الزمن القضائي بالمحكمة الإدارية وقد استحال إنكارا للعدالة: قضية براكة الساحل نموذجا


2021-01-07    |   

الزمن القضائي بالمحكمة الإدارية وقد استحال إنكارا للعدالة: قضية براكة الساحل نموذجا

قبل الثورة، كان معيار تقييم أداء المحكمة الإدارية ما يصدر عنها من أحكام توصف بالجريئة في علاقتها بمناخ الحريات السائد.  فإصدار دائرة من دوائرها لحكم فيه تحدّ لتسلّط الدولة وانتصار لقيم الحقوق والحريات يكفي لتعلن تلك المحكمة أيقونة للقضاء التونسي وعنوانا مشرقا في صفحاته. لم يكن في ذاك السياق التاريخي السؤال عن تنفيذ تلك الأحكام ولا عن الزمن الذي استغرق مسار النطق بها ولا نسبتها من عموم ما يصدر من أحكام في ذات موضوعها مهمّا في ظل الحاجة لموقف قضائي ينتصر للحرية والحق. بعد ثورة 14 جانفي، وفيما تعلّق بذات المحكمة، تغيّر معيار التقييم فبات السؤال يتسلط على أصل أدائها لوظيفتها أي إنتاج العدالة اعتبارا لغياب ما يبرّر التغاضي عنه وانتفاء كل سبب موضوعي لاعتماد غيره.

في هذا السياق، تشكّل قضية ما يُعرف بمجموعة براكة الساحل[1] إضاءةً هامّة لغاية تقييم أداء هذه المحكمة قبل 2011 ومن بعدها. فالعسكريّون الذين تمّت تبرئتهم من محاولة الانقلاب في أوائل التسعينيات  كانوا من بين الذين طرقوا بابها في زمنيْ قبل الثورة كما من بعدها طلبا لعدلها. وهي تبدو بالنظر إلى خصوصيتها ولما توفر لنا بفضل جمعية إنصاف قدماء العسكريين من معلومات دقيقة حولها يصعب تحصيلها في عموم القضايا مدخلا للجواب عن أسئلة ظلت حتى الآن مسكوتا عنها وتتعلق بالسؤال عن الزمن القضائي في النزاع الإداري وعن عمل المحكمة قبل الثورة ومن بعدها.

 

  • براكة الساحل في المحكمة الإدارية قبل الثورة: محكمة واحدة وقضاء متعدد

تعهدت المحكمة الإدارية خلال تلك الحقبة ب 65 ملفا على علاقة بقضية براكة الساحل ثلاثة وستين منها موضوعها طلب تعويضات عن الفصل التعسفي وقضيّتان في إلغاء قرار الفصل. وقد تباين مآل قضايا التعويض على النحو الآتي:

31 حكما انتهى إلى اعتبار الدعوى ساقطة بمرور الزمن (أي ما يعادل 49% منها).

9 أحكام بالتعويض الكامل وباعتبار مختلف الرواتب المستحقة وقد تمّ تنفيذها.

17 حكما بالتعويض بمبالغ جزافية رمزية لا تتوافق مع الطلبات ولا مع معيّن الرواتب المستحقة نفذ 14 منها ولم ينفذ الباقي بسبب امتناع الإدارة عن ذلك.

فيما سجل عدم فصل في ملفين لانقطاع سيرها بوفاة أصحابها أثناء نشرها من دون تقدم ورثتهم لإتمام الإجراءات القانونية لمعاودة نشرها. كما سجل فقدان 4 ملفات من المحكمة وهي ما تزال مفقودة حتى اليوم.

أما فيما تعلق بقضايا الإلغاء، فقد حُكم في واحدة منها برفض طلب إلغاء مقرر الإحالة على التقاعد الوجوبي فيما لم يبتّ في الثانية التي نشرت في سنة 2002 لحد نهاية السنة القضائية 2019-2020 .

وتذكر هنا مصادر من مجتمع الضحايا أن الملفات التي صدرت فيها أحكام بالتعويض الكامل استبق المتضررون فيها طلبهم القضائي بتهديد بالالتجاء للقضاء الدولي تبعه توجيه  مراسلة لرئيس الجمهورية حينها، تلقوا عقبها مراسلات تدعوهم للتوجه للقضاء. وقد توحي هذه الوقائع بكون العدالة الكاملة التي توصلوا بها كانت ثمرة لعفو غير معلن أو لخوف من تدويل لمنازعتهم تزيد في متاعب النظام في ملف حقوق الإنسان.

لا يقلّل هذا الجرد والملاحظة التي أعقبته بشأن المحكمة الإدارية من جرأتها في الحكم لكنه يُبيّن أن تلك الجرأة كانت نسبية لتعلّقها بشخصية القضاة وملابسات القضايا والموقف الرسمي من المنازعة. كما يكشف أن النسبة الأكبر من الأحكام كانت منسجمة مع خيار الدولة وبالتالي تغطي على تجاوزاتها تحت حجة مرور الزمن. كما تلفت النظر لظاهرة الملفات الضائعة التي ظلت ضائعة حتى اليوم.

يفترض أن تشكل تلك الظاهرة دليلا عما كان يصطلح على تسميته بالخزانة السوداء في المحكمة الإدارية. إذ أن رؤساء المحكمة الإدارية وفي إطار تصورهم لما كانوا يسمونه دورهم السياسي كانوا يعمدون لفرز مسبق للعرائض قبل توزيعها على الدوائر ينتهي بإيداع المحرجة منها للنظام في خزانة توجد بمكتبهم لتنوّم هناك لحين زوال السبب الموجب[2] وبما ينتهي لأن يغيب كل أثر لتلك الملفات في خزائن المحكمة ولأن يفتقد المعطى حولها فيقع إيهام أصحابها بكونها ضاعت وأن البحث جارٍ عنها.

لاحقا وفي الأيام الأولى لانتصار الثورة، بادر رئيس المحكمة حينها[3] وفي حركة رمزية منه لإخراج تلك الخزانة من مكتبه وإلقائها خارجه. احتفى قضاة المحكمة الإدارية بتلك الخطوة  التي عدت في نظرهم إعلان قطيعة للتدخل السياسي في عملهم بشكل يشوهه. لكن يبدو أنهم أغفلوا معالجة آثار ما حصل من ضرر بسبب الخزانة التي عشّشت طويلا في محكمتهم بدليل تواصل ظاهرة الملفات المفقودة كما تكشف ذلك تجربة ضحايا براكة الساحل.

 

  • بعد الثورة: غابت الخزانة، ولم يحضر القضاء…

بتاريخ 10 ديسمبر 2012 وفي إطار الاحتفال الرسمي باليوم العالمي لحقوق الإنسان، استقبل رئيس الجمهورية -حينها منصف المرزوقي- العسكريين من مجموعة براكة الساحل وتولى تقليدهم رتبه العسكرية كما أنه وباسم الدولة التونسية اعتذر لهم بقوله ” العدل يجب أن ينصف هذه المجموعة ويطوي صفحة مظلمة من تاريخ البلاد”. قبل ذلك ومن بعده كان هؤلاء قد نشروا أمام المحكمة الإدارية 304 قضية جزء منها ضد وزارة الداخلية ورمت للحصول على تعويض عن الضرر المتخلّد عن التعذيب وجزء آخر ضد وزارة الدفاع ورمت للحصول على تعويض عن الضرر الحاصل بسبب المسّ بالمسار المهني. ظنّ هؤلاء وهم يطرقون باب العدالة أن اعتراف السلطة التنفيذية بالخطأ وإقرار السلطة التشريعية بحصول المظلمة بإصدارها للقانون عدد 30 لسنة 2014[4] سيحسمان المنازعات في فرعها المتعلق بثبوت الخطأ والضرر ومسؤولية الدولة عنه وأن الجهد القضائي سينحصر في تقدير ما يستحقون من تعويض بما يعني أنهم اعتقدوا أن منازعاتهم يغيب عنها التعقيد وستفصل سريعا فيجبر شيء من ضررهم.

عكس التوقع تماما، لم تفصل القضايا في زمن قصير. وأكدت التجربة أن الزمن القضائي بالمحكمة الإدارية لا يحتسب بمثل هذه البساطة.

فلم يصدر إلا 23 حكما ابتدائيا في قضايا تعويض عن الضرر في المسار المهني، عن دائرة وحيدة بالمحكمة وكان ذلك سنة 2018 وقضت جميعها بتعويض جزافي لا يستند لقاعدة موضوعية في احتساب الضرر. علاوة على كون المحكوم لفائدتهم لم يتوصلوا بلوائح أحكامهم إلا بعد انقضاء مدد زمنية تراوحت بين العام والعام ونصف من تاريخ التصريح بها. إثر ذلك مباشرة سجلوا طعنهم فيها بالاستئناف حيث لم يسجّل أي إجراء بها بعد انقضاء أجل تجاوز السنة من تاريخه.

أما بقية الملفات، فما تزال في طور التحقيق أي لدى القضاة المقررين. وفي موازاة ذلك، يلحظ أن قضايا التعويض عن الأضرار الناتجة عن التعذيب لم يتخذ فيها أي إجراء رغم أن الأغلبية منها مضى على نشر عرائضها تسع سنوات.

يلاحظ إذاً بطء واضح في نظر الملفات القضائية لا يبرر بأعمال استقرائية استوجبتها أو بإجراءات قضائية جارية فيها. وقد دفع هذا الأمر جمعية إنصاف قدماء العسكريين والتي تضمّ في عضويتها العدد الأكبر من الضحايا المتقاضين لتقديم مطالب في استعجال النظر للرئيس الأول للمحكمة الإدارية كما جرى عرف العمل في مثل حالتهم من دون أن يكون لذلك من أثر.

في ذات الإطار وبتاريخ 08-06-2020، ذكر وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية[5] أن دائرة ابتدائية بالمحكمة الإدارية أصدرت سنة 2018 ستة عشر حكما في قضايا على علاقة بملفات المصادرة الخاصة بصاحب الأعمال مروان المبروك وأنه رغم سعي المكلف العام بنزاعات الدولة لم تتمكن وزارته من تحصيل نسخ من تلك الأحكام وتعذّر عليها بالتالي التحوز بالأموال المصادرة موضوعها. حاول يومها الوزير أن يوهم نواب الشعب ومن خلفهم الرأي العام عن كون الإشكالية لا تتعلّق إلا بملفات الشخصية النافذة التي تتنازع مع الدولة وأن المسؤولية عنها تعود لرئيسة الدائرة التي صدر عنها الحكم والتي يشتبه في كون خلفية فعلها الفساد . كذبت لاحقا الأبحاث القضائية العدلية التي تمّت على مستوى وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس الادعاء بعدما كشفت أن تحرير لوائح الأحكام يتحمل مسؤوليته المستشار المقرر وأن التأخير الحاصل لم يكن استثنائيا أو خارجا عن المألوف بدليل أنه كان هناك علاوة على تلك الملفات 97 ملف يتصل بالمصادرة صدر فيها الحكم بذات التاريخ تقريبا ولم تسلم أحكامها لمن طلبها.

يتبين مما سلف أن إشكالية الزمن القضائي بالمحكمة الإدارية ظاهرة هيكلية لا يمكن معالجتها من دون اعتراف بكونها عامة ومن دون محاولة لتقصي أسبابها الموضوعية.

 

  • بطء الفصل: ظاهرة عامة

بالنسبة للقضاء العدلي، تلعب التفقدية العامة بوزارة العدل دورا هاما في رصد ظواهر بطء فصل القضايا وفي البحث عن مسبباتها وذلك من خلال دراستها للمعطيات الإحصائية التي تردها دوريا من المحاكم أو باعتماد أعمال التفقد الموطني. في المقابل، يغيب هذا الهيكل بالمحكمة الإدارية بما يمنع فعليا من كل تحليل دقيق للأداء الكمي للمحكمة والقضاة[6]. يستخلص ممّا سبق أن المحكمة الإدارية ما زالت تفتقر للآليات الهيكلية لتشخيص أدائها الوظيفي. وينتظر بالتالي من التفقدية العامة للشؤون القضائية التي أوجب القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء استحداثها وفرض نصه أن تكون لها ولاية على كل أصناف المحاكم متى سن قانونها وركزت أن تلعب دورا جوهريا في تشخيص مسببات علل الأداء بالمحكمة الإدارية.

وبانتظار ذلك، وفي ظلّ غياب المعطى الإحصائي الدقيق، يتراوح التقدير المتداول في الوسط القضائي لمعدل الزمن اللازم لاستصدار حكم في منازعة أمام المحكمة الإدارية بين خمس سنوات بالطور الابتدائي وسنة ونصف بالطور الاستئنافي وبين خمس وست سنوات بالطور التعقيبي.

 

  • الأسباب الظاهرة للظاهرة

من أهم الأسباب الظاهرة للظاهرة الآتية: – تضخم في عدد النزاعات بعد الثورة وبنتيجتها بعد تعزيز الآمال بحظوظ الوصول إلى العدالة، وهو تطوّر لم يصاحبه تطور في الإطار البشري: وفي هذا السياق، تعطينا قضايا براكة الساحل إضاءة هامة حيث أن المجموعة المعنية بها والبالغ عدد أفرادها 214 ضاعفت التجاءها للتقاضي الإداري بعد الثورة خمس مرات عما كان عنه قبلها، إذ ارتفعت قضاياها من 65 إلى 304. كما نوعت من مواضيع طلباتها: فبعدما كانت تنحصر في التعويض عن الأجور المستحقة في جزء منها وإلغاء مقرر إداري في جزء ثاني باتت أكثر تشعبا وتنوعا بما يفرض تعددا أكبر في الخصوم وحاجة لاختبارات واستقراءات أهم.

يُفسر هذا التطور النوعي والكمي في منازعات هذه المجموعة بمناخ الحريات الذي أضحى سائدا وبتطور الثقة في دولة القانون التي تفرض قيمها أن يكون القضاء من يتعهد بالخصومات وأن يلتجئ له المتقاضون دون خوف من رد فعل انتقامي أيا كان نوعه أو الجهة التي يصدر عنها. ونجد هذه الفكرة واضحة في جواب العقيد “عمر بن رمضان” وهو من تلك المجموعة عن سؤالنا له عن سبب عدم التجائه وعدد من زملائه قبل الثورة للقضاء الإداري والذي ورد فيه: “كنت أخضع لمراقبة أمنية دائمة وكانت كل محاولاتي لتحصيل باب للرزق تجهض بفعل أمن الدولة، أنا أب لأطفال ومعيل لأسرة لم أكن لأقبل بأن أزيد في معاناتهم ولذا تجنبت فتح جبهات جديدة منها الالتجاء للقضاء.. قلة من الزملاء اختاروا التصعيد. كانت لبعضهم جرأة فهدد بالالتجاء للهيئات الدولية فكان أن حكم لفائدته بتعويضات كاملة. لم يكن لنا جميعا ذات الجرأة… بعد الثورة أسسنا جمعية تدافع عن مصالحنا وكان لها دور في تطوير استعمالنا للقضاء كسبيل لنيل حقوقنا”[7].

يطرح الجدول الإحصائي التالي مقارنة بين ما يسجل من قضايا بالمحكمة الإدارية في الأطوار الحكمية الثلاث (ابتدائي واستئنافي وتعقيبي) بين سنة 2010 أي السنة التي سبقت الثورة وسنة 2016[8].

ويكشف هذا الجدول أنّ عدد القضايا التي تعهد بها قضاة الأصل تضاعف في مقابل تراجع هام في عدد القضايا التي تم تعقيبها. بما يؤكد صدقية القول بتطور ثقة المتقاضي في القضاء والوعي بالوظيفة الاجتماعية للقاضي الإداري وبالتالي التجاؤه له فيما تعلق بطرح المنازعات أمام قاضي الأصل. في المقابل وفيما تعلق بالتراجع المسجل في عدد القضايا التعقيبية، فيمكن أن يفسر بالبطء في تسليم نسخ الأحكام. وهنا أفادنا خبراء في المنازعات الإدارية[9] طرحنا عليهم السؤال أن ما يسجل سنويا من منازعات تعقيبية يكون مصدره في الغالب النزاعات التي يتعهد بها القضاء العدلي كقضاء أصل[10] ولا تمثل بالتالي الأحكام التي تصدرها المحكمة الإدارية استئنافيا إلا نسبة قليلة مما يتم تعقيبه. وسبب ذلك البطء المسجل في تسليم الأحكام عموما و تقصير الجهاز الإداري للمحكمة في توجيه الإعلامات للمتقاضين بالأحكام حسبما هو مفروض عليه قانونا.

ويتأكد مما سلف أن التطور الهيكلي البسيط الذي عرفته المحكمة الإدارية وانتهى إلى استحداث 12 دائرة جهوية لها وتطور عدد قضاتها من 98 سنة 2011 إلى 208  بداية السنة القضائية 2020-2021 على أهميته يظلّ تطورا غير متلائم مع حاجياتها. ويؤمل بالتالي من السلطة السياسية أن تعطي أولوية لإصدار النصوص التشريعية التي تنزل أحكام الدستور فيما تعلق بالقضاء الإداري والذي يمكنه بفضلها أن يتحول من محكمة إلى قضاء متعدد المحاكم متطور الامكانيات يمكنه أن يوازن بين حسن فصل المنازعات والحاجة للسرعة في ذلك. وهذا طبعا لا يتحقق إلا إذا تمت مراجعة إجراءات التقاضي الإداري طلبا لتخليصها من البيروقراطية التي تعيق سرعة حركته والتي تبرز خصوصا بطور تقرير القضايا.

 

  • مرحلة التقرير: موطن علة متفق في تشخيصها مختلف في علاجها

يكشف نظر عينة ملفات براكة الساحل أن 92,5% علقت لمدة فاقت الثماني سنوات بمكاتب المستشارين المقررين بالطور الابتدائي. يبدو هذا المآل مشتركا بينها وبين سائر الملفات وله تفسيره الموضوعي في إجراءات عمل المحكمة.

  • فالمحكمة الإدارية تضمّ في فرعها المركزي، حيث تطرح إشكالية التأخير في فصل القضايا، 15 دائرة ابتدائية يقرر ملفاتها 50 مستشارا مقررا يطلب من كل واحد منهم إدارة الاستقراء في عدد يتراوح بين 500 و700 ملف من خلال:الإشراف على استدعاء الأطراف وإعلامهم بموضوع القضية وطلب جوابهم فيها.
  • إعداد تصور لإجراءات الاستقراء المطلوبة في القضية وعرضها على رئيس الدائرة الابتدائية لطلب موافقته عليها أو لتحصيل ما يضيفه لها أو ما يطلبه بديلا عنها قبل المرور لتنفيذها باعتماد المراسلات الإدارية وبما يضمن في كل إجراء تحقيق المواجهة بين الخصوم.
  • إعداد مشاريع ختم التحقيق بمعدل لا يقل عن ستة شهريا تعرض على رئيس الدائرة الابتدائية للمراجعة قبل إصدارها وتوجيه ملفاتها للطور الحكمي.
  • صياغة مشاريع لوائح حكم لعدد لا يقل عن ستة أحكام شهريا.

يتضح من طبيعة المهام تلك أهمية المقرر في المحكمة الإدارية والتي تعود أساسا لكون قضاؤها يعول على الاستقراء. ويتبين منه أن لبطء الفصل أسباب موضوعية تجدر معالجتها، ربما كان من أهمها ما يتولد عن المراسلات من تعطيل وما تسببه الإدارة كخصم من زرع لحسها المنعدم بالزمن في ملفاتها وملفات خصومها.

  • “وجهت المراسلة ولا زلت أنتظر”: متى نتخلص من هذا الجواب؟

يفرض القانون أن يكون التراسل الإداري وسيلة تبادل التقارير والإعلام بالقرارات والإجراءات الذي يعتمد في المحكمة الإدارية. ويستدعي مثل هذا الأسلوب تخصيص فاصل زمني هام لضرورات التراسل البريدي والوقت الذي يستغرقه. ويبدو بالتالي تطوير آليات إدارة النزاع الإداري من المسائل التي يجب العمل عليها لاختزال زمن التقاضي في القضاء الإداري. وهنا يسجل بإيجابية ما ورد من مقترحات بخصوص التراسل الإلكتروني في مقترح مشروع مجلة القضاء الإداري الذي حرره قضاة المحكمة الإدارية وينتظر أن تعتمده الحكومة كمشروع قانون خاص بالقضاء الإداري وتقدمه لاحقا للمجلس التشريعي .

وللعلم، فرض القانون عدد 13 لسنة 1988[11] أن تكون مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة من ترفع ومن ترفع ضدها “الدعوى التي تكون الدولة وأية مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية طرفا فيها”. ولهذا الاختيار المؤسساتي إيجابيات كبرى على مستوى تطوير خبرة الإدارة في المنازعة وفي حماية حقوق الدولة كلما كانت طرفا في قضية لا تحجب ما تبين له من سلبية تمثلت في نقل عدوى البيروقراطية الإدارية لملفات القضاء بما زاد من عللها.

تعد مؤسسة المكلف العام إدارة عامة تابعة لوزارة  أملاك الدولة والشؤون العقارية بما يعني أنها تستقل هيكليا عمّن تنوبهم في ذات الوقت الذي تخضع فيه للسلطة الرئاسية للوزارة التي تتبعها. وتؤدي هنا استقلاليتها إلى فرض حاجتها لزمن طويل نسبيا لجمع الوثائق وتحديد الموقف الذي تطلب منها المؤسسة المتداعية الدفاع عنه فيما يشتبه في أن تكون عدم استقلاليتها الهيكلية سببا في تعطيل ملفات تتعهد بها في انتظار تعليمات ترد لها في موضوعها[12]. ويؤدي هذا لاستغراق المؤسسة وقتا هاما جدا لتقديم أجوبتها في القضايا بما يجعلها في نظر الملاحظ من أسباب بطء عمل القضاء الإداري.

نقلنا الاتهام ليونس الزمزي المستشار المقرر الرئيس بمصالح المكلف العام بنزاعات الدولة والذي أكد لنا بداية أن المكلف العام يمثل أهم متقاض بالمحكمة الإدارية سواء كممثل للمدعى عليها الجهة الإدارية أو بوصفه مدع يرفع سنويا ما بين 1400 و2000 قضية جديدة بما يفترض معه أن يكون شريكا مهما في تصور إشكاليات الزمن القضائي بها. وقد أضاف أن تلك المحكمة وعلى مستوى قضائها الاستقرائي كثيرا ما تتواصل مباشرة مع الجهات الإدارية المعنية بالنزاع دون أن تمر بالمكلف العام عن طريق توجيه مراسلات لمطالبة الإدارة المدعية بتقديم مؤيدات أو إبداء ملاحظات وهذا الواقع وحده يفسر سوء إدارة الجانب الإداري لمنازعاته بما ينتجه من تعدد في مواقفه وبما يتولد عنه بعد كل جواب من مراجعات مختلفة بين الجهات الإدارية ومحاميها المكلف العام.

ويستدعي معالجة هذا الواقع طلبا لتحسين الأداء مع المتقاضي الرئيسي بالمحكمة الإدارية أن تنفتح المحكمة على المتعاملين معها من خلال السؤال على سبل عمل مشترك لتحسين الزمن القضائي.

 

الخاتمة

يستخلص من كل ما سبق أن القضاء الإداري الذي كان دوما أيقونة السلطة القضائية ومضرب المثل فيها بفكره الخلاق و بجرأته على الحكم بات يعاني أمراضا كان من أثرها بطء كبير في نسق اضطلاعه بوظيفته الاجتماعية يستدعي فتح ملف علاجه. وهو أمر لن يتحقق إلا بكسر جدار الصمت الذي لفت به المحكمة الإدارية ذاتها، سؤال عن تصور لعلاج قد يكون التشارك في التفكير والشفافية أول خطواته.

 

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

 

[1]  فيما تعلق بالموضوع يراجع ” المظالم القضائية: براكة الساحل نموذجا “ المفكرة القانونية  11-07-2016 

[2]   في حوار صحفي له نشر بصحيفة التونسية بتاريخ 30-05-2012  تحت عنوان  ” عبد اللطيف مقطوف” ل”التونسية”: ألف صفقة عمومية غير قانونية تمت في عهد “بن علي” و هذه حكاية الخزانة السوداء في المحكمة الإدارية وهي تحتوي على ملفات ثقيلة ،  تحدث القاضي الإداري عبد اللطيف مقطوف عن تلك الخزانة فقال ” هي خزانة يتم فيها إخفاء الملفات التي لا يرغبون في فتحها وخاصة تلك التي تتعلق بالقضايا السياسية ، حيث أنها تحتوي على ملفات لم يتم النظر فيها منذ 10 و15 سنة من إيداعها المحكمة حيث كانت القضايا تخبأ لأنها تتعلق بمناضلين سياسيين وحقوقيين، … هي خزانة الملفات التي لا يُراد أن يراها القضاء أو يُنظر فيها…فالنظام السابق لا يمنعك من التقدم بقضية ولكن لا ينظر فيها وتظل في الخزانة السوداء.”

[3]  القاضي غازي الجريبي .

[4]   القانون   عدد 28 لسنــة 2014 مؤرخ في 19 جوان 2014 يتعلق بتسوية وضعية العسكريين المتضررين من قضية براكة الساحل

[5] جلسة استماع عقدتها لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام حول ملفي المصادرة واسترجاع الأموال المنهوبة بالخارج.

[6] يلاحظ أن الرئاسة الأولى للمحكمة تعد سنويا تقريرا عن نشاط المحكمة يقدم لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب يمكن أن يفيد  في تقييم نشاط المحكمة  لكنها لا تبادر لنشره رغم أن قانون النفاذ للمعلومة يلزمها بذلك  .

[7]  حوار مع الباحث .

[8]  معطيات إحصائية لم يسبق نشرها تم تحصيلها بموجب طلب نفاذ للمعلومة  مع الإفادة انه   لم نتمكن من إحصائيات السنوات التالية .لما ذكر من كون المحكمة لم تتم انجازها في تاريخ تحرير هذه الدراسة .

[9]  طرحنا السؤال على خمسة محامين بارزين في المنازعات الإدارية اثنان منهما قاضيان إداريان سابقان.

[10]   فرضت مركزية المحكمة الإدارية  على المشرع التونسي البحث عن حلول تلائم اعتماده نظام القضاء المزدوج مع حق المتقاضي في القضاء . وانتهى في هذا الإطار لأن ترك للقضاء العدلي جانبا هاما من النزاعات الإدارية لينظرها كقاضي أصل على أن تكون المحكمة الإدارية الجهة التي تتعهد بنظر التعقيب فيها (منها نزاعات قرارات الهيئات المهنية – النزاعات الجبائية – نزاعات الضمان الاجتماعي – قضايا الانتزاع للمصلحة العامة ….) وربما تكون هذه القضايا في تنوعها وفي عددها الجانب الأكبر من كتلة اختصاص القضاء الإداري تعقيبيا بما يطرح السؤال حول الأثر المحتمل لإصلاح تشريعي يعيد للقضاء الإداري صلاحية نظر هذه القضايا في الأصل على  الزمن القضائي بهذا القضاء

[11]   قانون عدد 13 لسنة 1988 مؤرخ فى 7 مارس 1988 يتعلق بتمثيل الدولة والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمؤسسات الخاضعة لإشراف الدولة لدى سائر المحاكم

[12] نقابة المستشارين المقررين بالمكلف العام بنزاعات الدولة اتهمت وزيرا سابق لأملاك الدولة  بالتدخل  لخلفيات سياسية  في عمل المؤسسة كما يلاحظ أن عددا ممن كلفوا بمهام مكلف عام بنزاعات الدولة استقالوا منها و  تم تفسير  ذلك  بالضغوط الذي تعرضوا  لها من الوزارة

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، استقلال القضاء ، البرلمان ، تونس ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم جزائية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *