القرار الاتهامي في الجريمة “التكفيرية” في المنية: عقاب شرعي أم ردة فعل على استفزازات الضحية؟


2019-04-25    |   

القرار الاتهامي في الجريمة “التكفيرية” في المنية: عقاب شرعي أم ردة فعل على استفزازات الضحية؟

هل تذكرون الشاب محمد عادل الدهيبي الذي تم قتله في المنية بطريقة وحشية بحجة “شتمه العزة الإلهية” وفق ما تداوله ناشطو التواصل الاجتماعي بشكل واسع؟ الهيئة الاتهامية[1] في طرابلس نظرت في قضيته وأصدرت قرارها فيها بتاريخ 14/3/2019، وهو قرار لم يطلع بعد الرأي العام على مضمونه. وأكثر ما يلفت في قرارها المذكور هو أنه انتهى إلى نتائج مناقضة لما كان توصّل إليه القرار الظني الصادر بتاريخ 23/10/2018 عن قاضية التحقيق الأولى سمرندا نصار، سواء فيما يتصل بالوقائع أو بالنتائج القانونية المترتبة عليها.

وللتذكير، تعود هذه القضية إلى أواخر شهر آب المنصرم، حين استيقظ أهالي منطقتي المنية –الضنية ودير عمار، صبيحة يوم الأحد في 26/8/2018، على حادثة مقتل الشاب الأربعيني محمد عادل الدهيبي في منطقة برج اليهودية على يد إمام وخطيب جامع “الضيعة الكبير” “خالد الدهيبي” وإثنين من أشقائه. وقد وُصفت آنذاك الجريمة على مواقع التواصل الاجتماعي بـ “الداعشية”، لجهة دوافعها وأسلوب تنفيذها. فقد جرى الحديث على هذه المواقع بأن الدافع للجريمة تمثل في قيام القتيل بشتم العزّة الإلهية أمام الشيخ الذي أفتى بوقوع الحدّ عليه وتنفيذ حكم الإعدام به، بعدما نطق بالكفر وخرج من الملة. كما جرى الحديث عن التنكيل بالضحية واقتلاع قلبه. وكانت “المفكرة” قد زارت بلدتيْ المنية ودير عمار مسقط رأس الضحية والمتهمين كما زارت المكان الذي نشب فيه الإشكال الذي أدى إلى وقوع الجريمة وقد نقلت عدة روايات جاءت على لسان أهالي الضحايا وبعض الشهود الذين كانوا في المكان ليلة الحادثة، كما اطلعت على فيديو كامل يعرض جثة الضحية، وهي محل إصابات جسيمة، أثناء الكشف عليه من قبل أطباء التشريح. كما أوردت عددا من الوقائع يستشف منها توجّه لإعمال التدخل السياسي في القضاء. ومن أبرز هذه الوقائع البيان الصادر عن المديرية العامة للأمن الداخلي غداة الجريمة، والذي وصفت فيه الجريمة على أنه نتج عن تلاسن لحقه تضارب بالسكاكين بين الضحية والمدعى عليهم، تضارب نتج منه إصابة محمد دهيبي بطعنات أدت إلى وفاته. وأيضا إعطاء منبر تلفزيون المستقبل للروايات المدافعة عن الإمام وشقيقيه. كما لحظت “المفكرة” أن ممثل النيابة العامة في الشمال كان سارع إلى اعتبار الجرم قتلا غير عمدي، قبلما يتراجع عن ذلك لاحقا على ضوء ما أسفرت عنه تحقيقات قاضي التحقيق ويعتبر أن الجرم حصل عمدا وتخلله تعذيب للضحية مما يجعله خاضعا لأحكام وعقوبات المادة 549 من قانون العقوبات (التي تصل إلى الإعدام ولا يجوز تخفيفها إلى ما يقل عن سبع سنوات سجن) وليس المادة 547 وهو جرم يعاقب عليه بالسجن من 15 إلى 20 سنة وهي عقوبة يجوز تخفيفها إلى ثلاث سنوات سجن.

وقبل المضي في شرح فحوى قرار الهيئة الاتهامية وأهم الملاحظات عليه، يجدر التنبيه إلى أن ملاحقة الجنايات (أي الجرائم الكبرى) تتطلب حكما إجراء مرحلة تحقيق واتهام، قبل بدء المحاكمة أمام محكمة الجنايات. وهذا ما تم في هذه القضية، حيث وضع قاضي التحقيق الأول يده على القضية، لتنتقل من ثم إلى الهيئة الاتهامية التي أعادت التدقيق في الملف تمهيدا لإصدار قرارها الاتهامي مع إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات. ويشار إلى أن قضاة التحقيق والاتهام هم في العموم قضاة ظن وليس قضاة إدانة، بمعنى أنهم يسندون وجهتهم ليس على اليقين، إنما على أرجحية حصول واقعة معينة، تاركين لقضاة الحكم أمر البت فيها.

القرار الاتهامي ينقض القرار الظني: روايتان مختلفتان للوقائع وللنتائج القانونية

من يقرأ القرارين الظني والاتهامي، يدرك الفارق الكبير بينهما في رواية الوقائع وتاليا النتائج القانونية المترتبة عليها. فعدا الاتفاق على أن القتيل دخل إلى المحل لشراء علبة معسل ووقع خلاف بينه وبين أحد المدعى عليهم وهو إمام المسجد في البلدة وأن المدعى عليهم تسببوا في قتل الأول، تكاد الهيئتان تختلفان على كل شيء. فكأنهما تريان القضية من زاويتين مختلفتين وصولا لتبرير قرارهما، كل ذلك في قضية خطيرة في أبعادها وتتطلب اعتماد أعلى معايير الجدية والتحقيق والمحاكمة. وهذا ما سنحاول توضيحه من خلال المقارنة بين سرد الهيئتين للوقائع الأكثر تأثيرا في مآل هذه القضية.

واقعة الشجار مع إمام المسجد: الهيئة الاتهامية تستبعد الحديث عن الكفر والعزة الإلهية

بحسب القرار الاتهامي، “دخل المغدور إلى المحل لشراء علبة معسل وكان بحالة سكر شديد، ولما أعطاه البائع العلبة شتمه على سبيل المزاح وكان في هذه الأثناء المدعى عليه خليل الدهيبي وهو إمام مسجد جالساً على كرسي فنظر إلى المغدور نظرة عتاب وطلب منه احترام نفسه وإلا احترام الموجودين. فما كان من المغدور إلا أن أقدم على شتمه أيضاً ولكنه ما لبث أن أعتذر منه ثم قاما بالتعارف. ولما عرف المغدور أن المدعى عليه من آل الدهيبي أيضاً سأله عن أقاربه، فأعطاه الشيخ بعض الأسماء. عندها عمد المغدور إلى شتمه وإلى شتم بعض أقاربه مما دفع بالمدعى عليه إلى نعته بالخنزير وعلا صراخ المدعى عليه والمغدور وراح الأخير يكيل الشتائم للمدعى عليه ولمقامه”.

هذه الوقائع أوردها القرار الظني بشكل مختلف. فعدا عن أنه لم يأت بأي ذكر لحالة السكر، فإنه ركز على مسألة شتم العزة الإلهية التي غابت تماما عن القرار الاتهامي. فبعدما أشار القرار الظني إلى دخول المغدور السوبرماركت والجدل الحاصل بينه وبين الشيخ على خلفية اللغة المستخدمة منه في مخاطبة صاحب السوبرماركت، أشار القرار الظني إلى أن المغدور ردّ على الشيخ” بعدما أزعجه تدخله “يلعن ربك وسماك” و”حل عن ربي”. وهنا يفيد القرار الظني نقلا عن إفادات شهود أن الشيخ قال “أن المرحوم أقدم على شتم الله ورسوله فيجب قتله شرعا”.

وبالطبع، الاختلاف هنا أساسي طالما أن استبعاد مسألة شتم العزة الإلهية يؤدي ربما إلى حجب وقائع أساسية لفهم الدوافع المحتملة وراء الجريمة. ولإدراك ذلك، يكفي التذكير بأن القرار الظني اعتبر أن الدافع إلى القتل تمثل في تنفيذ عقاب شرعي، بما يتوافق مع وصف الجريمة بالجريمة التكفيرية حسبما ورد في وسائل التواصل الاجتماعي غداة حصولها، فيما ان الهيئة الاتهامية لم تجد ضرورة ليس فقط في مناقشة الوقائع التي استند إليها القرار الظني، بل حتى في ذكرها. بل لا نبالغ إذا قلنا أن الهيئة تعاملت مع مسألة “التكفير” كتابو يحسن التزام الصمت التام بشأنه.

الظروف التي حصلت فيها واقعة القتل: اعتداء مخطط مسبقا أم ردة فعل على اعتداء الضحية؟

الواقعة الثانية المؤثرة في القضية تمثلت في تحديد الظروف التي حصلت فيها واقعة القتل. فهل حصل القتل مباشرة بعد الشجار أم بعد مرور بعض الوقت؟ وكيف عاد المدعى عليهم (الإمام وشقيقاه اللذان دعاهما لمؤازرته) والتقوا مع المغدور في لحظة قتله؟ من اتجه إلى الآخر، وبكلمة أخرى، من باشر الاعتداء؟

هنا أيضا، وفيما عدا اتفاق القرارين على استدعاء الإمام شقيقيه للمؤازرة تبعا لحادثة الشتم والصراخ المتبادل في السوبرماركت، فإنهما يختلفان في سرد سائر الوقائع.

فالقرار الاتهامي يورد أن المدعى عليهم (وهم الإمام وشقيقيه) “فوجئوا بالمغدور يحضر بسيارته بالاتجاه المعاكس ويقوم بقطع الطريق عليهم وقد نجم عن هذه المناورة صوت فرامل وتشفيط إطارات”، وذلك على بعد حوالي 300 مترا من المحل. وقد أدى هذا الأمر بحسب القرار الاتهامي إلى حصول عراك ومقتل المغدور بعدما أقدم المدعى عليهم على ضربه وطعنه. واللافت أن القرار الاتهامي انتهى إلى هذه النتيجة (أي أن المغدور هو الذي عمد إلى مطاردة المدعى عليهم ومضايقتهم) بالاستناد إلى أقوال المدعى عليهم من دون أي دليل آخر. فإذا وضع ذلك، خلص إلى الاستنتاج الأساسي في هذا القرار ومفاده أن جريمة القتل لم تحصل عمدا، إنما كانت “وليدة اللحظة بعدما اعترض المغدور المدعى عليهم”.

من جهته، تضمن القرار الظني رواية مغايرة عن الحادثة. فوفق هذا القرار، الأشقاء الثلاثة هم الذين “قطعوا الطريق على المغدور وترجلوا من سيارتهم وبدأوا بضربه بمدية كانت بحوزتهم وهو لا يزال في سيارة “الكيا” خاصته”. وقد أسند القرار الظني هذه الرواية على وجود “دماء المغدور على مقود سيارته بشكل واضح وقد أكد ذلك فحص الحمض النووي” وعلى الأذى الكبير الذي أصاب يده اليسرى والذي ظهر عبر فيديو التشريح الذي انتشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي. وتدعيما لموقفه، ناقش قاضي التحقيق ادعاءات المدعى عليهم بأن المغدور هو الذي تهجم عليهم وأنهم كانوا في موقع الدفاع عن النفس. وقد توصل بنتيجة ذلك إلى القول بأن الأدلة المتوفرة في الملف تثبت أن هذه الرواية عارية عن الصحة وذلك بالاستناد إلى “إفادات الشهود المستمعين في التحقيقات الأولية الاستنطاقية، ناهيك عن التحاليل المخبرية لآثار الحمض النووي المرفوعة عن الأرض في مكان الحادثة والتي تعود للمغدور محمد الدهيبي حصراً على الرغم من غسل الطريق بالمياه لإخفاء معالم الجريمة”. بل أكثر من ذلك، يبيّن القرار الظني أن توجه أحد الأشقاء للمستشفى كانت مجرد حيلة يراد منها دعم الرواية البديلة، إلا أنه اتضح من شهادة الطبيب أن الجرح كان سطحيا وأنه يرجح أن يكون الشقيق المذكور قد ضرب نفسه بالمدية.

واللافت أنه رغم تعليل القرار الظني وتضمينه عدد من الأدلة في هذا الخصوص، فإن الهيئة الاتهامية قررت عمدا قلب هذه الرواية من دون أي تعليل أو دليل مضاد. وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو أن القرار الاتهامي ذكر واقعتي “وجود دم الضحية على مقود السيارة” وعدم صحة إصابة أحد الأشقاء بجرح بفعل المغدور ضمن الوقائع الثابتة، الأمر الذي أوقعه بالتناقض أو على الأقل جعل تعليله غير كافٍ.

هل تم تعذيب الضحية؟

هل حصل تعذيب الضحية؟ هذا السؤال هو أيضا محوري حيث أن إحدى حالات القتل المؤدية لتطبيق المادة 549 عقوبات هي أن يتم تعذيب الضحية في سياق قتلها. وقد استند القرار الظني فعليا على حصول تعذيب للظن بهذه المادة. وقد جاء فيه بأن المتهمين “انقضوا على المغدور بالسلاح الأبيض بأقسى أنواع التعذيب فأشبعوه تشطيباً وجرحوه بعمق ممزقين صدره محاولين استخراج قلبه. ولما لم يتمكنوا راحوا يطعنون القلب بطعنات عدة..كما حاولوا قطع أوصاله بآلة حادة كانوا قد أحضروها لهذا الغرض وقد رجح الطبيب الشرعي في إفادته أمام قاضي التحقيق أن تكون مشرطاً أو سكيناً أو خنجراً وأكد أنه كان بيدهم أكثر من سلاح أبيض واحد. وتركوه ينزف أرضاً إلى أن وصل الإسعاف وهو كان لا يزال على قيد الحياة ويئن إلى أن توفي بعد ذلك”. وعليه، نصّ القرار الظني على أن الضحية تعرضت لأقسى أنواع التعذيب في سياق قتلها، مرجحا أن تكون أعمال التقطيع والتشطيب حصلت في حياة الضحية وليس بعد موتها.

أما القرار الاتهامي فقد جاء مقلا بهذا الشأن، حيث جاء فيه أنه لم يثبت أن الضحية تعرضت للتعذيب بالرغم من جسامة الإصابات اللاحقة بها، متجاهلا مجمل الوقائع الواردة في الملف، ومن دون حتى إعطاء حجج مضادة لاستبعاد ما نص عليه القرار الظني.

أي سلاح استخدم لارتكاب الجريمة؟

مسألة أخرى مؤثرة في القرار تمثلت في تحديد السلاح المستخدم في الجريمة، بحيث أنه في حال ثبوت استقدام أسلحة من قبل المدعى عليهم، فإن من شأن ذلك أن يشكل دليلا على تعمدهم قتل المغدور عن سابق إرادة وتصميم. وهنا أيضا اعتمدت الهيئة الاتهامية رواية مناقضة للقرار مفادها أن السلاح الوحيد في عملية القتل هو السلاح الذي كان المغدور نفسه يحمله وشهره في وجه المدعى عليهم. ولتبرير موقفها هذا، استندت الهيئة الاتهامية إلى دليلين واهيين: الأول، كلام المدعى عليهم أنفسهم وهو دليل واه بحد ذاته لصعوبة أن يعطي المتهم دليلا ضد نفسه، والثاني، شهادة أحدهم بأنه شاهد المغدور يسحب السكين المذكورة من جيبه قبل دقائق من وفاته، فيما لم يعثر عليها لاحقا مع المقدور عند مقتله. وهذا الدليل هو بدوره. فعدا عن أن الهيئة الاتهامية لم توضح متى أعطيت هذه االشهادة، فإن حيازة المغدور على سكين لا يفيد البتة بأنه لم يكن المتهمون حائزين على سلاح آخر. وما يزيد من قابلية هذا الاستنتاج للنقد هو أن الهيئة الاتهامية ذكرت شهادة الطبيب الشرعي فاروق السمان الذي أفاد بأن”الإصابات التي لحقت بالمغدور وبالنظر إلى فداحتها لا يمكن أن تكون قد نجمت عن سكين من نوع سبع طقات فقط ولا بد أن يكون المدعى عليهم قد استعملوا سلاحاً آخر غير السكين المشار إليها”. والسؤال الذي يطرح عند قراءة هذه الواقعة، هو كيف استسهلت الهيئة الاتهامية التأكيد على أن السلاح الوحيد الذي استخدم هو سكين المغدور سندا لدليلين واهيين، مع استبعاد دليل بقوة تقرير الطبيب الشرعي من دون أن تتكبد حتى أي مناقشة له؟

ملاحظات حول القرار الاتهامي

بالمحصلة، يطرح القرار الاتهامي تساؤلات عدة، أبرزها الآتية:

أولا، أنه بدا واضحا أن القرار الاتهامي انتهى في جميع النقاط الأساسية من هذه الدعوى إلى ترجيح الروايات التي تدعم موقف الأشقاء الثلاثة، وتسمح بإخضاع فعلهم لعقوبات مخففة. ومن دون تغليب حقيقة على أخرى (وهذا يتجاوز الهدف من هذا المقال)، بامكاننا القول أن القرار الاتهامي افتقر إلى التعليل الجدي الكافي لتبرير وجهته. فعدا عن أنه استند في مواضع عدة إلى أدلة واهية، فإنه لم يتكبد عناء مناقشة أي من الأدلة الأخرى المتوفرة في الملف، مهما كان وزنها أو قوتها، والتي تناقض الرواية التي رسا عليها. وهذا مثلا ما حصل حين استندت الهيئة أساسا لتحديد طريقة القتل أو السلاح المستخدم على كلام المدعى عليهم فقط أو على الأقل بشكل أساسي، مع استبعاد ما كان خلص إليه الطبيب الشرعي من نتائج من دون أي مناقشة (مثلا: لجهة النتائج المترتبة على وجود دماء على مقود سيارة المغدور أو أيضا لجهة أن الأضرار الجسيمة البينة على الجثة تؤشر إلى استخدام أكثر من سلاح). وما يزيد من قابلية القرار الاتهامي بما شابه من نقص في التعليل للنقد، هو أنه يحصل في قضية خطيرة جدا، تتواجه فيها تيارات فكرية عدة، وبرزت مؤشرات منذ اللحظة الأولى على استعداد مجموعات سياسية للتدخل فيها لمصلحة الإمام وشقيقيه، لأسباب سياسية وانتخابية. ففي جرائم كهذه، تصبح الحاجة للتعليل جدّ ملحة، بهدف إقناع ذوي الضحية والرأي العام بها وتبديد شبهات التدخل السياسي على أنواعها وإعادة الثقة بالقضاء. أما أن تناقض الهيئة الاتهامية قاضي التحقيق الأول من دون تعليل كاف، فذلك يمسّ حكما بصورة العدالة ويفتح الباب واسعا أمام التكهنات التي تصبح من هذه الزاوية مبررة ومشروعة.

ثانيا، أنه من اللافت لزوم القرار الاتهامي الصمت بشأن واقعة سبّ العزة الإلهية التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، ولا حتى على سبيل المناقشة. ويؤشر طمس هذه الواقعة المدعى بها ليس فقط إلى توجّه إلى إنكار حصول القتل لأسباب عقائدية دينية، بل أيضا إلى إنكار امكانية حصول قتل مماثل في منطقة المنية، وذلك حفاظا على سمعة المنطقة. ويخشى أن يؤدي هذا الأمر إلى حجب حقائق اجتماعية ومنع التفكير الجدي بها وبمسبباتها، على نحو يقلل من امكانيات معالجتها ويزيد من مخاطر تأبيدها.

ثالثا، أنه يجدر التنبيه إلى المفارقة البينة بين الاهتمام الشديد الذي حظيت به هذه الجريمة لدى الرأي العام غداة حصولها، وصدور القرار الاتهامي بعد أشهر من الجرم تحت جنح الصمت التام وبمنأى عن أي ردة فعل. وإذ يؤشر هذا الأمر إلى النقص في شفافية العمل القضائي الذي ما يزال يحصل في غالبيته بمنأى عن الإعلام فلا يعلن عن نتائج التحقيقات في الجرائم الكبرى، فإنه يعكس في الوقت نفسه قصور الرأي العام والإعلام في متابعة القضايا وبشكل أعم قصر نفس الرأي العام مقارنة بطول أمد المحاكمات. ومن شأن هذا الواقع للأسف أن يعطي المتدخلين النافذين في القضاء سلاحا إضافيا بإمكانهم المراهنة عليه: الوقت. ففي حال تعين على هؤلاء أحيانا الانحناء أمام عاصفة الرأي العام في التعامل مع قضية جنائية معينة، فإنهم غالبا ما يتربصون ويتهيؤون لتعديل الدفة في اللحظة المناسبة وفور انكفاء هذه العاصفة.

مقالات ذات صلة:

روايات عدة عن جريمة تكفيرية في المنية: القتيل والقاتل و”سمعة المنطقة

قرار ظني في جريمة تكفيرية في المنية – لبنان: قتل عمدا وتعذيب وسعي لانتزاع القلب تنفيذا لعقاب شرعي


[1]  المكونة من القاضي رضا رعد والمستشارين الياس الحاج عساف ورانية الأسمر

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *