السياسات العمومية أمام أزمة المواد الغذائية: الشعبوية لا تُسمن ولا تُغني من جوع


2023-05-15    |   

السياسات العمومية أمام أزمة المواد الغذائية: الشعبوية لا تُسمن ولا تُغني من جوع
رسم عثمان سلمي

عندما أعلن “مسار 25 جويلية” عن وعدِه بإحداث تغيير سياسي عميق وجذري وشامل، تغيّرت معه معادلات إنتاج السياسة العمومية المفترضة والقادرة على إنجاز هذا الوعد. وبما أن كل تغيير يتطلب فعلا يتناسب معه لتحقيقه، فإن تصورا مماثلا للتغيير بطابعه الشعبوي المُهيمن أدّى إلى تغذية فكرة المؤامرة والتخوين والاتهام المعمّم وتبرير المقاربات الزجرية البحتة، مع ارتجال ومعالجات جزئية موضعية تتجاهل تعقيد الواقع القائم.

تشتغل السياسة العمومية، من حيث المبدأ، على أجندة سياسيّة تَنتُج عن توازنات المنظومة السياسية وشبكة العلاقات داخلها والمصالح والرهانات الخاصة بكل طرف. فموضوعها إذن قضية مجتمعية تحولت إلى قضية سياسية بعد الصراع والتداول حولها بين مختلف الفاعلين في فضاءات مختلفة سواء الإعلام أو الأحزاب أو الجمعيات وصولا إلى المؤسسات السياسية نفسها.[1] وتؤثر نجاعة الأداء السياسي للمنظومة السياسية ككل على تبلور القضايا المراد استهدافها عبر السياسة العمومية. من هنا مثلا تمثل الديمقراطية شرطا في بلورة السياسة العمومية بما يجعلها استجابة فعلية للواقع المجتمعي.[2] إذ تُقدم على أنها قادرة على توفير فرصة للجميع ليجدوا موقعا لهم على طاولة التفاوض والصراع على تحديد الخيارات العمومية. في المقابل، عندما تتكفل الشعبوية بكل هذا المسار المعقد لبناء وهندسة السياسة العمومية فالأخطار متعددة، خاصة أنها تستهدف المؤسسات والفاعلين كما تستهدف القيم المرجعية للمنظومة الموسومة لديها بالقديمة،[3] وتُعيد صياغتها مرة أخرى، أو لنقل تستغلها وتشوهها،[4] وفق تصوراتها الخاصة. كما هي الحال في تونس ضمن سياق التفرد بالحكم. لذلك يمكن القول أنها تستهدف أداء منظومة بناء السياسة العمومية، لتغيير الأجندة السياسية ومن ثمة التدخل والإنجاز على أرض الواقع. وهو ما نلاحظه فعليا مع الرئيس قيس سعيد، فإذا تناولنا مسألة المواد الغذائية لاحظنا أنها حظيت بموقع متقدم على الأجندة السياسية. ما يستحق التناول في مرحلة أولى لفهم طبيعة وكيفية إدراجها كأولوية على الأجندة السياسية، ومن ثمة التدخل لمعالجتها وكيف تأثرت بالنتيجة السياسة العمومية في هذا المجال بتأطير الشعبوية لمسار بلورة ومعالجة نقص المواد الغذائية كقضية اقتصادية واجتماعية. أو بصورة أدقّ كيف يمكن تقييم أداء الفاعل السياسي الوحيد اليوم والشعبوي في مجال توفير المواد الغذائية؟

الغذاء على أجندة الرئيس: من نقص المواد إلى تخمة المؤامرات والتخوين

ثمة في هذا المستوى ما هو عامّ من المحددات فيما يتعلق بالأجندة السياسية نفسها وطريقة تبلورها والتحكم فيها كمرحلة أولى في تحديد مجالات تدخل السياسة العمومية.[5] على المستوى القانوني والدستوري، هي تخضع لحالة الاستثناء التي جاءت مُعبّرة حسب الرئيس قيس سعيد عن فشل المنظومة السابقة في تحقيق بنك الأهداف الذي يستجيب لحاجيات المواطنين. فخيار 25 جويلية جاء مُدّعيا إعادة التوازن المُفترض بين الحاجة إلى إنشاء عمليات صنع القرار التي تكون شاملة وتداولية من جهة، والحاجة إلى اتخاذ إجراءات فعالة وحاسمة من جهة أخرى.[6] غير أن الفارق هو أن مسار 25 جويلية قد عطّل السمة الشاملة والتداولية لعمليات صنع القرار، بل هي نفسها لديه سبب تعطل الاستجابة الفعالة والحاسمة. فمجلس النواب والحكومة، وكل منظومة الانتقال الديمقراطي مسؤولة على حالة الفشل الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما تطلّب تغييرا آخر على المستوى المؤسساتي والإجرائي بتجميد ثم حلّ مجلس النواب وتعيين حكومة جديدة. ما يعني بالضرورة أن الأجندة السياسية قد أصبحت تخضع لإطار مؤسساتي جديد، محوره رئيس الجمهورية نفسه.

أيضا ليست الأزمة الاقتصادية والاجتماعية جديدة على مستوى الأجندة السياسية والحكومية، إلا أنّ طريقة التعامل معها قد تغيّرت. حيث أصبحت ضمن “مسار 25 جويلية” مرتبطة بعناصر أخرى معرَفة لها. فكما كان التغيير الدستوري والمؤسساتي جزءًا من حشد خطابي شعبوي لمهمة إنقاذ الدولة، كانت الأزمة مرتبطة بإنقاذ الشعب نفسه. قدّم الرئيس قيس سعيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كنتيجة لفشل عملية تمثيل الشعب داخل المنظومة الديمقراطية. بل ادّعى أنّ الأخيرة نفسها عائق أمام عملية التمثيل “الحقيقي” و”الفعلي”. لذلك طرح تغييرا عبر مشروع البناء القاعدي الذي سيعيد صياغة التمثيل ويُبلور الخيارات الاقتصادية والاجتماعية ككل كما يُريدها الشعب. وانطلق بصورة تدريجية في تركيز المشروع عبر مراحل متعددة. لكن في الأثناء، في انتظار الوعد المُؤجل، أي إلى حين توفير الأدوات القانونية كما يراها للشعب، وضمن الإطار التشريعي والمؤسساتي الجديد، سادت مرجعيات وأفكار جديدة أثرت على الفعل العمومي في جميع المجالات. أولها هيمنة فكرة المؤامرة وما يحفّ بها من معجم التخوين والعمالة. حيث يُردد الرئيس دائما عبارة المؤامرة والغرف المظلمة مع الإشارة إلى الغائب الذي يُهدد المسار الثوري غير المسبوق والمسار التاريخي. يمكن القول في هذا المستوى أن الاندفاع في التركيز على المؤامرة غير منفصل عن الاندفاع في التركيز على الشعب. تبدو العلاقة بينهما طردية، فكلما أثنى الرئيس على الشعب زاد استنكاره لهؤلاء الذين يناصبونه العداء. والمؤامرة تُفسّر كلّ شيء في نهاية الأمر حيث أنها الوحيدة التي يمكن أن تفسّر تعطل مهمة تاريخية ومقدّسة كالتي يطرحها المسار على نفسه. 

بالتوازي مع ذلك، يمكننا ملاحظة حضور السجلّ الأخلاقي والديني, إذ يبدو أنّ الرئيس قد أعاد تسييس الأخلاق، فلم يتوانَ عن استدعاء الجانب الأخلاقي لدى من يحدثهم من المسؤولين أو المواطنين في خطاباته وتنقلاته.[7] وهو بذلك يتغذى من روافد الهوية الخاصة بالشعب الموحّد والبسيط الحمل للفضيلة،[8] والذي يواجه كل الفساد والشرّ خارجه. بالنتيجة يمكن القول أنّ الأجندة السياسية مُحتكرة كليّا من حيث الشكل والمضمون والطبيعة من قبل فاعل واحد، غير أن العنصر الإضافي هو الطابع الشعبوي الذي يؤطر هذا الاحتكار.

لنا هنا أن نتصور كيف أثر هذا التحول في طريقة بلورة الأجندة السياسية والأجندة الحكومية على التعاطي الرسمي مع أزمة المواد الغذائية على وجه الخصوص. فهي أجندة يتحكّم فيها الرئيس لوحده على المستوى التشريعي والمؤسساتي والإجرائي، كما خضعتْ لتأثير الخطاب الشعبوي الذي يُغيّر كل من اللغة والمعايير في الحياة السياسية ويضيف تمثلات وعواطف وتصورات جديدة يُدير خيوطها وحده مستفيدا من التحكم في التغيير الهيكلي أعلاه. لقد اندفع قيس سعيد مباشرة أوائل شهر أوت 2021 إلى زيارة مركزيْ تبريد منتجات فلاحية بكل من الجديدة وطبربة بولاية منوبة مؤكدا أن هناك من يسعى إلى “التنكيل بالشعب” وتركه للجوع والعطش ومتهما مسالك التوزيع بإحداث أزمة الأسعار وتوفير المواد الفلاحية.[9] أصبح للمؤامرة هنا مرادف تفسيري لنقص المواد الغذائية وغلاء أسعارها: وهي المضاربة والاحتكار وهي من فعل أشخاص مجهولين. لقد تمّ إعلان الحرب ضد هؤلاء جميعا لتوفير الغذاء للشعب. تحتاج الشعبويّة لذلك إلى مزيد تعزيز الرمزيات لإثبات قدرتها على تنفيذ ما تعدُ به، فنتيجة لاحتكار جميع أطر وأدوات السياسة العمومية كان لزاما “مسرحة” (theatralisation) إعلان الحرب من وزارة الداخلية بل وتكرار زيارتها كلما لزم الأمر.[10] “أريدها حربا دون هوادة ضد هؤلاء المحتكرين المجرمين في إطار القانون”، كما جاء على لسان رئيس الجمهورية بتاريخ 08 مارس 2022 مؤكدا على أن ما يحصل “غير عادي”. بعد هذا التاريخ  صدر المرسوم عدد 14 لسنة 2022 الذي وعد به الرئيس وتضمَن تشديدا للعقوبات لضرب “مسالك التجويع”.

لقد تضخّمت الأجندة السياسية بفعل احتكار السلطات والمؤسسات فتضخّمت خطابيا بفعل الشعبوية على لسان الرئيس. حيث يلجأ إلى تشريح الظاهرة ذاتيا مُصرّا على مقاربتها كمؤامرات شاملة ضدّ المسار ككل. فكأنّ التدخل القطاعي للسياسة العمومية في المواد الغذائية هو كل المعركة والحرب. وهو ما يذكرنا بما يردده الرئيس دائما عن أن الكلّ مجندّون في كل معركة، ومن يتخلف خائن، فالجميع في مهمة واحدة وشاملة. يبدو ذلك مُبررا فمن يتمتع بجميع الصلاحيات ويحتكر جميع المؤسسات يجب أن تكون القضايا التي يواجهها صعبة ومستعصية تتطلب جنودا ينصهرون و”ينخرطون” عضويا وقيميا. إلا أن لذلك نتائجه حيث أن التضخم في جميع مستويات وضع الأجندة السياسية -وهنا المواد الغذائية- يفتح الباب لمقاربات عامة وغير دقيقة وعاطفية في أطر هيكليّة وإجرائية مُصادرة ومحتكرة. ما يُبرر فعليا هذا الحرص على المقاربة القانونية الزجرية كانعكاس لتصور القضايا المطروحة كأولوية على الأجندة السياسية للمسار منذ 25 جويلية. فالمرور بقوة عبر الانقلاب التحم بالخطاب الشعبوي ليُنتج وهم قوة تُقدم نفسها على أنها قادرة على كل شيء. من الممكن القول بالنتيجة أن الرئيس قيس سعيد لم يضع جديدا في الأجندة السياسية لكنه وظّفه بطريقة مختلفة انعكست على الأداء والتدخل في معالجة نقص المواد الغذائية.

معالجة أزمة المواد الغذائية: أزمة الأداء والإنجاز في السياسة العمومية

إذا كانت كل أزمة هي معركة رئيسية من حرب تاريخية مقدسة فإنّ كل فعل مهما كان صغيرا إنجاز مهم جدا. يلتقي ذلك باستعراضات الخطاب الشعبوي في الزيارات الرقابية والمفاجئة التي يحرص الرئيس نفسه على إجرائها. يُشخّص الرئيس خلالها القضية وإشكالياتها وعناصرها ويضع الحلول بشكل اختزالي. في حي الانطلاقة، مع رأس السنة الميلادية، أثارتْ زيارة الرئيس جدلا واسعا حول الرسالة المراد تمريرها. إلا أنها لم تخرج عن المعتاد: ثمة أزمة “غير طبيعية” ومن الواجب التصدي لمفتعليها. وهو الأمر الذي يتردد في مختلف زياراته الفجائية، لنلاحظ أن التأطير الشعبوي لفهم القضايا المجتمعية على اختلافها هو نفسه. أولا يصدر عن الرئيس نفسه وضمن خطابه، ويتوجه سياسيا إلى الداخل، أي هؤلاء الذي يفتعلون الأزمات. لتصبح أزمة السلطة التي تبحث عن شرعية إنجاز إزاء خصومها مسكونة بهذا الهاجس أكثر من ضرورة تشخيص عقلاني وموضوعي لا يُحمّل القضية الاقتصادية والاجتماعية أكثر مما تحتمل. كما أن هذا الإستعراض الشعبوي يتسرب إلى بقية المؤسسات من دون تجاوز السقف الذي يضعه رئيس الجمهورية. فلم يتأخر والي بن عروس عن ممارسة الاستعراض لخلق طابع الإنجاز العملي والواقعي حيث حضر في افتتاح نقطة بيع أضاحي العيد وفي سوق من المنتج إلى المستهلك.[11] رغم أنه من الجدير التنسيب في نقد مثل هذه الإجراءات حيث تحضر كوسائل وقتية لتخفيف الأزمات إلا أنّ الإصرار على استعراضها كإنجاز إزاء أزمة هيكلية يُعطي الانطباع عن أن الفعل العمومي في مثل هذه القضايا يبحث عن شرعية إنجاز مفقودة. ويؤكد ذلك أنها جميعا مواصلة للطابع التعميمي الشعبوي في تناول القضايا بعيدا عن التناول الموضوعي لأزمة هيكلية وممتدة تترافق مع خطابات من المسؤولين تكاد لا تختلف عن خطابات الرئيس.

على مستوى متصل يتعلق بالإجراءات المتخذة، صدر نصّان قانونيان قُدما على أنهما حلان لأزمة المواد الغذائية. الأول هو المرسوم عدد 14 لسنة 2022 المؤرّخ في 20 مارس 2022 والمتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة، والثاني هو المرسوم عدد 47 لسنة 2022 المؤرخ في 4 جويلية 2022 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 86 لسنة 1994 المؤرخ في 23 جويلية 1994 المتعلق بمسالك توزيع منتوجات الفلاحة والصيد البحري.

تميزت هذه التشريعات بشدّة العقوبات المالية والسجنية للجرائم التي تتناولها.  فمثلا نص الباب الثالث من المرسوم عدد 14 (الفصول من 17 إلى 28) على عقوبات سجنية تتراوح بين السجن 10 سنوات والسجن بقية العمر، وعلى خطايا تتراوح بين 100 ألف و500 ألف دينار. وحسب مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات حسام الدين التويتي، أنّ المرسوم الخاص بمقاومة المضاربة غير المشروعة ساهم في تراجع مظاهر الاحتكار والمضاربة في تونس بنسبة تقارب 30%.[12] في نفس الوقت عملت الوزارة على زيادة عدد المهام الرقابية خلال الشهور الأولى، حيث تم إجراء 19043 مهمة رقابية و حوالي 500 ألف زيارة تفقدية أسفرت عن تسجيل 59626 مخالفة اقتصادية ووفقا للمعطيات الصادرة على الموقع الرسمي لوزارة التجارة فإنّ مشتقات الحبوب المدعمة قد تصدرت قائمة المحجوزات ،حيث بلغت 3383 طن يليها المواد العلفية بحجز 1500 طنا.[13]

تكتسي هذه الإجراءات طابعا زجريّا بالأساس. وهي تتدخل على مستوى ضيق فقط. ولا يُتوقع أن تكون حلاّ جذريّا للأزمة. بل على العكس تماما حيث أدخلت إرباكا على سلاسل التوزيع خاصّة لدى أصحاب المخازن زلا سيما أن المرسوم لم يُميز بين التخزين العشوائي والتخزين المنظَم الذي يمثل جزءا من عملية التزويد نفسها. ما أجبر العديد منهم على عدم تخزين المواد. كما أنتج وضعيات كاريكاتورية أحيانا بحصول إيقافات وتحرير خطايا ضد أفراد تزوّدوا بالمواد في إطار ممارسة عملهم المعتاد. ولا ننسى أنّ الأرقام نفسها التي نشرتها وزارة التجارة يمكن أن تؤكد أن المضاربة والاحتكار متواصلان إنما عملية المراقبة هي التي تضاعفت. في المقابل، يتواصل التأثير العميق للمعطيات والأرقام المتعلقة بالأزمة الاقتصادية في البلاد والتوازنات المالية للدولة خاصّة على المواد التي يتم استيرادها من الخارج، والتي تأثرت بسياق الأزمة الدولية منذ الحرب الأوكرانية. وفي القطاع الفلاحي تزداد الأزمة عمقا بسبب الأزمة المناخية وتداعياتها طويلة الأمد على القطاع. فمادة الحليب على سبيل المثال، لم يتم تجاوز النقص الموجود رغم الإجراءات السابقة، بل اتضح أنها أزمة مركبة ترتبط في نفس الوقت بسعر الأعلاف والتأثر بفترة الجفاف التي تشهدها البلاد. ما يعود بنا إلى المربع الأول في بناء وتصوّر الحلول المناسبة للأزمة ككلّ.[14] إذ تتطلب استراتيجية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار أزمات تشمل قطاعات مترابطة عدة.  لكن ما يشدّ الانتباه هو ترافق الإجراءات الجزئية المتخذة بنفس الخطاب السياسي. فحتى مع إقرار المؤسسات الرسمية في عدة تصريحات بالأزمة المركّبة، يبقى السائد هو طابع الإتهام والتوظيف وهاجس التوظيف المضاد من خصوم السلطة لدى الفاعل الرسمي. فكأن جميع الهياكل منصهرة في الخطاب المرجعي العامّ الذي يُصدَره رئيس الجمهورية. خاصة إذا ما تذكرنا أن الرئيس قيس سعيد يؤكد على معطى مُجذر لديه، وهو ضرورة استكمال المسار الذي سيضع لبنات منظومة متكاملة على جميع المستويات، وهي وحدها القادرة على حل جميع الإشكاليات لأنها ستكون انعكاسا لإرادة الشعب، كما يتصور. وإن كنا نُقدر خلاف ذلك، لكن المعطى الأهم حاليا والواجب الوقوف عنده، هو طبيعة وطريقة هندسة وتنفيذ الفعل والسياسة العموميين. فهما يغرقان في خطاب مرجعي عام يتسم بالشعبوية ومُوظف مرحليا في الصراع السياسي.

في هذا المستوى، لنا أن نستذكر أن الرئيس أحال متلقي خطابه على أن الإيقافات السياسية تشمل متآمرين على الشعب يحاولون تجويعه والتنكيل به. وهو ما يمثل استجابة لطبيعة التصور السائد لدى السلطة اليوم، فهي في صراع مفتوح على جميع الجبهات يحصر أحقية التغيير وجدواه ومستقبله في تصوراتها الخاصة وحدها. ومن شأن معطى مماثل أن يضعنا أمام حقيقة مهمة، وهي أن الفعل والسياسة العموميين المتخلييْن عن التشاركية والانفتاح على المقاربات المختلفة لا يمكن أن يؤسّسا لفعل عمومي مُستدام وذي جدوى حقيقية. بل نلاحظ أنهما دائما مُعلقان على تحقق المنظومة القاعدية الموعودة في المستقبل. أما الأزمة اليوم، فهي ذات دلالة سلبية يتحمّل مسؤوليّتها فاعلون مقصيّون بالمجمل من دون فرز، في حين يبقى التعامل معها مرتهنا بتصوّر سياسي لفاعل واحد. وهل يمكن لفاعل واحد أن يجترح المعجزات حتى مع ادعاء أنه يختزل الشعب كله؟

على مستوى متصل وأخير، بإمكاننا أن نلاحظ أنّ هذا الفاعل الوحيد قد وضع الجهاز الذي يرتضيه لتنفيذ السياسات التي يراها. فمنذ تولي انطلاق عمل الحكومة لم تتجاوز الحكومة مشهد الإلحاق برئاسة الجمهورية، الذي أكدت عليه السياسة الاتّصالية في صفحتها الرسمية. دخلت الحكومة صمتا لا يمكن تأويل دلالاته إلا بما يتولى الرئيس التصريح به عند وفود أعضاء من الحكومة إلى قصر قرطاج.  وفيما يتعلق بأزمة المواد الغذائية، لم تخرج بيانات الحكومة عما سبق بيانها حول الأجندة السياسية أو الأداء الرسمي في الزيارات أو التشريعات. ما يجعلنا نستنتج أن الحكومة مُلحقة بالاستراتيجية العامة للمسار الذي يشرف عليه الرئيس، فيما أدوارها لا تتجاوز سقف الرهانات التي يضعها هو نفسه. لذلك يلجأ لمحاسبتها قبل غيرها. ومنها إقالة وزيرة التجارة نفسها، التي لم يقدم بيان الرئاسة تفسيرا لها غير أن الوسط السياسي يُشير إلى أنها إقالة على خلفية إيجاد حلول لأزمة التزود في السوق التونسية. وآخرها إقالة وزيرة الصناعة، على الأرجح بسبب تصريحها حول رفع الدعم (على المحروقات). ما يسمح بالقول أن الرئيس يواصل التركيز على الرؤية الخاصة به في معالجة القضايا كما تم تأطيرها منذ البداية، وكما تم بسطها أعلاه. يبدو أن الوزارة والوزيرة تُحاسب على أزمة كما يتصورها الرئيس تشخيصا وحلاّ، بعيدا عن المعطيات الواقعية والأرقام التي أثبتت أولا أن الحلول التي بادر إليها لم تحلّ أزمة تزويد السوق، وتتجاهل تعقيد الأسباب الداخلية والخارجية. ومن المعطيات المهمة مثلا والتي يتم تجاهلها، هي وضعية ديوان الحبوب الذي يحل ثانيا في مسالك التوزيع بعد مراكز التجميع، ويحتكر استيراد القمح اللين والصلب. تعيش هذه المؤسسة وضعية مالية صعبة في ظل التوازنات المالية للدولة. تستقيم هذه الملاحظة فيما يخص الديوان التونسي للتجارة أيضا (مواد السكر والشاي والقهوة والأرز) الذي واجه صعوبات في التزود والتخزين لتغطية حاجات السوق لمُدد طويلة بسبب الصعوبات المالية التي يمرّ بها بالإضافة إلى عدم قدرته على مواجهة تقلبات الأسعار في السوق الدولية في عدة مراحل.[15] ما يعني أن التزود بالمواد فاقد لحلقة هيكلية هي من مسؤولية الدولة نفسها. غير أن هذه المعطيات تغيب في فورة الخطاب الشعبوي عندما يواجه الواقع المعقد.

بالمحصلة، يمكن القول أن سياسة الدولة تحتكم إلى فاعل وحيد ذي طابع شعبوي، يُجمل القضايا في أجندة تم بناؤها ووضعها بشكل منفرد وترتبط برهانات بعيدة المدى. ما جعل الأسباب المباشرة والتي تواجهها البلاد اليوم معلّقة على الحلول الموعودة في المشروع السياسيّ في نهاية الأمر. أي أنّ مرجعيات الفعل العمومي لا تخرج من ذهن الرئيس نفسه، بل أصبحت تتسرّب إلى بقية أجهزة بناء وتصور وتنفيذ السياسات العمومية. فيما الأرقام تؤكد أنها لا تؤدي إلى تحقيق نتائج إيجابية. ويتم التغطية عليها بنفس الخطاب الشعبوي الذي تمّ الانطلاق منه، لتؤكد دون مواربة أن الشعبوية لا تُسمن ولا تٌغني من جوع.


[1] Alan R. Andreasen, Social Marketing in the 21st Century, Sage Publication, 2016, p32.

[2] Jonas Linde and Stefan Dahlberg, Quality Of Government And Political Support, in The Oxford Handbook of the Quality of Government, edited by Andreas Bagenholm, Monika Bauhr, Marcia Grimes, and Bo Rothstein, Oxford University Press, 2021.

يمكن الإطلاع أيضا على:

Philip Keefer, Carlos Scar Tascin and Razvan Vlzincu, Trust, Populism and The quality of government, in The Oxford Handbook of the Quality of Government, edited by Andreas Bagenholm, Monika Bauhr, Marcia Grimes, and Bo Rothstein, Oxford University Press, 2021.

[3]Charles Postel, The populist Vision, Oxford University Press, 2007, pp288-289, 

[4] عبد الحسن شعبان، الشعبوية والديمقراطية، مؤمنون بلا حدود، 07/02/2019. الرابط: https://bit.ly/42uI1pt

[5] Frank R. Baumgartner, Bryan D. Jones,Agendas and Instability in American Politics, Second Edition,University of Chicago Press,  p20.

[6]Elliot Bulmer, Pouvoirs d’urgence; Guide introductif à l’élaboration d’une constitution nº 18, IDEA International, p8. Link: https://bit.ly/3phy53X

[7] محمد الراجي، الظاهرة الخطابية للرئيس سعيد وهندسة الحقل السياسي التونسي، مركز الجزيرة للدراسات، 18/01/2022. الرابط: https://bit.ly/41mRmym

[8] Taguieff, P.-A., Le populisme et la science politique. Du mirage conceptuel aux vrais problemes. Vingtième Siècle. Revue D’histoire, (56), 4, 1997. doi:10.2307/3770596

[9] قيس سعيد: مسالك التجويع والتنكيل بالشعب التونسي انتهت، 11/08/2021. الرابط: https://bit.ly/42CQh6x

[10] Alexandre Dorna, Du populisme et du charisme, in Le Journal des psychologues 2007/4 (n° 247), pages 29 à 34. Lien: https://bit.ly/42x7bne

[11] الصفحة الرسمية لولاية بن عروسGouvernorat de Ben Arous. الرابط: https://bit.ly/3nIOy0A

انظر كذلك: بن عروس: برمجة فتح نقطة ثانية للبيع من المنتج إلى المستهلك. الرابط: https://bit.ly/3MbvNfz

[12] بعد صدور مرسوم مقاومة المضاربة غير المشروع: وزارة التجارة تؤكد تراجع الاحتكار بـ30%، 18/06/2022. الرابط: https://bit.ly/3B8G0TZ

[13] رغم مضي نحو 4 أشهر على دخول مرسوم «مقاومة المضاربة غير المشروعة» حيز التنفيذ: التجاوزات الاقتصادية تحافظ على نسقها التصاعدي بتسجيل حوالي60 ألف مخالفة والمواد الغذائية المدعمة تتصدر قائمة المحجوزات…الرابط: https://bit.ly/42Hrez4

[14] انظر في هذا الإتجاه: تونس.. انقطاع الحليب يؤرق المستهلكين ويعمق أزمة الفلاحين، 28/10/2022. الرابط: https://bit.ly/3pokgRt

[15] تدقيق مالي لحسابات الديوان التونسي للتجارة وإقرار استراتيجية شاملة لتطهير الوضعية المالية، 23/03/2023. الرابط: https://bit.ly/41wyCMO

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، أحزاب سياسية ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية