المحاكمة الأولى لجرائم التعذيب في غياب ذوي الضحية


2022-12-20    |   

المحاكمة الأولى لجرائم التعذيب في غياب ذوي الضحية

انعقدت الجمعة الفائت في 16-12-2022 جلسة المحاكمة الأولى أمام المحكمة العسكرية في بيروت في مقتل الضحية بشار السعود تحت التعذيب على أيدي عناصر من أمن الدولة في مركز تبنين (بنت جبيل، الجنوب) في 30-8-2022.  وهذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها جلسة محاكمة لمتّهمين بالتعذيب بناء لقانون معاقبة التعذيب رقم 65/2017. وقد أعلن رئيس المحكمة بالوكالة العقيد روجيه الحلو في بداية الجلسة أنّها ستكون علنية بعدما كان ينوي عقدها بصورة سرّية، معلّلاً تراجعه باعتبارها قضية حقوق إنسان تهمّ الرأي العام وبحضور مراقبين من منظمات حقوقية والصحافة وهي منظمة العفو الدولية والمفكرة القانونية وموقع المستقبل.

أتت الجلسة بعد 15 يوماً من صدور القرار الاتهامي في 29-11-2022 (الذي علقت عليه “المفكرة”) عن قاضية التحقيق لدى المحكمة العسكرية نجاة أبو شقرا التي اتهمت النقيب المسؤول عن المركز وثلاثة عناصر بجناية التعذيب، وظنّت بعنصر رابع بارتكاب جنحة التعذيب. وقد افتتحت جلسة المحاكمة قرابة الساعة الثانية ظهراً، بحضور رئيس المحكمة والمستشارين ومعاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضية منى حنقير ممثلةً للنيابة العامة العسكرية ومحامي الدفاع عن المتهمين الموقوفين. جلس وكيل الضحية السعود المحامي محمد صبلوح على مقاعد المتفرّجين، إذ أنّ قانون القضاء العسكري لا يسمح للضحية أو ذويه أن يتمثل أمامه، حتى ولو تردد اسمه عشرات المرات على لسان المتهمين الأربعة والظنين وفي روايات تعذيبه وانتهاك حرمة جسده. 

وقد علقت زوجة الضحية في اتصال مع “المفكرة” أنّها كانت تودّ لو تستطيع أن تدافع عن زوجها في المحكمة ” كان بدّي فوت إحضر المحاكمة حطّ عيني بعين لي قتلوا بشار، وإحكيه للقاضي، بدي أدافع عن حق زوجي”. غير أنّ القضاء العسكري لا يكتفي بإقصاء الضحية المدعية من المشاركة في المحاكمة والمثول أمامها والترافع فحسب، بل يمنع الجمهور من حضور الجلسات إلّا بموجب إذن مسبق من رئيس المحكمة.

مجريات الجلسة

خلال الجلسة التي امتدّت لأكثر من ساعة، استجوب الحلو المتهمين الأربعة والظنين في القضية. وقد أجمعت الإفادات على تعرّض الضحية للضرب والركل والرفس والجلد بشريط شاحن الهاتف من قبل المعاون يوسف بري، بعد أن ساعده المعاونان عباس خزعل وفادي فقيه في تثبيته أرضاً وتكبيله من الخلف. كما أجمعت الإفادات أنّ التعذيب جرى بحضور النقيب حمزة إبراهيم (ابن رئيس المحكمة العسكرية الأسبق خليل إبراهيم) في حين لم يكن العنصر الخامس (الرقيب أول خضر زين الدين) حاضراً خلال التحقيق مع بشار لكن ادّعي عليه بجنحة التعذيب بعد إقراره أنّه كان أحياناً يطلب منه صفع المشتبه فيهم أثناء التحقيق معهم. وقد برّر النقيب ضرب الضحية بأنّ الأخير استفزّ المعاون برّي “ما أفقده أعصابه”، وأصرّ أنّ الضحية “لم يمت بفعل الخبيط”.

ولم يتطرّق رئيس المحكمة خلال الاستجواب إلى مدى مخالفة المتهمين لقانون مناهضة التعذيب، ولوحظ استعماله مرّات عدّة بعد استماعه إلى إفادة النقيب عبارة “تحت الضغط” بدلاً من “تحت التعذيب”، في إشارة لما تعرّض له الموقوف الضحية.

وتركزت أسئلته بشكل خاص حول تحديد مسؤولية النقيب ودوره في عملية التعذيب (هل شارك في عملية التعذيب؟ هل بادر إلى ردع عناصره؟). وفي حين عومل النقيب بلين واحترام نسبي من قبل المحكمة، عومل المعاون بري بازدراء ما أدى إلى توترّه وتلعثمه مرات عدّة خلال الاستجواب.

وعلى غرار القاضية أبي شقرا، حصر العقيد الحلو الاستجواب بما جرى داخل مركز أمن الدولة في تبنين من دون التوسع في مدى علم رؤساء النقيب بالممارسات داخل المركز أو مراكز أخرى. 

كما أنّ لا المحكمة ولا النيابة العامة ولا فريق الدفاع طلبوا الاستماع إلى سبعة موقوفين سابقاً في مخفر تبنين ثبت في تقارير من أطباء شرعيين تعرّضهم للجلد فيه، رغم أهمية شهاداتهم. وقد زاد هذا الأمر من تغييب ضحايا التعذيب عن محاكمة جرائمه. كما لم يستعن رئيس المحكمة بالمعلومات الواردة في تقارير الطب الشرعي بمعاينة الضحية بشار ولا تلك الواردة من الموقوفين الآخرين ومن إفاداتهم ومنها تعرّضهم لأشكال تعذيب عنيفة. ومن أهم تلك الأشكال: الجلد، الركل، الضرب، اللكم، الصعق، الحرق، التعليق على باب من الأطراف، ممارسة التعذيب بصورة جماعية، التقاذف كالكرة، إعطاء الموقوفين ماء فيه مسحوق غسيل مذوّب، إجبار الموقوفين على ضرب بعضهم البعض، عصب العينين، التكبيل وشدّ الأصفاد. وكلها وسائل جرمية عنيفة جداً لم يُذكر أي منها خلال المحاكمة. 

وقد أرجئت الجلسة إلى 5-5-2023 لاستكمال إجراءات المحاكمة والاستماع إلى إفادة الطبيب الشرعي، وتوجّه الحلو بدايةً إلى قلم المحكمة بطلب تزويد الملف بصور ملوّنة للجثة على قرص مدمج، واقترح محامي الضحية محمد صبلوح تأمينها للمحكمة، فكلفه القاضي بذلك.   

النقيب: أمر وشهد ولم يردع

أول المستجوبين كان النقيب المتهم ابراهيم الذي تظهر مسؤوليته جلية من خلال إعطائه الأمر بالتعذيب وحصوله بحضوره والموافقة عليه وعدم إيقافه وردعه.

وقد اعترف النقيب بأنّ المعاون بري هو من قام بضرب الضحية بحضوره وبأمر مباشر منه، وبأنه لم يبادر إلى وقفه عن فعل الضرب بشكلٍ حاسم بل اكتفى “بإيماءة منه”، وبرر النقيب الذي انتقل إلى مركز أمن الدولة في تبنين قبل سنة وعشرة أشهر تقريباً، ضرب المعاون للموقوف بأنّه يتعامل مع متهم بقضية إرهاب، وأنّ القوات الخاصّة في أمن الدولة أحضرت السعود عند الساعة الخامسة صباحاً إلى مركز تبنين، مع موجز عن اعترافاته أكّد فيها على أنه قاتل في صفوف داعش وأنه كان يقطن قرب منزل أبو بكر البغدادي، وأنه قام بتهريب سلاح ومؤن. وقد بدا موقفه هذا في تعارض تام مع قانون معاقبة التعذيب الذي يمنع التذّرع بمقتضيات الأمن لتبرير التعذيب، وهو ما أكّد عليه أيضاً القرار الاتهامي.

ونفى النقيب وجود توقيع للضحية على أقواله واعترافاته. كذلك أكد على استلامه الموقوف من دون وجود علامات تعذيب على جسده، ما يؤكد أن جميع علامات التعذيب البادية على جثته هي نتيجة ما حصل في مركز أمن الدولة في تبنين.

كذلك برر النقيب ضرب المعاون بري للسعود بأنه “ردة فعل” على  تصرّف الأخير بعدائية تجاهه ما “أفقده أعصابه”.

وهنا وجّهت ممثلة النيابة العامة العسكرية القاضية حنقير سؤالها إلى النقيب: “هل كان توقيف بشار على خلفية اعتراف متهمين بالإرهاب عنه؟” فأجاب بنعم. فردّت بأنّه في العمل الإرهابي يتم إخفاء الهوية الحقيقية والاسم الحقيقي لأفراد المجموعة ويتم التداول بالاسم الحركي فكيف تمّ التعرّف على السعود؟ فأجاب بأنّ الموقوفين أدلوا باسم والدته وهذا ما أكّد هويته، وأنّ هناك رابطة قرابة بين السعود وأحد الموقوفين في المجموعة الإرهابية الذي قام السعود بتجنيده بحسب أقوال النقيب. تجدر الإشارة إلى أنّ النقيب أشار خلال الاستجواب إلى أنّ الاسم الحركي للسعود بحسب اعترافات الموقوفين هو “أبو مهند”. ولكن عندما ناداه النقيب، أوضح له السعود أنّ اسمه الحركي هو “أبو خصي”، ولم يتم التوقّف عند هذا التفصيل من قبل العقيد الحلو او حنقير.

مسؤولية النقيب أكدتها أيضاً اعترافات المعاونين خزعل وفقيه اللذين أكدا وجوده خلال التحقيق مع السعود وإعطاءه الأمر للمعاون بري بضرب الضحية، والاكتفاء بإيماءة منه للتوقّف. أما المعاون بري فقد أكد خلال استجوابه أنه “عبد مأمور” وأنه ينفذ أوامر النقيب. 

الاستفزاز كتبرير للتعذيب

يبرر النقيب خلال استجوابه أنّ ضرب الموقوف كان “ردة فعل” على عدائيّته في أكثر من موقف. أول تلك المواقف هي بعد انتهاء إجراءات النقيب إبراهيم من التأكد من هوية الموقوف وسؤاله عن اسم والدته ليجيبه السعود “إيه يا حج”، إجابة بدا أنّها استفزت النقيب والحاضرين حيث رد النقيب: “شو مفكرنا بحزب الله، وصار السعود يطلّع بالشباب”.

التصرف الثاني للضحية الذي أثار حفيظة المعاون بري بحسب النقيب هو عندما طلب السعود الماء وحين قدمه له بري أخذه منه السعود بعنف ما تسبب بجرح يد المعاون بأصفاد الضحية، عندها “فقد بري أعصابه وقام بضربه بشريط شاحن الهاتف”. فسأل العقيد حلو النقيب عن سبب عدم تدخّله لوقف بري عن الضرب؟ فأجابه النقيب أنه أومأ إليه بعينيه. ثم سأل العقيد بطريقة تهكمية عن مدى قوة شريط الشاحن الذي أثر في جسد الضحية “شو هالشريط الشارجير (الشاحن) معمول من الفولاذ ليعلّم هالقد على جسمه؟”. وأضاف الحلو بالسؤال أنّ كل هذا حصل ولا يوجد محضر تحقيق مفتوح؟ فأكّد النقيب بأنه لم يكن هناك محضر.

التصرف الثالث الذي أفقد بري أعصابه أيضاً بحسب النقيب هو أنّه عندما فرغ بري من ضربه بشريط الشاحن، ضرب الموقوف نفسه بالأصفاد فقام المعاونان الآخران بتكبيل يديه وراء ظهره. حينها رفس السعود برّي فثارت ثائرته من جديد و”فقد أعصابه”. وتابع النقيب  “بري كان بحالة هستيرية وفقد أعصابه، فقلت له قوم عنه خلص شكله متعاطي، وعندما سمع كلامي هز برأسه موافقاً، عندها سألته مجدداً، متعاطي؟ أديه؟ حبة واحدة؟ بعدها وخلال تسعة دقائق بدأ السعود يتلعثم في الكلام وسقط أرضاً”.

وهنا أيضاً سأل العقيد الحلو “بري فقد أعصابه مراراً لماذا لم تتدخل لإيقافه؟”، وهنا رد النقيب “بري هو رتيب اتعلّم عليه باللباس المدني وداخل مركزه بدّو يتعدى عليه، نحن عم نحقق بقضية إرهاب، أنا ما بقدر عيّط على بري أو وقفوه وخلّيه يفقد هيبته قدام الموقوف وقدام زملاؤه الأقل منه رتبة”، علماً أن المتواجدين في الغرفة (خزعل وفقيه) هما أيضاً برتبة معاون.

النقيب مصرّاً”: “لم يمت بفعل الخبيط”

بعد ذلك، عاد العقيد ليطرح على النقيب أسئلة أخرى منها: بالنسبة إلك الكدمات كلها ناتجة عن يلي عملو بري؟ شريط شارجير هالقد بيعمل؟ فوافق النقيب مصرّاً أنّ ضرب الموقوف لم يتم بأكثر ممّا تم ذكره، وأنّ الموقوف “لم يمت تحت الخبيط” في إيحاء منه أنه توفي نتيجة لتعاطيه مخدّر الكبتاغون.

وسأله العقيد الحلو عمّن أعطى الإشارة لإجراء فحص بول للجثة، فأجاب النقيب أنه لم يكن هناك أي إشارة من النيابة العامة وأنّه هو من أصدر الأمر بإجراء الفحص، وكما جاء في القرار الاتهامي “الفحص أجري ولكن ليس لمادة الكبتاغون”. وهنا قال العقيد الحلو إن نتيجة الفحص الذي أجري على الجثة لـ 12 نوعاً من المخدرات جاءت سلبية ولا وجود لكلمة كبتاغون في النتيجة، وأنّ الفحص أجري في المرة الأولى بدون إشارة من النيابة العامة أما في المرحلة الثانية فأجري بناء على إشارة. وتجدر الإشارة إلى أن من بين المواد التي أجري عليها الفحص هي “الأنفيتامين” وهي المادة المكوّنة للكبتاغون، وسبق لقاضية التحقيق نجاة أبو شقرا أن أوضحت هذا في القرار الاتهامي وتم التعليق على ذلك في مقالة  للمفكرة القانونية.  

أدوات التعذيب وغرفة التحقيق

كذلك تطرّق العقيد الحلو أثناء استجواب النقيب إلى وجود غرفة خاصة للتحقيق مزودة بكاميرات ومعدات تسجيل في المركز، طارحاً أسئلة عدة منها: “هل القاعة مخصّصة للتحقيق؟ ما في كاميرات توّثق يلي صار؟ … إذا في كاميرا توثّق الأحداث هيّ عبارة عن مستند كامل لإدانة المتهم أو تبرئته”. فرد النقيب عدم وجود غرفة خاصة بالتحقيق ويوجد كاميرات ولا معدات تسجيل صوتي، آملاً أن يكون هناك غرفة تحقيق خاصة “نحن مش مجهزين بالإمكانيات اللازمة”.

وعن عرض الطبيب الشرعي لصور تؤكد وجود علامات تعذيب بالجلد والسجائر وغيرها، أكّد النقيب والمعاونون أنّ الضرب مورس من قبل المعاون بري باليدين والرجلين وشريط شاحن الهاتف. عندها تدخّلت حنقير قائلةً يعني “إما الطبيب ما اشتغل صح أو الإفادات مش مزبوطة”، وأضافت متسائلة “يعني التعذيب هو نتيجة انفعال من بري وردة فعل منه؟”

تشدد في استجواب المعاون بري

استجواب المعاون برّي لم يتم بالرفق الذي تمّ فيه استجواب النقيب. فقد صرخ فيه العقيد الحلو طالباً منه الوقوف ثابتاً. وقد تلعثم كثيراً خلال إدلائه بإفادته، ما اضطرّ العقيد الحلو إلى تكرار سؤاله، كذلك عبّرت حنقير مراراً عن ضرورة أن يعطي جواباً واضحاً وصريحاً.

وركّز رئيس المحكمة في أسئلته على دور المعاون بري في التحقيق، وإن كان الضرب قد تمّ بأمر من النقيب، كذلك عن عدد المرات الذي مارس فيها الضرب على موقوفين. وقال الحلو “يعني إنت بتنزل بتعرض عضلاتك ورجوليتك على الموقوفين؟” 

وأجاب المعاون الذي يقطن قرب المركز أنّه تمّ استدعاؤه من قبل النقيب في تلك الساعة “لأن ما في حدا”، وأضاف أنّ وظيفته في المركز هي “الاستعلام” ولا دخل له بالتحقيق، لكن غالباً ما يتم الاستعانة به في التحقيق. 

وكان العقيد الحلو مصرّاً على معرفة ما إذا كان بري قد ضرب أي موقوفين بشكلٍ عام قبل التحاق النقيب حمزة بالمركز، والتأكد ما إذا كانت المرة الأولى الذي يقوم بضرب أحدهم؟ ووجه له أسئلة عدة منها: “إنت مش أول مرة بتمدّ إيدك على حدا؟” فأجاب بري “كلا”، “هل هالشي بيصير بأمر من النقيب؟” فرد “نعم”، فسأله الحلو “هل هالشي كان يصير مع نقباء سابقين؟” فرد بري “ما بعرف” وبدا عليه التوتر وتلعثم.

ثم عاد العقيد الحلو ليستفسر من جديد إن كان بري قد مارس التعذيب قبل مجيء النقيب حمزة، وهنا أعطى بري جواباً حاسماً، أنّه قبل التحاق النقيب حمزة بالمركز لم يطلب منه التحقيق مع موقوفين، وأنّه بدأ بلعب هذا الدور مع مجيء النقيب حمزة  إلى المركز وبأمر منه، علماً أنّ المعاون بري يخدم في المركز منذ عشرة أعوام.

يستفسر بعد ذلك رئيس المحكمة الحلو من المعاون بري عن سبب عدم رفض تنفيذ أوامر النقيب “الغلط” قائلا: “إنت بتنفذ أوامر غلط؟” فأجاب بري بأنه “عبد مأمور”، ثم سأله الحلو “إنت عم تضرب موقوف، هيدا الشي صح أم غلط؟” فأجاب بري” الشعار الذي تعلمته هو نفذ ثم اعترض”، فبادره الرئيس الحلو بسؤال “ولكن هل اعترضت شي مرة؟” فأجاب بري بالنفي. وتجدر الاشارة إلى أن قانون معاقبة التعذيب يمنع التذّرع أيضاً بأوامر الرؤساء لتبرير التعذيب.

كذلك سأل الحلو عن تعرضه للموقوفين في القضية ذاتها غير السعود: “الموقوفين لي قبل السعود كمان اتعرّضوا للخبيط؟ من مين؟”، فأجاب بري “نعم مني أنا”، فسأله الحلو “بأمر من مين؟” فأجاب بري “بأمر من النقيب”، عندها قال الحلو “بأمر من النقيب أم بتغاضي من النقيب؟” فلم يجب بري على السؤال.

وأكّد المعاون بري أنّه ضرب الموقوف السعود مرات عدة بشريط شاحن الهاتف، وركله بحذاء رياضي في رجله، وسأله الحلو “ما كنت لابس بوط عسكري”، فأجاب بري بالنفي.

وسأله العقيد “النقيب كان موجود وما تدخّل؟” فأجاب بري أنّ النقيب حمزة  لم ينهَهُ عن فعله بل طلب منه فقط التوقّف عن الضرب المبرح وتوجيه ضرباته على الأطراف “صار يقلي إضرب هون وهون”. وسأل العقيد الحلو عن شريط الشاحن فأجاب بري أنه اهترأ خلال التحقيق فرماه في سلة المهملات”. 

المعاونان خزعل وفقيه والرقيب أول زين الدين

تركّز استجواب المعاونين خزعل وفقيه اللذين استلما الموقوف وكبّلاه وجرّاه إلى داخل المركز في البداية، ثم عاونا المعاون بري على تثبيته أرضاً وتكبيل يديه من الخلف، أيضاً حول هوية من قام بالضرب والتعذيب، ومسؤولية النقيب حمزة. وقد أكد الاثنان أنّ بري ضرب السعود وحده بناء على أمر من النقيب وبحضوره. وشدد العقيد الحلو على مدى وجود سوابق للنقيب إبراهيم وإن كان قد أمر سابقاً بتعذيب موقوفين. أنكر خزعل معرفته أو سماعه للنقيب وهو يعطي أوامر بتعذيب أي من الموقوفين في حوادث سابقة كونه يعمل في الاستعلام وليس في التحقيق.

وقد توجهت حنقير بعدد من الأسئلة إلى خزعل منها: “كيف ضربو السعود لبري لمّا أخذ منه الماي؟” فمثل لها بالإشارات ما حدث، ثم توجهت بالسؤال إلى بري، “وهل الجرح ما زال موجوداً؟” فأجاب بري أنّ الحادثة مرّ عليها ثلاثة أشهر.

أما المعاون فقيه فقد رد بالإيجاب على سؤال العقيد الحلو عمّا إذا كان يرى ما قام به بري مبالغاً فيه. وعندما استطرد العقيد الحلو مستوضحاً “يعني النقيب قلّو وقف وما وقف؟”، وافق المعاون فقيه “قلّو وقّف وما وقف”.

أما الرقيب أول زين الدين فأكد أنّه لم يكن موجوداً خلال التحقيق مع عبد السعود، وأنه غالباً ما يضرب الموقوفين “كف” بأمر من النقيب. “النقيب كان يقلّي أضرب هيدا كف”، وأكد أنه في إحدى المرات شاهد بري وهو يقوم بضرب أحد الموقوفين وقال له “ما تعيدا”.

وسأله العقيد حلو: “كم مرة طالب منك النقيب تضرب كف؟”، وإذا شي مرة سمعت إنّه النقيب أعطى أمر للعناصر بضرب حدا؟” فأجاب زين الدين “أنا ولا مرة شفت”.

 محامو الدفاع وقرار المحكمة

وقد وجّه محامو الدفاع صليبا الحاج (وكيل النقيب ابراهيم)، وبلال الحسيني (وكيل المعاون بري)، وفادي ضاهر (وكيل المعاون فقيه)، ومروان زين الدين (وكيل الرقيب أوّل زين الدين) عدداً من الأسئلة إلى رئيس المحكمة منها: هل أعلمَ أحدٌ المتهمين بتعديل المادة 401 من قانون العقوبات؟ وهل أعلمتهم المديرية قوى أمن الدولة بنص القانون /65/2017؟ وأفاد المحامي مروان زين الدين “أنّ ثلاثة أرباع الموقوفين الذين تم الاستماع إليهم اليوم، خلال نهار المحاكمات الطويل،  قالوا انهم تعرّضوا للضرب، فهذا أمر متعارف عليه وموجود لدى المخابرات والشرطة”. لكن لم يجب المتهمون على الأسئلة كونها لم تكن موجّهة إليهم.

وطلب المحامون في نهاية الجلسة الحصول على الفحوصات المخبرية التي أجريت على جثة الضحية من الأدلة الجنائية، التي تأخر تسليمها. وبحسب المحامي صبلوح فإنّ الطبيب الشرعي بانتظار هذه الفحوصات لإصدار تقريره النهائي. وقد طلب منهم العميد الحلو وضع مطالبهم في مذكرات خطية تتوجه لقلم المحكمة.

زوجة بشار لم تودع زوجها حتى بجنازة

تعبتر حمدة السمير زوجة الضحية بشار السعود في اتصال مع “المفكرة” أنّ الظلم الذي لحق بها وعائلتها وصل حد دفن الجثة من دون إعلامهم، فهي كانت تعتقد أنّ الجثة ما زالت في البراد، وأنهم يحتاجونها للتشريح. وعلى الرغم من تأكيد رفضها استلام الجثة لحين جلاء الحقيقة، إلّا أنّ ذلك لا يعني برأيها أن يقوموا بدفنها من دون إعلام العائلة. “ما حدا اتصل فينا، ما مشينا بجنازته وما عرفنا وين اندفن”. وتضيف أنّ هذه المسألة صعبة جداً عليها وعلى والدة الضحية: “كيف ميت بدون قبر وين أولاده بدهم يزوروه بس يكبروا ويعرفوا مكانه”. وتعلّق حمدة على وقائع القرار الاتهامي الذي أطلعها عليه المحامي صبلوح، قائلةً “كيف يمكن لشخص موقوف مكبّل بالأصفاد ومطمّش العينين أن يعامل العسكري بعدائية”، وتنهار باكية وهي تردد أساليب التعذيب التي مورست عليه “شلون يضربوه على رقبته وأنفه لو كان حديد راح ينكسر ويموت”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، المرصد القضائي ، أجهزة أمنية ، محاكم عسكرية ، قرارات قضائية ، محاكمة عادلة وتعذيب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية