إرجاء جلسة المحاكمة في مقتل بشار السعود تحت التعذيب وعودة عن مكافأة المتهم


2023-05-05    |   

إرجاء جلسة المحاكمة في مقتل بشار السعود تحت التعذيب وعودة عن مكافأة المتهم
رسم رائد شرف

أرجأت المحكمة العسكرية في بيروت اليوم الجمعة في 5 أيار 2023 جلسة المحاكمة الثانية في قضيّة مقتل المواطن السوري بشار السعود تحت التعذيب أثناء التحقيق معه على يد عناصر من مركز أمن الدولة في تبنين، الجنوب في 30 آب 2022. وقضية مقتل السعود هي أوّل محاكمة لمتّهمين بالتعذيب بناء لقانون معاقبة التعذيب رقم 65/2017. ومثل أمام المحكمة المتهمون الخمسة من عناصر أمن الدولة، كما وراقب الجلسة كلّ من وكيل عائلة السعود المحامي محمد صبلوح ومنظمات حقوقية هي منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” وصحافيون من جريدة الأخبار و”المفكرة القانونية”. وقد أرجأت المحكمة الجلسة بسبب غياب محامي أحد عناصر أمن الدولة المتهمين بالتعذيب إلى تاريخ 17 تشرين الثاني 2023.

“لا صفة قانونية” لوكيل عائلة الضحيّة لتقديم أدلة أمام المحكمة

انعقدت الجلسة الثانية المقررة في قضيّة مقتل بشار أمام المحكمة العسكرية برئاسة العقيد خليل جابر وبحضور معاونة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضية مايا كنعان. ومثل أمامها المتهمون النقيب حمزة إبراهيم والمعاونون يوسف برّي وعباس خزعل وفادي فقيه، فضلًا عن الظنين الرقيب أوّل خضر زين الدين، علمًا أنّ المحكمة كانت قد أخلت سبيل جميعهم باستثناء المعاون برّي. كما مثل محامو الدفاع عن المتهمين صليبا الحاج، وبلال الحسيني، وفادي ضاهر، ومروان زين الدين. وأُرجئت الجلسة بسبب غياب محامي الدفاع عن المعاون برّي.  

وخلال بضع دقائق قبل إرجاء الجلسة، طلب وكيل عائلة الضحية المحامي محمد صبلوح تقديم المستندات التي كلّفه الرئيس السابق للمحكمة العميد روجيه الحلو تقديمها في الجلسة الأولى، وهي صور ملوّنة للجثة توضح آثار التعذيب الوحشية (علامات تعذيب بالجلد والسجائر وغيرها). وتكمن أهمية هذه الصور في أنها تنقض إفادات العناصر خلال الجلسة السابقة باستعمال “شريط شاحن الهاتف” فقط لضرب الضحية. اعترض وكلاء الدفاع على تقديم صبلوح للمستندات، ليأتي جواب رئيس المحكمة العقيد جابر سريعًا أنّ “لا صفة قانونية” لصبلوح لتقديم هذه المستندات ولا يمكن قبولها، طالبًا منه تقديمها بواسطة النيابة العامّة العسكرية لتطلب هي ضمّها إلى بالملف.

وصبلوح كونه وكيل الضحية لا يشارك في المحاكمة، إذ أنّ القضاء العسكري لا يسمح للضحية المدّعية أو ذويها (زوجة الضحية بشار السعود حمدة السمير) أن يمثلوا أمامه، أو أن يشاركوا في المحاكمة، ولا حتى أن يحضروا الجلسات إلّا بموجب إذن مسبق من رئيس المحكمة.

وردًا على إصرار صبلوح بأنّ الرئيس السابق الحلو هو من طلب منه تقديم المستندات، أجاب العقيد جابر: “نحن هيئة جديدة”. ثمّ تدخّلت ممثلة النيابة العامّة مايا كنعان اعتراضًا على تقديم المستندات أمام النيابة العامّة كون الملف موجود لدى المحكمة، وطالبت بالسماح بوضع المستندات في قلم المحكمة كونها تنظر في الملف. وانتهى النقاش إلى أن يقدّم صبلوح المستندات إلى النيابة العامة.

وكان صبلوح قد صرّح لـ “المفكرة” قبيل الجلسة أنّه حاول تقديم المستندات إلى قلم المحكمة، إلّا أنّ رئيس القلم رفض استلامها، مشيرًا إلى أنّه سيقدّمها مع مراسَلة صادرة عن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعنيّ بحالات الإعدام خارج القضاء وموّجهة إلى الحكومة اللبنانية.

واللافت أنّ الطبيبين الشرعيين اللذين أرجئت الجلسة الأولى للاستماع إلى إفادتهما إضافة إلى استكمال إجراءات المحاكمة، لم يتواجدا في قاعة المحكمة اليوم بالرغم من تأكيد أحد محامي الدفاع صليبا الحاج، أنهما تبلّغا موعد هذه الجلسة. كما أنّ محامي الدفاع طالبوا في نهاية الجلسة الأولى الحصول على الفحوصات المخبرية التي أجريت على جثة الضحية من الأدلة الجنائية، إلّا أنّها لم تسلّم حتى تاريخه.

إخلاءات سبيل وتراجع عن مكافأة المتهم

اللافت أنّه بعد الجلسة الأولى، قامت المحكمة بإخلاء سبيل النقيب وجميع العناصر المتهمين بكفالة، ما عدا المعاون برّي الذي لا يزال موقوفًا حتى تاريخه، من دون أن تستأنف النيابة العامّة العسكرية قرارات إخلاء السبيل. وتزداد فداحة الموضوع تبعًا لتداول خبر مكافأة النقيب إبراهيم المتهم بالتعذيب والمسؤول عن المركز الذي قُتل فيه بشار بتعيينه في مركز رئيس مكتب أمن الدولة في النبطيّة. ولم يتراجع جهاز أمن الدولة عن هذه الترقيّة وأعاد وضع النقيب في ديوان المدير العام إلا بعد نشر فضيحة فرار أحد الموقوفين من مركز أمن الدولة في بيروت في 9 نيسان 2023. وصدر بيان عن المديرية العامة لأمن الدولة في 2 أيار الجاري جاء فيه أنه: “عطفاً على قرار المحكمة العسكريّة، القاضي ببدء جلسات المحاكمة في قضيّة وفاة أحد الموقوفين في مركز بنت جبيل، يوضع الضّابط والعناصر موضوع التحقيق، في ديوان المدير العام لحين انتهاء المحاكمات، ويوضع أيضًا الضابط والعناصر، موضوع التحقيق في قضيّة فرار أحد السّجناء من مديريّة بيروت، في ديوان المدير العام، لحين انتهاء التحقيقات وجلاء ملابسات القضيّة”. هذا مع العلم أنّ جلسات المحاكمة في قضيّة وفاة السعود كانت قد بدأت منذ الجلسة الأولى في 16 كانون الأول 2022 أي قبل خمسة أشهر على وضعه في الديوان.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتمّ ترقية مشرف على تحقيق في قضية تعذيب، ففي مظلمة زياد عيتاني تمّت ترقيّة الضابط فراس عويدات الذي أشرف على التحقيق معه حيث تعرّض عيتاني لأشدّ أنواع التعذيب. وقد طالبت “المفكرة” حينها أن يتمّ “إلغاء مرسوم ترقية الضابط لعدم جواز تقرير أي ترقية قبل إنهاء التحقيقات في الشكوى المقدمة ضده، حيث تشكّل أي ترقية في ظروف كهذه تحويراً للسلطة وبمثابة درس سلبي للعناصر الأمنية كافة بقدرتها على انتهاك القوانين من دون أي عقاب”. واللافت أن عويدات قد وُضع أيضًا في ديوان المدير العام بالتزامن مع الضابط إبراهيم، وفقاً لما جاء في بيان أمن الدولة.

ماذا حصل في الجلسة الأولى؟

انعقدت الجلسة الأولى في هذه القضية  في تاريخ 16 كانون الأول 2022، أمام رئيس المحكمة العسكرية (السابق) العميد روجيه الحلو، بعد صدور القرار الاتهامي في 29 تشرين الثاني 2022 عن قاضية التحقيق لدى المحكمة العسكرية نجاة أبو شقرا التي اتهمت النقيب المسؤول عن المركز، حمزة إبراهيم (ابن رئيس المحكمة العسكرية الأسبق خليل إبراهيم) وثلاثة عناصر بجناية التعذيب. وهم المعاونون يوسف برّي وعباس خزعل وفادي فقيه. وظنّت بعنصر رابع هو الرقيب أول خضر زين الدين، بارتكاب جنحة التعذيب. وقد عمدت “المفكرة” تعليقًا على القرار الاتهامي، إلى نشر مقالتين حول القضية، الأولى توضح الرواية وتفاصيلها والثانية تتناول الحجج التي وردت في القرار لإعلان صلاحية المحكمة العسكرية ومدى ملاءمتها.

وخلال تلك الجلسة، استجوب الحلو المتهمين الأربعة والظنين في القضية. وقد أجمعت الإفادات على تعرّض الضحية بشار للضرب والركل والرفس والجلد بشريط شاحن الهاتف من قبل المعاون بري “كردّة فعل” على استفزاز بشار له. كما أجمعت الإفادات أنّ التعذيب جرى بحضور النقيب إبراهيم الذي لوحظ أنّه عومل بلين واحترام نسبي من قبل المحكمة مقارنةً بالآخرين وبخاصّة المعاون برّي.

وكانت الجلسة الأولى من هذه المحاكمة أرجئت لاستكمال إجراءات المحاكمة والاستماع إلى إفادة الطبيب الشرعي. وقد توجّه رئيس المحكمة السابق روجيه الحلو آنذاك إلى قلم المحكمة بطلب تزويد الملف بصور ملوّنة للجثة على قرص مدمج، واقترح محامي عائلة الضحية محمد صبلوح تأمينها للمحكمة، فكلّفه القاضي بذلك.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، احتجاز وتعذيب ، محاكمة عادلة ، قضاء ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، محاكمة عادلة وتعذيب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية