الخط السّاخن للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين: ذاكرة انتفاضة تشرين


2020-10-22    |   

الخط السّاخن للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين: ذاكرة انتفاضة تشرين
تصوير ماهر الخشن

نشر هذا المقال ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو يتضمّن سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية.   

 

خلال تظاهرات حراك 2015 كنت أكتب رقم الهاتف 78935579 على يدي قبل النزول إلى الساحات تحسّباً لتعرّضي أو تعرّض أحد أمامي للتوقيف. لم أكن أعلم حينذاك من هو الشخص الذي يتلقّى الشّكاوى وكيفية وصل الموقوفين بالمحامين المتطوّعين. أما الآن، ومع اندلاع انتفاضة 17 تشرين، أُعيد تفعيل الخطّ الساخن لـ”لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” وكنت أنا هذه المرّة على الطرف الثاني من الخط.

 

مسيرة الخط الساخن منذ العام 2015

 في العام 2015، ومع ازدياد حاجة المتظاهرين إلى المُحامين للإفراج عن الموقوفين بينهم من جهة، ومبادرة عدد من المحامين بالمساعدة من تلقاء أنفسهم من جهة أخرى، وتحضيراً للتظاهرة الكبرى في 29 آب 2015، بادرت “المفكرة القانونية” للدعوة إلى إنشاء لجنة من المحامين المتطوّعين للدفاع عن موقوفي الحراك واضعة خطاً ساخناً لهذه الغاية. وقد هدف ذلك الخط إلى تأمين صلة الوصل بين الموقوفين وأهاليهم من جهة والمحامين المتطوّعين من جهة أخرى، وإلى ضمان توثيق المعلومات لتنسيق جهود المحامين. استمرّ عمل هذه اللجنة حتى بعد انتهاء حراك 2015 للدّفاع عن المتظاهرين في الدّعاوى العالقة أمام المحاكم العسكرية والجزائية.

في العام 2019، اتّخذتُ موقع متلقيّة الاتصالات على الخط السّاخن مع عدد من المتطوّعين الذين عملوا على الخط خلال حراك 2015. في 18/10/2019، وقبل الإعلان عن تفعيل الخط رسميّاً، قام المتظاهرون وأهاليهم بتفعيله من تلقاء أنفسهم على إثر توقيف العديد من المتظاهرين فور اندلاع الانتفاضة. واستقبل الخط السّاخن منذ اندلاع الانتفاضة لغاية إعلان حالة التعبئة العامة لمواجهة وباء كورونا في 15 آذار 2020 أكثر من 1600 اتّصال للتبليغ عن انتهاكات مختلفة لحقوق المتظاهرين. وخلال هذه الفترة، عمل الخط السّاخن طيلة أيّام الأسبوع من الساعة الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل وذلك حسب تطوّر التظاهرات. وحين تشتدّ أعمال العنف والاعتقالات، يكون الخط السّاخن مفعّلاً طيلة الليل لتلقّي أي تبليغ عن فقدان أو اعتقال أو ضرب متظاهرين. ومع تزايد الشكاوى وتوسّع عمل الخط الساخن، توسّع فريق العمل الذي كان يتألّف من خمسة إلى عشرة متطوّعين ومتطوّعات نتناوب على ساعات العمل لتأمين التوازن بين استمرارية وجهوزية الخط الساخن ومشاركتنا في التظاهرات والتواجد في الساحات. فما هي أهمية الخط الساخن؟ وماذا يعلّمنا عن مسار الانتفاضة في لبنان؟

 

تطوّر عمل الخطّ الساخن مع ازدياد البطش الأمني

في بداية الانتفاضة، كانت الاتّصالات تردنا بكثافة من أهالي الموقوفين ورفاقهم وبعض المصابين خلال التظاهرات، وازدادت الاتصالات مع تزايد البطش الأمني والاعتقالات العنيفة. عند ورود اتّصال عن توقيف متظاهر، كان دورنا يقوم على إرسال اسم الموقوف على الفور إلى المحامين مع مكان توقيفه، لكيْ يتمكّنوا من متابعة وضعه. هنا، تكمن أهمية الخط الساخن: ففور إعلام المحامين بوجود حالة اعتقال، يسارع بعضهم إلى الثكنة أو الفصيلة في مسعى لمقابلة الموقوف والاطّلاع على وضعه الصحي وتزويده بالمعلومات الضرورية وإعلامه بحقوقه خلال التحقيق ومتابعته إلى حين الوصول إلى الإفراج عنه. بعد دخول المحامين إلى الثكنات وفور موافاتنا بأوضاع الموقوفين، كان من أولوياتنا التواصل مع الأهل لإعلامهم بمكان الاحتجاز والتهدئة من روعهم وطمأنتهم إلى أحوال أولادهم. أما في حال التوقيفات الجماعية العشوائية، وحين كانت تردنا أسماء جديدة في كل دقيقة (إذ بلغ عدد المعتقلين في إحدى التظاهرات حوالي الستّين في ليلة واحدة)، كنّا نتقاسم الأدوار: كانت إحدى المتطوّعات تتولّى التواصل مع الأهل والأصدقاء لتبادل المعلومات عن الموقوفين، فيما تتولّى متطوّعة أخرى تحديث لوائح أسماء الموقوفين تباعاً عند ورود أيّ اسم جديد وإرسالها إلى المحامين.

لكن مهمة فريق الخط الساخن لا تتوقف عند هذا الحدّ. فبعدما يتمّ الإفراج عن المعتقلين وخروج المصابين من المستشفيات تبدأ مرحلة التوثيق.

 

توثيق الانتهاكات: ضمان حفظ الأدلة بشكل سريع

إلى جانب ربط الثوار بالمحامين لتقديم الدعم القانوني، عمل فريق الخط الساخن في “المفكرة” على توثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية وجمع الأدلّة، وذلك بشكل أساسي من خلال إجراء مقابلات مع الموقوفين والمصابين وتأمين استحصالهم على تقارير من أطباء شرعيين. هكذا، تمكّنا من توثيق اشتداد أساليب القمع المتّبعة من القوى الأمنية خلال التظاهرات: ففي البداية، رصدنا استخدام العصيّ في ضرب المتظاهرين واستعمالاً مفرطاً للغاز المُسيّل للدموع في حشود كبيرة. ومع متابعة حالات المصابين، تمكنّا من رصد مخالفات عديدة في عملية إلقاء القنابل المسيلة للدموع التي كانت تُرمى مباشرة على الجزء العلوي من أجساد المتظاهرين. وبالاستناد إلى تقارير الطب الشرعي، وثّقنا إصابات في الرأس وإصابات أخرى أدّت إلى فقدان حاسّة البصر والسمع جزئياً أو بالكامل. وبعد أشهر من التظاهر، بدأ استعمال الرّصاص المطّاطي ووردتنا اتصالات عن إصابات في رؤوس وعيون المتظاهرين والضرب على الأعضاء التناسلية.

أما فيما يتعلّق بالمحتجزين، فقد لاحظْنا تدخّل قوى أمنية وعسكرية ومدنية جديدة مع استمرار الاحتجاجات: من مكافحة الشغب والجيش في البداية إلى مناصرين للأحزاب وحرس مجلس النوّاب وغيرهم في مراحل لاحقة. ووصف الموقوفون كيفيّة تعامل الأجهزة معهم، فتحدّثوا عن ضرب وحشي تعرّضوا له في الساحات وأثناء الاعتقال وعن الكلام النّابي الذي كان يوجّه إليهم والذي لم يخلُ من الوعيد والتهديد فضلاً عن العديد من أساليب التعذيب النفسي والجسدي. “إذا بعد بشوفك تحت بدي كسّرلك إجريك” أو أيضاً “(الزعيم فلان) تاج راسك… منشيل الله ومنحط (الزعيم فلان)”. ولم يكن من السّهل علينا أثناء الاتّصال بأهالي الموقوفين سماع بكاء الأمهات ونحن نبلغهنّ عن تعرّض أبنائهنّ لتعامل ميليشيوي. إلّا أنّه في أغلب الأحيان، كان يتبع البكاء كلمات تعبّر عن قناعتهنّ بعدالة قضية أبنائهنّ وفخرهنّ بهم وعن تماهي مختلف الأجيال مع مطالب الانتفاضة.

ومع بدء العام 2020، لاحظنا ازدياد الاستدعاءات إلى التحقيق الموجّهة للناشطين سواء على خلفية مشاركتهم في تظاهرات أو على خلفية ما ينشرونه على مواقع التّواصل الاجتماعي. وفي اتّصال مسجّل أرسله لنا أحد المستدعين أمام أحد مكاتب التحقيق، يقول المستدعى للمتّصل من الجهاز الأمني: “إجري ع إجر المحامي تبعي… ما بنزل بدونه”. فبعضهم كانوا يعلموننا بذهابهم إلى التحقيق حتى نتمكّن من تأمين المساعدة القانونية لهم في حال احتاجوا إليها والبعض الآخر كانوا يصرّون على تأمين محام لمرافقتهم إلى التحقيق.

 

مواكبة الخطّ الساخن للاحتياجات القانونية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية

رغم تخصيص الخطّ الساخن لحالات التوقيف والاعتداءات والاستدعاءات إلى التحقيق، تحوّل إلى خط مركزيّ خلال الانتفاضة ترد إليه مختلف شكاوى الناس التي لا مرجع آخر لها، لا سيّما بسبب حصر نقابتي المحامين (الشمال وبيروت) دورهما في هذا المجال بتقديم الدعم القانوني من خلال التمثيل القانوني أمام المحاكم من دون تقديم استشارات قانونية.

مع توّسع أعداد الملتزمين بالإضراب العام في الأسابيع الأولى للانتفاضة، قرر الطلّاب والتلاميذ أن “يقاطعوا دروس التاريخ ليكتبوا هم التاريخ”، فجابوا الشوارع مطالبين بحقوقهم. لم تكن أهمية دور الطلاب في التظاهرات خافية على أحد واختصر ذلك مغنّي الرّاب مازن السيّد في أغنيته “النار”: “من جرد النجاص لكامد اللوز نبتت أرضي تلاميذ وبتعطي دروس”. وفي المقابل، ردّ العديد من مدراء المدارس أو الأساتذة بتهديد التلاميذ بالصّرف من المدارس وبمنعهم من تقديم امتحاناتهم. فوردتنا رسائل من تلاميذ لا تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة: “أنا نزلت تظاهرت واليوم المديرة قالتلنا مش رح تخلّينا نعمل الإمتحانات… هل بحقلها؟ شو فيني أعمل؟” لذلك قام اتّحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة بتفعيل خطّه الساخن لحماية التلاميذ والطلاب خلال مشاركتهم في الانتفاضة.

ومع تدهور الحالة الإقتصادية، تلقّينا في بادئ الأمر اتّصالات من العمّال الذين تمّ تخفيض معاشاتهم بسبب تغيّبهم عن العمل لمشاركتهم في التظاهرات أو عدم تمكّنهم من الوصول بسبب تسكير الطرقات. ومن ثمّ تفاقم الأمر إلى حدّ طرد العديد من العمال تعسّفياً بحجّة الظروف الإقتصادية السيئة. وقد تلقّينا شكاوى من حوالي 1000 حالة طرد أو خفض للمعاشات خلال الأشهر الأولى للانتفاضة. وفي اتّصال، عبّرت موظّفة في إحدى الشركات عن رغبتها في المشاركة بالتظاهرات. وفي اليوم التالي عاودت الاتصال بنا لتخبرنا بأنها طُردت من العمل لهذا السبب. لذا شعرنا أنّه من الضروري تلبية شكاوى العمال فتعاونّا مع شركائنا في “المرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظفين” من أجل إنشاء خط ساخن خاصّ للعمال والعاملات وربطه مع مجموعة من المحامين المتطوّعين لتقديم الاستشارات القانونية في مجال قانون العمل.

من ثم بدأت تردنا شكاوى من المودعين وعملاء المصارف الذين لم يتمكّنوا من سحب أموالهم من المصارف بسبب القيود غير القانونية التي فرضتها عليهم. وعليه، أنشأت لجنة المحامين في حملة الدفاع عن المودعين خطاً ساخناً مخصّصاً لتلقّي الشكاوى. كما قمنا بربط أصحاب القروض الذين بادروا بالامتناع عن سداد مستحقّاتهم مع حملة “مش دافعين” بهدف توسيع دائرة التضامن والتنسيق في مواجهة الأزمة.

وهكذا أصبح الخط الساخن خطوطاً ساخنة تؤدّي دور الرّابط بين الناس الذين يحتاجون إلى أيّ نوع من الدّعم قانوني ومختلف الجهات المعنيّة من جمعيّات ولجان تقدّم الاستشارات القانونية. وأصبحنا مواكبين لمختلف حاجات الناس القانونية وعلى السّمع بشكل مستمرّ لحماية حقوقهم في التظاهر والتعبير.

 

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في التعليم ، الحق في الصحة ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، حقوق العمال والنقابات ، حقوق المستهلك ، عمل ونقابات ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصارف



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *