومن جهته قرر العميد جابر أنّ “المحكمة لا ترى أي داعٍ لضم شيء إلى الملف”. وفيما يبدو من موقف النيابة العامّة أنّها لم تطلع على الأدلة التي يريد صبلوح تقديمها وأنها ترفض قبول أي دليل بالمطلق، اعتبر مصدر مقرّب من المتهمين لـ “المفكرة” أنّ “جميع هذه المستندات التي تقدّم بها صبلوح موجودة أصلًا في الملف”. 

صبلوح : “الأدلة تثبت أنّ التعذيب ممنهج وليست قضية فردية”

المستندات التي تكلّم عنها صبلوح هي عبارة عن القرار الاتهامي الذي أصدرته قاضية التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا بتاريخ 14 كانون الأول 2021 في الملف الأساسي الذي حقق فيه عناصر أمن الدولة في تبنين مع بشّار وعدد من الشبّان السوريين بشبهة تعاطي المخدرات والانتماء إلى تنظيم داعش. وخلصت تحقيقات أبو شقرا حينها إلى عدم إيجاد أي أدلة على تورط الشبّان بأي أعمال إرهابية وإلى انتزاع أقوالهم الأوّلية من قبل أمن الدولة تحت التعذيب. وكانت النيابة العامّة العسكرية قد طعنت بهذا القرار الاتهامي، إلا أنّ محكمة التمييز صادقت عليه في 1 حزيران 2023 بعد أن تثبتت أنّ أقوال الموقوفين قد انتزعت منهم تحت التعذيب. 

ويشرح صبلوح أنّ “الهام في قرار أبو شقرا هو أنّها ردّت الإفادات الأولية التي ادعت النيابة العامّة بموجبها على الشبّان التي تضمنت اعترافهم بالانتماء إلى تنظيم داعش، وذلك بتأكيدها على أنّ هذه الاعترافات انتزعت تحت التعذيب، ولذلك قررت منع المحاكمة عنهم”.  ويشرح صبلوح لـ “المفكرة القانونيّة” أنّ القرار يؤكد أنّ “التعذيب لم يحصل بالصدفة في مركز أمن الدولة، بل هو ممنهج وليس قضية فردية إذ يتبيّن في قرار القاضية أبو شقرا تعرّض أشخاص آخرين للتعذيب غير بشار.” لكن يأسف صبلوح أنّ استجواب المحكمة للعناصر المتهمين بالتعذيب لم يتناول سوى مقتل بشّار فيما من المفترض أن يطال أيضاً التعذيب الذي تعرّض له موقوفين آخرين خاصّة مع اعتراف القضاء العسكري بحصول ذلك.

والدليل الثاني بحسب صبلوح فهو “قرص مدمج يحتوي فيديو مصوّر لجثمان بشّار وتظهر فيه آثار التعذيب على كامل جسده وبوضوح ومن بينها كسر في رقبة بشّار.” ويلفت صبلوح إلى أنّ هذا الفيديو بمثابة دليل يدحض إدعاء الضابط في أمن الدولة بأنّه تم ضرب السعود بشريط شارج الهاتف وأنّ الوفاة ناتجة عن وعكة صحيّة نتيجة تعاطي بشّار الكابتاغون، فيما الفحوصات المخبرية أكدت أنّ السعود لم يتعاطى أي نوع من المخدرات”. ويشرح صبلوح أنّ “هذه الأدلة كان رئيس المحكمة العميد روجيه الحلو قد طلب منّي تقديمها في الجلسة الأولى كونه لم يجد فيديو في الملف،، وحين أتيت لتقديمها كان قد تمّ تعيين العميد جابر فرفض استلامها وطلب منّي تسليمها للنيابة العامّة، وحين توجهت إلى النيابة العامّة رفض النائب العام استلامها وقال أن أسلمها للمحكمة، لهذا عدت بها اليوم لتسليمها إلى المحكمة.” 

رفض لصلاحية القضاء العسكري في قضايا التعذيب 

ومن هنا، يشرح صبلوح أنّ إحالة الملف إلى القضاء العسكري “تخسرنا ضمانات المحاكمة العادلة”، وهذا يظهر في عدّة أمور، من بينها “منعنا من المثول في المحكمة كطرف مدّعي، ومنعي كوكيل عن العائلة من الاطلاع على الملف.” وعن هذا الأمر، تعلّق المحامية غيدة فرنجية، مسؤولة التقاضي في “المفكّرة القانونية” أنّه وإن كان القانون يحصر الدعاوى أمام القضاء العسكري بالحقّ العام من دون الحقّ الشخصي، أي يمنع الضحايا من المشاركة في المحاكمة كطرف في الدعوى ويستعيض عن ذلك بتمثيل النيابة العامّة لهم، “إلا أنّ القضاء العسكري لا يتخذ أي إجراء من أجل تسهيل تواصله مع ضحايا الجرائم الداخلة ضمن اختصاصه، كونه من واجب النيابة العامّة أن تتلقّى أي إخبار أو معلومات يقدمّها الضحايا حتى لو كانت القضية وصلت إلى المحكمة.” وتوضح أنّ “النيابة العامّة هي خصم في الدعاوى وتمثّل المجتمع ومن واجبها أن تتطلع على أي دليل قد يساهم في إدانة المتهمين بالتعذيب وأن تقرر ما إذا كانت تريد تقديمه إلى المحكمة”. 

وعليه، يُعيد صبلوح كما فرنجية رفض القضاء العسكري قبول الأدلة لغياب ضمانات المحاكمة العادلة أمام القضاء العسكري، وينتقدان إحالة الملف من الأساس أمامه. ويُشار إلى أنّ صبلوح منذ البداية تقدّم بشكوى جزائية بشأن التعذيب أمام النائب العام التمييزي في 8 أيلول 2022 القاضي غسّان عويدات الذي أحاله إلى القضاء العسكري. ثم تقدّم صبلوح بطلب جديد لإحالة ملف التحقيق إلى القضاء العدلي الجزائي، لكن عويدات أحال هذا الطلب أيضاً إلى النيابة العامة العسكرية. وأصدرت أربعة منظمات حقوقية، هي منظمات “هيومن رايتس ووتش”، و”المفكّرة القانونية”، و”منظمة العفو الدولية”، و”منّا لحقوق الإنسان” بياناً في أيلول 2022 طالبوا فيه نقل الملف من القضاء العسكري، الذي اعتبروه “غير العادل بطبيعته”، إلى القضاء الجزائي العادي. 

وعلى خلاف ذلك، خلصت القاضية أبو شقرا في قرارها الاتهامي إلى اعتبار القضاء العسكري مختصّاً للنظر في الملف على خلاف المادة 15 من أصول المحاكمات الجزائية  التي تؤكد على صلاحية القضاء العادي في الجرائم المرتكبة أثناء التحقيقات العدلية،. وقد اعتبرت أبو شقرا أنّ المحكمة المختصّة لمحاكمة جرائم التعذيب هي نفسها المحكمة المختصة لمحاكمة الجرائم التي حصل التعذيب بمناسبة التحقيق فيها، بمعنى أن المحكمة العسكرية تكون مختصّة للنظر في جرائم التعذيب المرتكبة في سياق إجراء تحقيق في جرم يخضع لاختصاصها، كما هي حال جرائم الإرهاب أو العمالة. 

وكانت المفكرة قد انتقدت هذا التحليل القانوني في مقال “التعذيب الممنهج في أروقة أمن الدولة (2): جرائم التعذيب بعهدة القضاء العسكري“. وعن هذا الأمر، تضيف فرنجية أنّ “المعايير الدولية تُجمع على ضرورة إخراج الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كالقتل والتعذيب من صلاحية المحاكم العسكرية”. وتشرح أنّ هذا الأمر يعود لسببين، الأوّل “لاعتبار هذا النوع من الجرائم تخرج بطبيعتها عن نطاق الوظائف التي تمارسها العناصر الأمنية، فلا يمكن اعتبارها من الأفعال التي تُرتكب لدى أداء الوظيفة”، والثاني أنّ “القضاء العسكري قد يميل إلى التستر على هذه الجرائم على حساب الضحايا، مما غالباً ما يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب”. 

وكانت القاضية أبو شقرا قد ادّعت في هذا الملف في 29 تشرين الثاني 2022 على النقيب و4 عناصر بجرائم جنايات التعذيب بموجب القانون رقم 65/2017 لتكون أول محاكمة تجري أمام القضاء العسكري  بموجب هذا القانون منذ إصداره عام 2017. ويتضمن القرار الاتهامي تفاصيل تتعلّق بتعرّض بشّار وموقوفين آخرين في مركز أمن الدولة في تبنين للتعذيب من خلال الضرب والركل واللكم والجلد بشريط كهربائي عرضه 5 ملم، والصعق الكهربائي، والتعليق على الباب واليدين إلى الخلف، إضافة إلى إعطاء أحدهم مسحوق غسيل بدل مياه الشرب، عدا عن تلقينهم إفادتهم وضربهم بشدّة حتّي يدلوا بها، وغيرها من الأساليب القاسية التي فصّلها القرار الإتهامي بشكل مستفيض. وتضمن القرار أيضًا نتائج الفحوصات المخبرية الخاصة بجثة السعود التي تؤكد أنّ الأخير لم يتعاطى أي من المخدرات على خلاف ما كان المتهم النقيب إبراهيم قد أفاد خلال استجوابه  أنّ بشار توفي نتيجة وعكة صحية ناتجة عن تعاطيه الكبتاغون. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية